Beranda / التاريخ الافتراضي / ميزانُ المَجْد / الفصل السابع: ما تركه الرجل الحكيم

Share

الفصل السابع: ما تركه الرجل الحكيم

last update Tanggal publikasi: 2026-07-24 19:50:13

مستودع آل الطاهر القديم — منتصف ليل 18 يوليوز 1830

انزلق الحجر إلى الداخل بصريرٍ خافت، أقل احترافاً بكثير من الآلية التي كان إدريس قد تخيلها في أحلامه الأولى عن هذا العالم — لم يكن هناك نظام توازنٍ معقد، بل مجرد رافعةٍ حجرية بسيطة، من النوع الذي قد يبنيه أي بنّاءٍ ماهر يعرف بعض أسرار الحرفة القديمة. كشف الفتحُ عن مساحةٍ ضيقة خلف الجدار، بالكاد تتسع لرجلٍ واحد أن يقف منتصباً بداخلها.

دخل إدريس أولاً، والقنديل يرتجف قليلاً في يده من فرط الترقب، وعمر خلفه مباشرة، أنفاسه محبوسة.

كانت الغرفة الصغيرة تحتوي على طاولةٍ خشبية بسيطة، وصندوقٍ حديديٍّ مقفل، ورفٍّ صغير عليه عدة لفافاتٍ من الجلد، مغطاة بطبقة غبارٍ خفيفة تشي بأنها لم تُمس منذ سنتين بالضبط — منذ اختفاء الطاهر بن يوسف.

بيدٍ ترتجف من ترقبٍ لا يستطيع كبته، فتح إدريس أولى اللفافات. لم تكن رسوماً هندسية معقدة، ولا مخططاتٍ لآلاتٍ خارقة كما توقع نصفه — قلب المهندس — بشيءٍ من الأمل الطفولي. كانت أوراقاً بخط والده، مليئة بحسابات وأفكارٍ أبسط بكثير، لكنها — كما أدرك إدريس بسرعة — ثوريةٌ تماماً لزمانها.

"جماعة تجار سلا للتعاضد"، كان العنوان مكتوباً بخطٍّ واضح أعلى الورقة الأولى.

قرأ إدريس بصوتٍ خافت، وعمر يقترب لينظر فوق كتفه: فكرة والده كانت بسيطة في جوهرها لكنها ذكية بعمق — أن يتفق عددٌ من كبار تجار المدينة على صندوقٍ مشتركٍ للمال، يُستخدم لشراء المحاصيل من الفلاحين مباشرة بأسعارٍ عادلة قبل أن يصل إليها وسطاء القناصل الأوروبيين الذين كانوا يشترونها بأبخس الأثمان ثم يبيعونها في أسواق أوروبا بأضعاف مضاعفة، بينما يُغرقون سوق سلا نفسها ببضائع صناعية رخيصة تُفلس الحرفيين المحليين. كان الطاهر بن يوسف قد بدأ فعلاً بالتواصل سراً مع خمسة تجار آخرين، وكانت أسماؤهم مدونة في الورقة، بعضهم لا يزال إدريس يعرفه من ذاكرة الفتى القديمة كتجارٍ محترمين في السوق.

في اللفافة الثانية، وجد إدريس رسماً بدائياً — ليس لآلة نسيجٍ متطورة كما كان يحلم المهندس بداخله، بل تحسيناتٍ بسيطة على نول النسيج التقليدي، أفكاراً استوحاها الأب على الأرجح من حديثه مع حرفيين محليين أذكياء: طريقة لتسريع حركة المكوك، وتعديلٌ في زاوية الخيوط لتقليل الفاقد من الصوف. لم تكن أفكاراً ثورية بمقاييس المهندس القادم من 2026، لكنها كانت، لزمانها، خطوةً حقيقية نحو الأمام — خطوةً توقفت فجأة باختفاء صاحبها.

"كنتَ تسير في الطريق الصحيح يا أبي،" فكّر إدريس بحزنٍ مفاجئ. "لكن أفكارك كانت بذرةً فقط. أنا أحمل الآن الشجرة الكاملة في ذهني، وسأكمل ما بدأتَه."

اقترب من الصندوق الحديدي المقفل، وحاول رفع غطائه، لكنه لم يتزحزح.

"لا يوجد مفتاح يا سيدي،" قال عمر بصوتٍ منخفض، وهو يفحص القفل بالقنديل. "ربما كان أبوك يحمله معه..."

توقف عمر فجأة، مدركاً ما يعنيه ذلك: إن كان المفتاح مع الطاهر بن يوسف حين اختفى، فإن هذا الصندوق قد يبقى مقفلاً إلى الأبد، أو — احتمالٌ أكثر إثارة للقلق — ربما لم يكن المفتاح وحده ما اختفى مع الأب، بل ربما كان الصندوق نفسه، أو ما بداخله، هو سبب اختفائه.

بدأ إدريس يفحص القفل بعناية مهندسٍ يعرف آليات أبسط بكثير مما يحتاج، حين سمعا فجأة صوتاً.

خطوات.

خفيفة، حذرة، لكنها حقيقية، تقترب من الممر الخارجي للمستودع.

تجمّد الاثنان في مكانهما. أطفأ إدريس القنديل بسرعة بأصابعه، غاطساً الغرفة الصغيرة في ظلامٍ دامس، بينما أشار لعمر بالصمت التام.

اقتربت الخطوات أكثر، ثم توقفت عند باب المستودع الخارجي المفتوح، الذي نسيا إغلاقه خلفهما في اندفاع اللحظة.

سمع إدريس صوت تنفسٍ آخر، غريباً عن المكان، يقترب بحذرٍ شديد نحو الجدار الحجري، وكأن صاحبه يعرف بالضبط إلى أين يتجه.

ثم سمع صوتاً هامساً، يتحدث كمن يخاطب نفسه أو ظلاً لا يراه أحد:

"أعرف أنك هنا يا ابن عمي. رأيتكما تدخلان قبل قليل."

جمد قلب إدريس. عرف الصوت فوراً، رغم همسه الخافت.

كان صوت الطيب.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • ميزانُ المَجْد   الفصل السابع والثلاثون: سؤالٌ لا يريد إدريس أن يطرحه

    المستودع — منتصف مارس 1832كان إدريس يراجع دفاتره وحيداً ذلك المساء، حين توقف فجأة، قلمه معلّقٌ في الهواء، وفكرةٌ بدأت تتشكل ببطء، مزعجة، لم يستطع طردها بسهولة.كان قد سمع، قبل أيام، من حديثٍ عابر بين تجّار السوق، تفاصيل غامضة عن "شروطٍ خاصة" فرضها السلطان على القنصل الإسباني المقيم في سلا. لم يكن قد أولى الأمر اهتماماً كبيراً وقتها، مشغولاً بأزمة الصوف. لكن الآن، وحيداً في صمت المستودع، عاد السؤال يطرق ذهنه بإلحاح: "لماذا لا أتذكر شيئاً عن هذا في كل ما قرأتُه عن تاريخ المغرب في حياتي الأخرى؟"لم يكن هذا سؤالاً بسيطاً. كان إدريس، بذاكرته من عالمٍ آخر، قد قرأ بشغفٍ حقيقي عن هذه الحقبة بالذات — سياسة السلطان عبد الرحمن الحذرة، معاهداته، مواقفه من الأزمة الجزائرية. كيف يمكن أن يفوته تفصيلٌ كهذا: قنصلٌ أوروبيٌّ يُمنح إقامةً استثنائية في مدينةٍ تجارية بشروطٍ تتضمن انفتاحاً معرفياً غير مسبوق؟جلس إدريس طويلاً، يفكر بجدية في احتمالين لا ثالث لهما، كما فكّر فيهما مراراً في لحظات شكٍّ مشابهة منذ استيقاظه في هذا الجسد."الاحتمال الأول،" فكّر بمحاولة تهدئة نفسه، "أن معرفتي التاريخية، مهما بدت وا

  • ميزانُ المَجْد   الفصل السادس والثلاثون: ذاكرة المهندس

    المستودع — مساء يومٍ هادئ، فبراير 1832بعد نجاح العربة المحسّنة، جلس إدريس وحيداً تلك الليلة، يراجع رسوماته المتناثرة على الطاولة، وسمح لنفسه، للمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، أن يستحضر بوضوحٍ كامل ذاكرة حياته الأولى — لا كصورٍ متناثرة يستخدمها عند الحاجة، بل كسيرةٍ متكاملة يتأملها بهدوء.لم يكن مجرد "مهندسٍ" غامض كما فكّر في نفسه أحياناً بتبسيطٍ مفرط. كان قد قضى خمساً وعشرين سنة كاملة من حياته الأولى مهندساً ميكانيكياً متخصصاً في تصميم الآلات الصناعية، بدأ حياته المهنية في خطوط إنتاج مصانع النسيج، يراقب عن قرب كل ترسٍ وكل عمودٍ ناقلٍ للحركة، قبل أن يتدرج ليصبح، في العقد الأخير من حياته تلك، مديراً لمصنعٍ كامل، مسؤولاً عن كل تفصيلٍ من تفاصيل الإنتاج والصيانة والتطوير.وسط كل ذلك، كان شغفه الحقيقي، خارج ساعات العمل، ينصبّ على أمرين بدآ يبدوان له الآن، بعد كل ما حدث، وكأنهما تدريبٌ مسبق لمصيرٍ لم يكن يعرف أنه ينتظره: تاريخ المغرب، وقراءته المتعمقة عن الثورة الصناعية الأوروبية، تلك اللحظة التي حوّلت أوروبا من قارةٍ زراعية إلى قوةٍ صناعية سحقت، ببطءٍ ثم بسرعة، كل من لم يواكبها."لم أكن أحفظ تص

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الخامس والثلاثون: عجلاتٌ لا تنكسر

    طريق الأطلس — يناير 1832عاد سعيد من رحلته الشهرية إلى قرية آيت الجبل بخبرٍ محبط: عربةٌ من عرباتهم الثلاث انكسر محورها في منتصف الطريق الجبلي الوعر، واضطر الرجال لنقل حمولتها على ظهور البغال يدوياً حتى أقرب نقطة إصلاح، مضيّعين يومين كاملين."هذه المرة الثالثة في شهرين يا سيدي،" قال سعيد بإحباطٍ واضح. "العربات التي نشتريها من نجاري سلا مصممة لطرق المدينة المستوية، لا لهذه الدروب الجبلية الوعرة."جلس إدريس يفكر في المشكلة تلك الليلة، وشعر بشيءٍ يوقظ فيه جزءاً من ذاكرته القديمة لم يستخدمه كثيراً منذ استقر في هذا العالم — لم يكن هذا سؤالاً تجارياً أو استراتيجياً، بل سؤالاً هندسياً بحتاً، من النوع الذي كان يحبه المهندس بداخله قبل أن يصبح تاجراً ومقاوماً اقتصادياً."محاور العربات التقليدية جامدة تماماً،" فكّر، وهو يرسم مخططاً بسيطاً على ورقة. "كل صدمةٍ من الطريق الوعرة تنتقل مباشرة إلى المحور، حتى ينكسر عاجلاً أم آجلاً. لو استطعنا امتصاص جزءٍ من تلك الصدمات..."تذكّر مبدأً بسيطاً من ذاكرته الهندسية: نظام تعليقٍ بدائي، ليس بالنابض الفولاذي المعقد الذي سيُخترع لاحقاً بعقود، بل بشيءٍ أبسط بكثي

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الرابع والثلاثون: صدى لا يُسمع

    المستودع — يناير 1832مرّت شهورٌ ثلاثة دون أي ردٍّ على رسالة إدريس. لم ييأس تماماً، لكنه شعر، مع كل أسبوعٍ يمر بصمت، بثقل شكٍّ متزايد يتسلل إلى يقينه الأول.جاء الرد أخيراً، في مطلع يناير 1832، لا من كاتب الديوان نفسه، بل من كاتبٍ مساعدٍ أدنى مرتبة، برسالةٍ قصيرة ومقتضبة، مكتوبة بخط رسميٍّ باردٍ لا يحمل أي أثرٍ شخصي:"وصلت ملاحظاتكم بخصوص الشأن التلمساني إلى من يهمه الأمر. يُشكر اهتمامكم بمصالح الأمة. الشؤون السياسية والعسكرية من اختصاص أهلها، وفقاً لحكمة مولانا نصره الله. وفقكم الله في تجارتكم."قرأ إدريس الرسالة مرتين، ثلاث مرات، محاولاً أن يجد فيها ولو إشارةً واحدة تدل على أن أحداً قرأ محتواها الفعلي بجدية، لا مجرد تصنيفها ضمن "رسائل عامة من رعايا يهتمون بالشأن العام" وأرشفتها دون قراءةٍ حقيقية.لم يجد شيئاً. كانت رسالة رفضٍ مهذب، من النوع الذي يُرسَل لعشرات الرسائل المشابهة كل شهر، دون أي تمييزٍ حقيقي لمحتواها.جلس إدريس وحيداً طويلاً، يحدّق في الورقة، وشعر بشيءٍ لم يشعر به من قبل بهذا الوضوح منذ استيقاظه في هذا الجسد: إحساسٌ حقيقيٌّ بالحجم الهائل للمسافة بينه وبين أي تأثيرٍ فعلي

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الثالث والثلاثون: أخبارٌ من الشرق

    بيت الحاج إبراهيم — أوائل نوفمبر 1831جاء إدريس في زيارته الأسبوعية المعتادة، ليجد الحاج إبراهيم منشغلاً بقراءة رسالةٍ طويلة وصلته للتو من أحد معارفه القدامى في طنجة، وجهه يحمل قلقاً لم يعتد إدريس رؤيته عليه بهذا الوضوح."أخبارٌ من الشرق يا بني،" قال الحاج إبراهيم دون مقدماتٍ، وأشار له بالجلوس. "أخبار قد تهمّك، بحكم كل ما تحمله من اهتمامٍ بمصير هذه البلاد."استمع إدريس بتركيزٍ تام بينما شرح له الحاج إبراهيم، بخبرته الطويلة في قراءة الأخبار السياسية عبر شبكته التجارية، تفاصيل ما كان يحدث في الشرق: أهل تلمسان والغرب الجزائري أرسلوا وفوداً لمبايعة السلطان مولاي عبد الرحمن منذ أشهر، طلباً لحمايته من الفرنسيين، وقد عيّن السلطان ابن أخيه مولاي علي حاكماً هناك."لكن الآن،" أكمل الحاج إبراهيم بقلق، "تصلني أخبار أن فرنسا بدأت تحتج بشدة على هذا التدخل المغربي، وأن القنصل الفرنسي في طنجة يهدد بعواقب وخيمة إن استمر السلطان في دعم تلمسان بهذا الشكل المباشر."شعر إدريس بثقل التاريخ يتحرك أمامه، حياً وواقعياً، لا مجرد سطورٍ في كتابٍ قرأه يوماً في حياةٍ أخرى بعيدة. عرف، بذاكرته من عالمه القادم، أن هذ

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الثاني والثلاثون: سنتان لحلمٍ لم يُولد بعد

    بيت الحاج إبراهيم — أواخر أكتوبر 1831استقبلت أمينة مولاي رشيد بنفسها هذه المرة، بحضور أبيها كشاهدٍ صامت، في الفناء المفروش بالزليج الأزرق. جلس الشاب بوقارٍ يليق بمكانته، ينتظر جوابها بصبر رجلٍ واثقٍ من نفسه دون غرور."مولاي رشيد،" بدأت أمينة، بصوتٍ ثابت لا يخلو من احترامٍ صادق، "عرضك يشرّفني حقاً، ولستُ أبالغ حين أقول إني لم ألتقِ برجلٍ يوازيك علماً وأدباً منذ زمنٍ طويل."انحنى مولاي رشيد برأسه شكراً، منتظراً بقية الجملة التي شعر بترددها القادم."لكني أطلب منك أمراً قد يبدو غريباً،" أكملت أمينة. "أطلب مهلة سنتين، قبل أن أعطيك جواباً نهائياً."اتسعت عينا مولاي رشيد بمفاجأةٍ مهذبة. "سنتان؟ هذا وقتٌ طويل يا آنسة أمينة. هل لي أن أسأل عن السبب؟"نظرت إليه أمينة بصدقٍ مباشر، دون مراوغة. "لأني، يا مولاي رشيد، أشعر أن هناك شيئاً يجب أن أحققه بنفسي أولاً، هنا في سلا، قبل أن أربط حياتي بأي رجل، مهما بلغت قيمته. لا أريد أن أدخل زواجاً وأنا لا أزال أشعر أن جزءاً مني لم يكتمل بعد.""وما هذا الشيء الذي تريدين تحقيقه؟" سأل بفضولٍ حقيقي، لا اعتراض.ابتسمت أمينة ابتسامةً حالمة، كأنها تكشف سراً حملته

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status