INICIAR SESIÓNالفصل العشرون: ولادة عون
لم تنم رويدة تلك الليلة إلا على فترات متقطعة، كأن النوم نفسه يرفض أن يكتمل داخلها.كلما أغمضت عينيها، كانت ترى الباب يقف أمامها… وصوت عاصي يتردد في الممر: “لازم نحكي عن الطفل…”جملة واحدة فقط، لكنها بقيت عالقة في صدرها كأنها حجر لا يزول.عند الفجر، كانت قد استسلمت لليأس الصامت، لكن جسدها خذلها أولًا.ألم مفاجئ.ليس ألمًا عاديًا.كان شيئًا يمسكها من الداخل بقوة، كأنه يضغط على حياتها كلها دفعة واحدة.في تلك الليلة، لم يكن البيت هادئًا كما يبدو من الخارج.كان هدوءه كاذبًا… مثل سطح ماء يغطي تحتَه عاصفة لا ترى.رويدة جلست في غرفة الجلوس وحدها، لا تبكي، لا تتحرك، فقط تحدق في نقطة ثابتة على الأرض، كأنها تحاول أن تفهم كيف تحوّل كل شيء بهذه السرعة إلى اتهام.“فحص نفسي…”الكلمة كانت تدور في رأسها مثل دائرة لا تنتهي.لم تكن المشكلة في الفحص نفسه… بل في ما سبقه وما سيأتي بعده.في أن أحدًا قرر أنها لم تعد تُصدّق.في أن زوجها… وأب أطفالها… لم يقل "لا" بوضوح.في أن الصمت أصبح موقفًا.سمعت خطوات عاصي تقترب.ثم توقف عند الباب.لم يدخل فورًا.وهذا التوقف وحده كان كافيًا ليجعل قلبها يتوتر أكثر من أي مواجهة.دخل أخيرًا.كان يحمل ورقة أخرى.لكن هذه المرة لم يجلس.بقي واقفًا.رويدة رفعت عينيها إليه ببطء: "هل هناك شيء آخر؟"صوته كان منخفضًا، مرهقًا، كأنه لا يريد أن يكون موجودًا في هذه اللحظة: "اجتماع العائلة غدًا."صمت.
في ذلك الصباح، لم يكن البيت كما هو.لم تكن الجدران مختلفة، ولا الأثاث تغيّر، ولا حتى ضوء الشمس الذي يتسلل من النوافذ… لكن شيئًا غير مرئي كان قد انكسر في الهواء، شيء يشبه الثقة، أو ربما يشبه الأمان.رويدة وقفت في الممر الطويل، حافية القدمين، تحمل بين يديها كوب ماء لم تشربه بعد. كانت تسمع خطوات خفيفة في الأعلى… خطوات تعرفها جيدًا.راما.تلك الخطوات كانت دائمًا تحمل معها شعورًا غامضًا، كأنها لا تمشي على الأرض بل على أعصاب الآخرين.نزلت راما الدرج ببطء، ترتدي ثوبًا فاتحًا، وشعرها منسدل بعناية مبالغ فيها، وكأنها ذاهبة إلى عرض مسرحي لا إلى صباح عادي في بيت عائلة.توقفت عند آخر درجة، ونظرت إلى رويدة نظرة طويلة… نظرة لا تحمل خصومة مباشرة، بل شيئًا أخطر: شفقة مصطنعة.ابتسمت.لكنها لم تصل إلى عينيها.قالت بصوت هادئ بشكل مزعج: "رويدة… إلى متى ستستمرين في هذا؟"رويدة لم ترد فورًا. كانت تعرف هذا الأسلوب. تعرفه جيدًا الآن.تلك الجملة ليست سؤالًا… بل بداية فخ.وضعت الكوب على الطاولة وقا
لم تكن رويدة تعرف أن السقوط الحقيقي لا يحدث دفعة واحدة… بل يحدث بصمت.ببطء يشبه انطفاء شمعة داخل غرفة مغلقة.في البداية تظن أنك ما زلت ترى الضوء، ثم تكتشف أن ما كان يضيء هو آخر ما تبقى منك.عندما أُغلِق الباب عليها، لم يكن الألم في الجدران الباردة، بل في الحقيقة التي بدأت تتشكل داخلها:لم يعد أحد يراها كما كانت.جلست على الأرض، ظهرها مسنود إلى الحائط، يداها ترتجفان بشكل لا إرادي.صوت الخطوات في الخارج تلاشى.صوت ليان اختفى.وصوت عاصي… لم يأتِ.هذا الصمت بالذات كان أكثر شيء موجع.رفعت رأسها ببطء، وكأنها تحاول أن تتأكد أن ما يحدث ليس حلمًا."أنا لست مريضة…" همست بصوت مكسور.لكن الجدران لم ترد.لم يعد هناك أحد ليصدق.---في الطابق العلوي، كان عاصي واقفًا أمام النافذة.لم يكن يتحرك.يداه في جيبه، وعيناه تتابعان حركة الشارع البعيد، لكنه في الحقيقة لم يكن يرى شيئًا.راما دخلت بهدوء، كأنها تعرف تمامًا متى يجب أن تظهر.
لم يكن الصباح في بيت عاصي يشبه أي صباح سابق.كان الضوء يدخل من النوافذ الفخمة كأنه ضيف ثقيل، يلمس الأرضية الرخامية ولا يجرؤ أن يملأ المكان دفئًا. كل شيء في القصر كان مرتبًا بشكل مبالغ فيه… نظيفًا لدرجة توحي بأن شيئًا ما قد مُسح من الوجود، لا مجرد تنظيفه.رويدة وقفت عند طرف الممر، عيناها متعلقتان بباب غرفة المكتب المغلق.لم تنم جيدًا.ليلة كاملة من القلق، من الأصوات الخفيفة في الطابق السفلي، من خطوات لا تعرف مصدرها، ومن همسات راما التي لم تفهمها لكنها شعرت بها كسمّ يتسلل ببطء.اليوم… سيُحسم كل شيء.كانت تعرف ذلك من نظرة عاصي الباردة بالأمس، من طريقة تجنبه لعينها، ومن الجملة القصيرة التي قالها وهو يخرج:"سننهي هذا العبث قريبًا."عبث؟هي حياتها أصبحت عبثًا في نظره؟ابتلعت غصتها، وضمت وشاحها على صدرها وكأنها تحمي نفسها من شيء غير مرئي.من نهاية غير معلنة.في الطابق العلوي، كانت راما تتحرك بهدوء داخل غرفة المكتب كأنها صاحبة المكان منذ سنوات، لا منذ أشهر قليلة.ملفّات،
لم يعد الانهيار حدثًا مفاجئًا في حياة رويدة… بل صار عادة صامتة تتكرر دون صوت.في الصباح، استيقظت على بكاء ليان من بعيد.لم تكن تعرف هل هو حلم أم حقيقة في البداية، لأن الأصوات داخلها وخارجها بدأت تختلط منذ فترة.رفعت رأسها بصعوبة.الغرفة كانت كما هي… مرتبة بشكل مبالغ فيه، كأن النظام هنا يحاول أن يخفي الفوضى الحقيقية التي تعيشها الجدران.لكنها لم تعد ترى النظام.كانت ترى الفراغ فقط.خرجت ببطء.في الممر، وجدت سند جالسًا على الدرج، يحمل كتابًا لم يفتحه.كان ينظر إلى الأرض فقط."ماما…"قالها بصوت خافت دون أن يرفع عينيه.اقتربت منه.جلست بجانبه.لم يسألها أين كانت.لم يسألها لماذا اختفت.فقط قال:"في المدرسة… قالوا إن الأطفال لازم يكون عندهم أم واضحة، مش أم… مختفية."تجمدت رويدة.كلمة "مختفية" لم تكن كلمة طفل.كانت كلمة صاغها عقل أكبر… أو عقل تم تدريبه على التفسير بطريقة مؤلمة.فتحت فمها لترد…
لم تكن رويدة تعرف أن للصمت صوتًا… صوتًا أثقل من الصراخ نفسه.في هذا البيت، لم يكن الصراخ ممنوعًا فقط، بل كان غير ضروري أصلًا… لأن أحدًا لا يسمعه.في الصباح، كان الضوء يتسلل عبر الستائر الثقيلة كأنه يعتذر عن دخوله. الغرفة مرتبة بشكل مبالغ فيه، ليس لأنها نظيفة، بل لأنها فارغة من أي حياة. رويدة جلست على طرف السرير، يداها متشابكتان فوق ركبتيها، وعيناها مثبتتان على نقطة لا شيء.منذ أيام… أو ربما أسابيع… لم تعد تميز الزمن.كل يوم يشبه الذي قبله، وكل لحظة تنتهي قبل أن تبدأ.في الممر الخارجي، سمعت خطوات خفيفة. عرفت من دون أن ترى أنها راما.لا تحتاج إلى رؤية وجهها لتعرف أنها اقتربت. وجودها صار يُحسّ قبل أن يُرى، كظل ثقيل يسبق العاصفة.انفتح الباب ببطء.دخلت راما وهي تحمل كوبًا من العصير، تضعه على الطاولة كأنها تؤدي خدمة عادية، ثم قالت بصوت هادئ جدًا، هدوء لا يحمل أي عاطفة:"ما زلتِ هنا في السرير؟ الأطفال في الأسفل، وعايشين يومهم بشكل طبيعي… على عكسك."لم ترد رويدة.لم ترفع رأسها حتى.
لم تعد الأيام في منزل عاصي تشبه أي شيء يمكن تسميته “حياة”.كانت تشبه حلقة مغلقة… تدور فيها رويدة بين الصمت، والاتهام غير المعلن، والنظرات التي لا تُقال بصوت لكنها تُجرح بوضوح.في الصباح، كانت تستيقظ قبل الجميع.ليس لأنها مرتاحة، بل لأنها لا تستطيع النوم أصلًا.
كان الصباح في بيت عاصي مختلفًا… ليس لأنه أكثر هدوءًا، بل لأن الهدوء نفسه كان يحمل شيئًا خانقًا، كأن الجدران قررت أن تصمت فقط لتستمع إلى سقوطٍ جديد.رويدة لم تنم.لم تستطع.الليل كله مرّ عليها كأنفاس ثقيلة تُسحب منها واحدةً تلو الأخرى. كانت تجلس على طرف السرير،
لم تكن الحرب هذه المرة بين شخصين بالغين فقط…كانت بين قلوب صغيرة لم تفهم لماذا تغير كل شيء فجأة.رويدة جلست على طرف السرير، ويدها ترتجف وهي تمسك طرف غطاء ليان.لكنها لم تكن تراه فعلاً.كانت تنظر… لكنها لا ترى.كأن عينيها علقتا في مكان بعيد دا
الفصل الأول: بيع طفولةلم تكن رويدة تعرف أن هذا اليوم سيكون آخر يوم تعيش فيه كطفلة.كانت تقف أمام المرآة الصغيرة المعلقة بجانب نافذة غرفتها، تمشط شعرها الأسود الطويل ببطء، بينما دفاتر المدرسة مبعثرة فوق السرير الحديدي القديم. رائحة الورق والحبر كانت الشيء الوحيد الذي يمنحها شعور






