LOGINكانت رويدة تقف عند باب الغرفة، تسمع صوت عاصي وراما يتحدثان ببرود كأنها غير موجودة. "هي لم تعد طبيعية…" قالت راما بهدوء. صمت عاصي، ثم رد بصوت بارد: "لا أعرف ماذا أفعل معها بعد الآن." تراجعت رويدة خطوة، وقلبها ينكسر بصمت. الباب انفتح فجأة، وظهرت راما بابتسامة خفيفة: "إلى متى ستظلين هنا؟" نظرت إليها رويدة بعينين مرتجفتين، ثم إلى عاصي الذي لم يتحرك. في تلك اللحظة أدركت أن شيئًا فيها قد انتهى… لكن شيئًا آخر كان يولد داخلها لأول مرة.
View Moreالفصل الأول: بيع طفولة
لم تكن رويدة تعرف أن هذا اليوم سيكون آخر يوم تعيش فيه كطفلة. كانت تقف أمام المرآة الصغيرة المعلقة بجانب نافذة غرفتها، تمشط شعرها الأسود الطويل ببطء، بينما دفاتر المدرسة مبعثرة فوق السرير الحديدي القديم. رائحة الورق والحبر كانت الشيء الوحيد الذي يمنحها شعورًا بالأمان. وضعت يدها فوق كتاب الأحياء وابتسمت بخفة. كانت تحب هذا الكتاب أكثر من أي شيء. تحب صور جسم الإنسان، أسماء العظام، شرح القلب، والطريقة التي يعمل بها الدم داخل الجسد. كانت تحفظ كل شيء بسرعة، حتى معلمتها كانت تقول دائمًا: "رويدة… أنتِ تصلحين لأن تصبحي طبيبة." كلما سمعت تلك الجملة كانت عيناها تلمعان. طبيبة. الكلمة وحدها كانت كافية لتجعل قلبها الصغير يمتلئ بالحياة. لكنها لم تكن تعلم أن الأحلام أحيانًا تُذبح قبل أن تكبر. سمعت صوت أمها من الخارج: "رويدة… أبوكِ يناديكِ." أغلقت الكتاب بسرعة وخرجت. كان البيت صغيرًا جدًا، بالكاد يتسع لهم. جدران قديمة باهتة، ورائحة الرطوبة في الشتاء لا تختفي أبدًا. ومع ذلك… كانت تحبه. لأنه بيتها. لأن فيه ضحكاتها الصغيرة. دخلت غرفة الجلوس بخطوات هادئة، فرأت والدها يجلس بصمت، بينما كان أخوها الأكبر "باسل" يقف قرب النافذة يدخن بعصبية. شيء ما كان خطأ. شعرت به فورًا. توقفت قرب الباب. "خير؟" لم يرد أحد. رفعت عينيها نحو والدها، فلاحظت التعب الغريب فوق وجهه. كان يبدو أكبر من عمره بكثير. قال أخيرًا بصوت منخفض: "تعالي اجلسي يا بنتي." جلست ببطء. وقلبها بدأ ينقبض دون سبب واضح. نظر باسل بعيدًا عنها وكأنه عاجز عن مواجهتها. أما والدها فتنهد طويلًا ثم قال: "جاء طلب زواج لكِ." ضحكت رويدة بخفة مرتبكة. "زواج؟" ثم أضافت بسرعة: "لكن… أنا بالمدرسة." ساد الصمت. الصمت الذي يخيف أكثر من أي كلام. شعرت بالبرد يسري في أطرافها. قال والدها بصعوبة: "الرجل محترم… وغني… وسيستر عليكِ." اتسعت عيناها بصدمة. "لكن عمري ستة عشر سنة فقط." لم ينظر إليها. ولا حتى أخوها. همس والدها: "هذا نصيب." بدأ قلبها ينبض بعنف. "لا… لا أريد الزواج." خرج صوتها مرتجفًا، خائفًا، ضعيفًا. نظر إليها باسل أخيرًا بعصبية مفاجئة: "كفى دلعًا يا رويدة!" ارتجفت من صوته. أكمل بانفعال: "هل تعلمين ما الذي نعيشه؟ هل تعلمين حجم الديون فوق رأسي؟" لم تفهم. كانت تنظر إليه فقط بخوف. اقترب منها خطوة: "الرجل سيسدد كل شيء." شعرت وكأن أحدهم سكب ماءً مثلجًا فوق روحها. نظرت بينهما بصدمة بطيئة. ثم همست: "يعني… ستزوجونني مقابل المال؟" صرخت أمها فورًا من المطبخ: "استغفر الله!" لكن أحدًا لم ينكر. وهذا كان أسوأ شيء. بدأت عيناها تمتلئان بالدموع. "أبي… أرجوك." كان أول مرة تتوسل فيها بهذه الطريقة. اقتربت منه بسرعة وجلست قربه على الأرض. "أريد أن أكمل دراستي… أرجوك… فقط المدرسة." ارتجفت شفتاها. "أعدك أنني سأعمل… سأصبح طبيبة… سأساعدكم جميعًا." دمعت عينا والدها للحظة. لكن باسل قال ببرود: "انتهى الموضوع." رفعت رأسها نحوه بذهول. "كيف انتهى؟! هذه حياتي!" أجابها بعصبية قاسية: "حياتكِ لن تضيع مع رجل غني أفضل من بقائكِ هنا جائعة." بدأت تبكي. بكاء حقيقي موجوع. ذلك النوع من البكاء الذي يخرج من مكان عميق جدًا داخل القلب. "أنا خائفة…" خرجت الكلمة صغيرة جدًا. ضعيفة جدًا. لكن لا أحد احتضن خوفها. قال والدها بصوت متعب: "الرجال هكذا يا بنتي… في البداية تخافين ثم تعتادين." كانت تنظر إليه وكأنه شخص لا تعرفه. كيف يقول هذا بهذه السهولة؟ كيف يسلّمها هكذا؟ كيف يطفئ حياتها بهذه البساطة؟ نهضت فجأة. "لن أوافق." ساد الصمت. ثم اقترب باسل منها بسرعة حتى أخافها. "ستوافقين." تراجعت خطوة. "لا." قبض على ذراعها بقوة. "قلت ستفعلين." تألمت. "أخي… تؤلمني." لكنه لم يتركها. بل قال بصوت مخيف: "لأول مرة ستفيدين العائلة بشيء." انكسرت داخلها شيء لا يُرى. شيء صغير جدًا… لكنه لن يعود كما كان أبدًا. دفعت يده عنها وركضت نحو غرفتها. أغلقت الباب بالمفتاح بسرعة. ثم انهارت. سقطت قرب السرير وهي تبكي بصوت مكتوم، تحاول أن تمنع أهلها من سماعها. كانت ترتجف كلها. تنظر إلى كتبها… إلى حقيبتها… إلى الزي المدرسي المعلق قرب الباب. أشياء صغيرة جدًا. لكنها كانت عالمها كله. مدّت يدها نحو كتاب الأحياء وضمته إلى صدرها بقوة. ثم انفجرت بالبكاء أكثر. "أنا لا أريد الزواج…" قالتها كطفلة ضائعة. كمن ينتظر معجزة. لكن المعجزات لا تأتي دائمًا للفقراء. بعد ساعة تقريبًا… دخلت أمها الغرفة بهدوء. كانت تحمل كوب حليب دافئ. جلست قربها وربتت على شعرها. "لا تبكي يا أمي." رفعت رويدة وجهها الأحمر من البكاء. "كيف لا أبكي؟" اختنق صوتها. "أمي… أنا خائفة جدًا." دمعت عينا أمها أيضًا. لكنها لم تقل "لن أتركهم يأخذونكِ". لم تقل "سأحميكِ". فقط قالت: "هذا نصيبك." كرهت هذه الكلمة في تلك اللحظة. نصيب. وكأن الظلم يصبح مقدسًا حين نمنحه اسمًا دينيًا. همست رويدة: "هل رأيته؟" هزت أمها رأسها. "نعم." "كم عمره؟" ترددت الأم قليلًا. "واحد وثلاثون." شعرت رويدة وكأن أنفاسها توقفت. خمسة عشر عامًا فرق. خمسة عشر عامًا كاملة. قالت بصوت مرتجف: "هذا أكبر من أخي." أخفضت أمها نظرها. "لكنه ثري جدًا." ضحكت رويدة فجأة. ضحكة قصيرة مكسورة خرجت وسط دموعها. ثم قالت: "إذًا المال أهم مني." بكت أمها بصمت. لكن صمتها كان اعترافًا. في الليل… لم تنم رويدة. بقيت جالسة قرب النافذة تراقب الشارع المظلم. كل شيء كان هادئًا بشكل مؤلم. حتى القمر بدا بعيدًا جدًا. كانت تتخيل المدرسة غدًا. صديقتها سارة ستجلس وحدها. المعلمة ستسأل عنها. المقاعد… الدفاتر… الحياة التي كانت تظنها عادية. فجأة أصبحت حلمًا مستحيلًا. سمعت صوت باسل يتحدث في الخارج مع أحدهم. "لا تقلق… سيتم الزواج خلال أسبوع." أسبوع. فقط أسبوع. شعرت بالغثيان. وضعت يدها فوق فمها وبدأت تبكي بصمت من جديد. ثم همست لنفسها: "أنا لست جاهزة…" لكن أحدًا لم يسألها أصلًا إن كانت جاهزة. وفي الجهة الأخرى من المدينة… كان عاصي يجلس داخل مكتبه الفخم. رجل طويل، حاد الملامح، يرتدي بدلة سوداء وساعة باهظة الثمن. بارد جدًا. هادئ جدًا. يقلب أوراق الصفقة وكأن الأمر مجرد عمل آخر. سأله صديقه: "ألن تراها أولًا؟" أجاب عاصي بلا اهتمام: "لا يهم." "إنها صغيرة." رفع عاصي عينيه أخيرًا. ثم قال ببرود: "أفضل." وعاد إلى أوراقه وكأن الحديث انتهى. بينما كانت رويدة في تلك اللحظة تبكي فوق سريرها… كان الرجل الذي سيغيّر حياتها كلها… لا يعرف حتى لون عينيها.الفصل السادس عشر: وحدي أواجه الألم استيقظت رويدة قبل الفجر بقليل… على ألم. ألم حاد ومفاجئ مزّق أسفل بطنها كأن أحدهم غرس سكينًا بداخلها ببطء. فتحت عينيها بفزع، ثم شهقت بصوت خافت وهي تضم بطنها بكلتا يديها. الغرفة كانت مظلمة وباردة. والهدوء مخيف. تنفست بسرعة، محاولة أن تستوعب ما يحدث. لكن الألم عاد مرة أخرى… أقوى. أقسى. حتى شعرت أن أنفاسها انقطعت. أغمضت عينيها بقوة. — "آه…" خرج الصوت منها ضعيفًا ومكسورًا. التفتت نحو الجهة الأخرى من السرير. عاصي كان نائمًا بعمق. هادئًا. مرتاحًا. بينما هي تشعر وكأن جسدها ينهار قطعة قطعة. ترددت طويلًا قبل أن تمد يدها نحوه.
الفصل الخامس عشر: صدمة الخبرلم تكن رويدة تعرف أن الإنسان يمكن أن يخاف من كلمة واحدة بهذا الشكل.كلمة صغيرة…لكنها قادرة على هدم عمر كامل."حامل."منذ أن خرجت الطبيبة من الغرفة الصغيرة في العيادة الشعبية، ورويدة تشعر أن الجدران تتحرك حولها ببطء مخيف، كأن الأرض نفسها فقدت ثباتها.جلست على الكرسي البلاستيكي البارد، وكفّاها ترتجفان فوق عباءتها الداكنة، بينما بقيت الطبيبة تنظر إليها بشفقة واضحة.— "يا بنتي… سمعاني؟"رفعت رويدة عينيها ببطء.كانت عيناها زجاجيتين.فارغتين.كأن عقلها توقف عن العمل منذ لحظة سماع الخبر.— "أنتِ بالشهر الثاني تقريبًا."الشهر الثاني…أي أن الطفل كان يكبر داخلها منذ أسابيع… بينما هي لم تكن تدرك شيئًا.ابتلعت ريقها بصعوبة.ثم همست بصوت مكسور:— "أكيد… أكيد في غلط."تنهدت الطبيبة بحزن.— "للأسف لا."صمتت رويدة.حدقت نحو الأرض طويلًا.ثم سألت بخوف طفولي:— "يعني
الفصل الرابع عشر: حملٌ مفاجئكان الصباح ثقيلاً بشكلٍ غريب.ليس لأن الشتاء اقترب، ولا لأن الغيوم الرمادية غطّت سماء المدينة منذ الفجر… بل لأن رويدة استيقظت وقلبها يرتجف دون سبب واضح.فتحت عينيها ببطء.السقف الأبيض البارد أمامها بدا بعيدًا جدًا، وكأنها تنظر إليه من قاع بئر.أغمضت عينيها مجددًا وهي تشعر بدوار خفيف.ثم وضعت يدها فوق معدتها دون وعي.شيء ما لم يكن طبيعيًا.منذ أيام وهي تشعر بإرهاق غريب، وغثيان يأتي فجأة، ورائحة الطعام أصبحت تخنقها أحيانًا.لكنها أقنعت نفسها أنه مجرد تعب.مجرد ضغط.مجرد خوف متراكم.نهضت ببطء من السرير، بينما صوت الماء القادم من الحمام أخبرها أن عاصي يستعد للخروج للعمل.ارتدت عباءتها المنزلية بسرعة، ثم نزلت إلى المطبخ.كانت الساعة السادسة والنصف صباحًا.البيت صامت كعادته.صامت بطريقة مؤذية.حتى الجدران هنا لا تمنحها دفئًا.بدأت تحضّر الفطور بصمت، لكن فجأة…توقفت.وضعت يدها على فمه
الفصل الثالث عشرجسد صغير لأمكانت الساعة تقترب من الخامسة فجراً حين فتحت رويدة عينيها بتعب شديد.لم تكن قد نامت فعليًا… فقط أغلقت عينيها لساعات وهي تتقلّب فوق السرير البارد، تشعر بثقل غريب داخل جسدها الصغير.وضعت يدها فوق بطنها بتردد.ذلك الغثيان لم يختفِ منذ أيام.الدوخة.الضعف.الرغبة بالبكاء دون سبب.حتى رائحة القهوة التي كانت تحبها في بيت أهلها… أصبحت تخنقها.جلست ببطء وهي تسحب الغطاء عنها، ثم وضعت قدمها على الأرض الباردة، لكن جسدها ترنح فجأة.أمسكت طرف السرير بسرعة.تنفست بصعوبة.همست بخوف:— "مالي…؟"كان البيت ساكنًا تمامًا.عاصي لم يعد ليلة أمس إلا بعد منتصف الليل، وحين دخل لم ينظر إليها حتى.خلع معطفه.أخذ حمامه.ثم نام وكأنها غير موجودة.كأن هذه الغرفة تخصه وحده.وكأنها مجرد قطعة أثاث وُضعت في الزاوية.ابتلعت غصتها ونهضت.دخلت الحمام بسرعة وهي تضع يدها فوق فمها، وما إن