هجرتها فأصبحت أقوى

هجرتها فأصبحت أقوى

last updateLast Updated : 2026-05-18
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
16Chapters
20views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

كانت رويدة تقف عند باب الغرفة، تسمع صوت عاصي وراما يتحدثان ببرود كأنها غير موجودة. "هي لم تعد طبيعية…" قالت راما بهدوء. صمت عاصي، ثم رد بصوت بارد: "لا أعرف ماذا أفعل معها بعد الآن." تراجعت رويدة خطوة، وقلبها ينكسر بصمت. الباب انفتح فجأة، وظهرت راما بابتسامة خفيفة: "إلى متى ستظلين هنا؟" نظرت إليها رويدة بعينين مرتجفتين، ثم إلى عاصي الذي لم يتحرك. في تلك اللحظة أدركت أن شيئًا فيها قد انتهى… لكن شيئًا آخر كان يولد داخلها لأول مرة.

View More

Chapter 1

الفصل الأول: بيع طفولة

الفصل الأول: بيع طفولة

لم تكن رويدة تعرف أن هذا اليوم سيكون آخر يوم تعيش فيه كطفلة.

كانت تقف أمام المرآة الصغيرة المعلقة بجانب نافذة غرفتها، تمشط شعرها الأسود الطويل ببطء، بينما دفاتر المدرسة مبعثرة فوق السرير الحديدي القديم. رائحة الورق والحبر كانت الشيء الوحيد الذي يمنحها شعورًا بالأمان.

وضعت يدها فوق كتاب الأحياء وابتسمت بخفة.

كانت تحب هذا الكتاب أكثر من أي شيء.

تحب صور جسم الإنسان، أسماء العظام، شرح القلب، والطريقة التي يعمل بها الدم داخل الجسد. كانت تحفظ كل شيء بسرعة، حتى معلمتها كانت تقول دائمًا:

"رويدة… أنتِ تصلحين لأن تصبحي طبيبة."

كلما سمعت تلك الجملة كانت عيناها تلمعان.

طبيبة.

الكلمة وحدها كانت كافية لتجعل قلبها الصغير يمتلئ بالحياة.

لكنها لم تكن تعلم أن الأحلام أحيانًا تُذبح قبل أن تكبر.

سمعت صوت أمها من الخارج:

"رويدة… أبوكِ يناديكِ."

أغلقت الكتاب بسرعة وخرجت.

كان البيت صغيرًا جدًا، بالكاد يتسع لهم. جدران قديمة باهتة، ورائحة الرطوبة في الشتاء لا تختفي أبدًا. ومع ذلك… كانت تحبه.

لأنه بيتها.

لأن فيه ضحكاتها الصغيرة.

دخلت غرفة الجلوس بخطوات هادئة، فرأت والدها يجلس بصمت، بينما كان أخوها الأكبر "باسل" يقف قرب النافذة يدخن بعصبية.

شيء ما كان خطأ.

شعرت به فورًا.

توقفت قرب الباب.

"خير؟"

لم يرد أحد.

رفعت عينيها نحو والدها، فلاحظت التعب الغريب فوق وجهه.

كان يبدو أكبر من عمره بكثير.

قال أخيرًا بصوت منخفض:

"تعالي اجلسي يا بنتي."

جلست ببطء.

وقلبها بدأ ينقبض دون سبب واضح.

نظر باسل بعيدًا عنها وكأنه عاجز عن مواجهتها.

أما والدها فتنهد طويلًا ثم قال:

"جاء طلب زواج لكِ."

ضحكت رويدة بخفة مرتبكة.

"زواج؟"

ثم أضافت بسرعة:

"لكن… أنا بالمدرسة."

ساد الصمت.

الصمت الذي يخيف أكثر من أي كلام.

شعرت بالبرد يسري في أطرافها.

قال والدها بصعوبة:

"الرجل محترم… وغني… وسيستر عليكِ."

اتسعت عيناها بصدمة.

"لكن عمري ستة عشر سنة فقط."

لم ينظر إليها.

ولا حتى أخوها.

همس والدها:

"هذا نصيب."

بدأ قلبها ينبض بعنف.

"لا… لا أريد الزواج."

خرج صوتها مرتجفًا، خائفًا، ضعيفًا.

نظر إليها باسل أخيرًا بعصبية مفاجئة:

"كفى دلعًا يا رويدة!"

ارتجفت من صوته.

أكمل بانفعال:

"هل تعلمين ما الذي نعيشه؟ هل تعلمين حجم الديون فوق رأسي؟"

لم تفهم.

كانت تنظر إليه فقط بخوف.

اقترب منها خطوة:

"الرجل سيسدد كل شيء."

شعرت وكأن أحدهم سكب ماءً مثلجًا فوق روحها.

نظرت بينهما بصدمة بطيئة.

ثم همست:

"يعني… ستزوجونني مقابل المال؟"

صرخت أمها فورًا من المطبخ:

"استغفر الله!"

لكن أحدًا لم ينكر.

وهذا كان أسوأ شيء.

بدأت عيناها تمتلئان بالدموع.

"أبي… أرجوك."

كان أول مرة تتوسل فيها بهذه الطريقة.

اقتربت منه بسرعة وجلست قربه على الأرض.

"أريد أن أكمل دراستي… أرجوك… فقط المدرسة."

ارتجفت شفتاها.

"أعدك أنني سأعمل… سأصبح طبيبة… سأساعدكم جميعًا."

دمعت عينا والدها للحظة.

لكن باسل قال ببرود:

"انتهى الموضوع."

رفعت رأسها نحوه بذهول.

"كيف انتهى؟! هذه حياتي!"

أجابها بعصبية قاسية:

"حياتكِ لن تضيع مع رجل غني أفضل من بقائكِ هنا جائعة."

بدأت تبكي.

بكاء حقيقي موجوع.

ذلك النوع من البكاء الذي يخرج من مكان عميق جدًا داخل القلب.

"أنا خائفة…"

خرجت الكلمة صغيرة جدًا.

ضعيفة جدًا.

لكن لا أحد احتضن خوفها.

قال والدها بصوت متعب:

"الرجال هكذا يا بنتي… في البداية تخافين ثم تعتادين."

كانت تنظر إليه وكأنه شخص لا تعرفه.

كيف يقول هذا بهذه السهولة؟

كيف يسلّمها هكذا؟

كيف يطفئ حياتها بهذه البساطة؟

نهضت فجأة.

"لن أوافق."

ساد الصمت.

ثم اقترب باسل منها بسرعة حتى أخافها.

"ستوافقين."

تراجعت خطوة.

"لا."

قبض على ذراعها بقوة.

"قلت ستفعلين."

تألمت.

"أخي… تؤلمني."

لكنه لم يتركها.

بل قال بصوت مخيف:

"لأول مرة ستفيدين العائلة بشيء."

انكسرت داخلها شيء لا يُرى.

شيء صغير جدًا…

لكنه لن يعود كما كان أبدًا.

دفعت يده عنها وركضت نحو غرفتها.

أغلقت الباب بالمفتاح بسرعة.

ثم انهارت.

سقطت قرب السرير وهي تبكي بصوت مكتوم، تحاول أن تمنع أهلها من سماعها.

كانت ترتجف كلها.

تنظر إلى كتبها…

إلى حقيبتها…

إلى الزي المدرسي المعلق قرب الباب.

أشياء صغيرة جدًا.

لكنها كانت عالمها كله.

مدّت يدها نحو كتاب الأحياء وضمته إلى صدرها بقوة.

ثم انفجرت بالبكاء أكثر.

"أنا لا أريد الزواج…"

قالتها كطفلة ضائعة.

كمن ينتظر معجزة.

لكن المعجزات لا تأتي دائمًا للفقراء.

بعد ساعة تقريبًا…

دخلت أمها الغرفة بهدوء.

كانت تحمل كوب حليب دافئ.

جلست قربها وربتت على شعرها.

"لا تبكي يا أمي."

رفعت رويدة وجهها الأحمر من البكاء.

"كيف لا أبكي؟"

اختنق صوتها.

"أمي… أنا خائفة جدًا."

دمعت عينا أمها أيضًا.

لكنها لم تقل "لن أتركهم يأخذونكِ".

لم تقل "سأحميكِ".

فقط قالت:

"هذا نصيبك."

كرهت هذه الكلمة في تلك اللحظة.

نصيب.

وكأن الظلم يصبح مقدسًا حين نمنحه اسمًا دينيًا.

همست رويدة:

"هل رأيته؟"

هزت أمها رأسها.

"نعم."

"كم عمره؟"

ترددت الأم قليلًا.

"واحد وثلاثون."

شعرت رويدة وكأن أنفاسها توقفت.

خمسة عشر عامًا فرق.

خمسة عشر عامًا كاملة.

قالت بصوت مرتجف:

"هذا أكبر من أخي."

أخفضت أمها نظرها.

"لكنه ثري جدًا."

ضحكت رويدة فجأة.

ضحكة قصيرة مكسورة خرجت وسط دموعها.

ثم قالت:

"إذًا المال أهم مني."

بكت أمها بصمت.

لكن صمتها كان اعترافًا.

في الليل…

لم تنم رويدة.

بقيت جالسة قرب النافذة تراقب الشارع المظلم.

كل شيء كان هادئًا بشكل مؤلم.

حتى القمر بدا بعيدًا جدًا.

كانت تتخيل المدرسة غدًا.

صديقتها سارة ستجلس وحدها.

المعلمة ستسأل عنها.

المقاعد…

الدفاتر…

الحياة التي كانت تظنها عادية.

فجأة أصبحت حلمًا مستحيلًا.

سمعت صوت باسل يتحدث في الخارج مع أحدهم.

"لا تقلق… سيتم الزواج خلال أسبوع."

أسبوع.

فقط أسبوع.

شعرت بالغثيان.

وضعت يدها فوق فمها وبدأت تبكي بصمت من جديد.

ثم همست لنفسها:

"أنا لست جاهزة…"

لكن أحدًا لم يسألها أصلًا إن كانت جاهزة.

وفي الجهة الأخرى من المدينة…

كان عاصي يجلس داخل مكتبه الفخم.

رجل طويل، حاد الملامح، يرتدي بدلة سوداء وساعة باهظة الثمن.

بارد جدًا.

هادئ جدًا.

يقلب أوراق الصفقة وكأن الأمر مجرد عمل آخر.

سأله صديقه:

"ألن تراها أولًا؟"

أجاب عاصي بلا اهتمام:

"لا يهم."

"إنها صغيرة."

رفع عاصي عينيه أخيرًا.

ثم قال ببرود:

"أفضل."

وعاد إلى أوراقه وكأن الحديث انتهى.

بينما كانت رويدة في تلك اللحظة تبكي فوق سريرها…

كان الرجل الذي سيغيّر حياتها كلها…

لا يعرف حتى لون عينيها.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
16 Chapters
الفصل الأول: بيع طفولة
الفصل الأول: بيع طفولةلم تكن رويدة تعرف أن هذا اليوم سيكون آخر يوم تعيش فيه كطفلة.كانت تقف أمام المرآة الصغيرة المعلقة بجانب نافذة غرفتها، تمشط شعرها الأسود الطويل ببطء، بينما دفاتر المدرسة مبعثرة فوق السرير الحديدي القديم. رائحة الورق والحبر كانت الشيء الوحيد الذي يمنحها شعورًا بالأمان.وضعت يدها فوق كتاب الأحياء وابتسمت بخفة.كانت تحب هذا الكتاب أكثر من أي شيء.تحب صور جسم الإنسان، أسماء العظام، شرح القلب، والطريقة التي يعمل بها الدم داخل الجسد. كانت تحفظ كل شيء بسرعة، حتى معلمتها كانت تقول دائمًا:"رويدة… أنتِ تصلحين لأن تصبحي طبيبة."كلما سمعت تلك الجملة كانت عيناها تلمعان.طبيبة.الكلمة وحدها كانت كافية لتجعل قلبها الصغير يمتلئ بالحياة.لكنها لم تكن تعلم أن الأحلام أحيانًا تُذبح قبل أن تكبر.سمعت صوت أمها من الخارج:"رويدة… أبوكِ يناديكِ."أغلقت الكتاب بسرعة وخرجت.كان البيت صغيرًا جدًا، بالكاد يتسع لهم. جدران قديمة باهتة، ورائحة الرطوبة في الشتاء لا ت
last updateLast Updated : 2026-05-13
Read more
الفصل الثاني زواج لا يرد
الفصل الثاني: زواج لا يُردلم تنم رويدة سوى دقائق متقطعة تلك الليلة.كانت كلما أغلقت عينيها ترى نفسها داخل بيت مجهول… مع رجل لا تعرفه… رجل أكبر منها بكثير… رجل سيصبح زوجها رغمًا عنها.كلمة "زوج" وحدها كانت تخيفها.تشعرها بأنها فجأة أصبحت كبيرة دون أن تكبر فعلًا.مع أذان الفجر، كانت لا تزال جالسة قرب النافذة، تضم ركبتيها إلى صدرها وتحدق في الشارع الفارغ.برد الشتاء كان يتسلل من فتحة النافذة الصغيرة، لكن البرد الحقيقي كان داخلها.داخل قلبها.داخل تلك الطفلة التي بدأت تدرك أن حياتها تُسحب منها ببطء.سمعت أمها تتحرك في المطبخ.صوت الأكواب.صوت غليان الماء.الأشياء العادية التي كانت دائمًا تمنح البيت شعورًا بالأمان…اليوم بدت غريبة.نهضت رويدة بتعب شديد، وغسلت وجهها بالماء البارد.تأملت نفسها في المرآة طويلًا.عيناها منتفختان من البكاء.شفاهها باهتة.وجهها صغير جدًا…أصغر من أن يتحمل كل هذا.دخلت المطبخ بصمت.
last updateLast Updated : 2026-05-13
Read more
الفصل السابع لامكان لي هنا
الفصل السابع: لا مكان لي هنادخلت رويدة المطبخ بخطوات خفيفة وكأنها تخشى أن تُسمع أنفاسها، رغم أن البيت كان هادئًا بشكل مخيف.منذ زواجها قبل أسابيع، لم تستطع أن تشعر ولو للحظة أن هذا المكان بيتها.كل شيء فيه بارد.الأرضية اللامعة.الجدران البيضاء.الستائر الثقيلة.حتى الهواء بدا غريبًا عنها.وقفت أمام الخزانة العالية وهي تحاول الوصول إلى كوب زجاجي، لكن يدها الصغيرة لم تستطع الوصول جيدًا، فوقفت على أطراف أصابعها، لتسقط عدة صحون فجأة على الأرض.صوت التحطم دوّى في المطبخ.شهقت بخوف.وفي أقل من ثوانٍ، دخلت أمينة المنزل وهي تنظر لها بازدراء واضح.قالت بحدة: — يا ساتر... ما بتعرفي تعملي إشي بدون خراب؟انخفض وجه رويدة بخجل. — آسفة... والله ما قصدت...قهقهت المرأة بسخرية. — كل يوم آسفة. واضح جابولنا بنت صغيرة مو ست بيت.شعرت رويدة بحرارة في عينيها.لم ترد.فقط انحنت تجمع الزجاج بيديها المرتجفتين.وفجأة...دخل عاصي.
last updateLast Updated : 2026-05-15
Read more
الفصل العاشر: صمت الإهانة
الفصل العاشر: صمت الإهانةلم تكن رويدة تتذكر متى بالتحديد بدأ الصمت يتحول إلى شكلٍ من أشكال الألم.لكنها كانت متأكدة من شيء واحد…أن هذا البيت لا يصرخ، لا يشتعل، لا ينهار بصوتٍ عالٍ…بل يقتل ببطء. بصمت.صمت يشبه الخنق.صمت يجعل الإنسان يسمع نفسه وهو ينكسر.---في ذلك الصباح، كانت رويدة تقف في المطبخ.يداها الصغيرتان تمسكان كوبًا زجاجيًا، تحاول أن تصب الماء دون أن يرتجف.لكن يديها كانتا ترتجفان رغمًا عنها.منذ أن جاءت إلى هذا البيت، لم تعد تعرف جسدها.كل شيء فيها أصبح متوترًا، كأنها تنتظر عقوبة في أي لحظة.خلفها، كانت الخادمة تتحرك بسرعة، تتجنب النظر إليها.وفي الخارج… كان هناك هو.عاصيصوت خطواته وحده كان كافيًا ليجعل الهواء يتغير.ثقيل. بارد. محسوب.دخل المطبخ دون أن ينظر إليها مباشرة.فتح الثلاجة، أخذ زجاجة ماء، ثم أغلقها ببطء كأن لا أحد موجود.لكن رويدة كانت موجودة.كانت دائمًا موجودة… لكنها لا تُرى.
last updateLast Updated : 2026-05-17
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status