كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين توقفت السيارة السوداء أمام القصر العتيق القابع على أطراف المدينة. لم يكن القصر مجرد بناء من حجر وشجر، بل كان نصباً تذكارياً لعائلة "الراوي" التي سقطت أمجادها كما تسقط أوراق الخريف، ولم يبقَ منها سوى الجدران الباردة وذكريات تفوح برائحة الرطوبة والكبرياء الجريح.ترجل "آسر" من السيارة، وشدّ معطفه الطويل ليحتمي من لسعات البرد القارسة. نظر إلى الشرفات المظلمة، وشعر بغصة في حلقه. لقد أقسم يوماً ألا يعود إلى هذا المكان، ألا يطأ عتبة البيت الذي شهد انكسار والده واعتزاز أمه الذي لم يورثهم سوى الشتات. لكن "القدر" كلمة نستخدمها غالباً حين تعجز إرادتنا عن تفسير التناقضات؛ وها هو يعود، ليس كابنٍ ضال، بل كصاحب حق يلملم الرماد.صمت الجدراندفع الباب الخشبي الثقيل الذي أصدر صريراً وكأنه يشتكي من قسوة الزمان. في الداخل، كان الغبار يرقص على خيوط الضوء الضئيلة المنبعثة من هاتفه. كل زاوية في الردهة كانت تحكي قصة؛ هنا سقطت فازة الكريستال في ليلة المشاجرة الكبرى، وهناك كانت لوحة الجد الأكبر التي بيعت في المزاد العلني لتسديد ديون لم تكن عادلة.صعد الدرج الرخامي ببطء
Last Updated : 2026-02-23 Read more