All Chapters of لا عائد من نهاية الضباب الأبيض: Chapter 11 - Chapter 20

24 Chapters

الفصل 11

لم تعرف بشرى كم مضى من الوقت قبل أن تستعيد وعيها وسط برد قارس ينخر العظام.فتحت عينيها بصعوبة، وكان كل ما أمامها ضبابيا.داخل كيس الخيش، كان الجو خانقا نتنا، ورائحة الدم تزكم أنفها حتى كادت تختنق.صرّت على أسنانها، واستجمعت كل قوتها لتتحرر من كيس الخيش، حتى زحفت أخيرا إلى الخارج.كان المستودع خاويا تماما، ولم يبق فيه سواها.لقد رحل أرغد.واختفت شذى أيضا.وحدها هي تُركت هنا.سعلت بشرى، وكان في حلقها طعم الحديد الصدئ.مدت يدها المرتجفة إلى جيبها، تريد أن تتصل بوالديها ليأتيا ويأخذاها.أرغد مجنون، وشذى مجنونة كذلك.كانت عاجزة حقا عن تخيل كيف عاشت أختها الصغرى كل هذه السنوات.لكن في اللحظة التي أخرجت فيها هاتفها، اندفع ظل من العتمة، وصفعها بقوة على وجهها!"طاخ!"طار الهاتف من يدها، وارتطم بالجدار بعنف.مال رأس بشرى من أثر الصفعة، وتسرب خيط دم من زاوية فمها.رفعت عينيها ببطء، فرأت شذى تقف أمامها، وعلى وجهها ابتسامة باردة متشفية.قالت شذى وهي تنظر إليها من أعلى، وبنبرة ساخرة: "بمن كنت تريدين الاتصال لتتظاهري بالمسكنة؟"لم تقل بشرى شيئا، بل أسندت جسدها ببطء إلى الحائط، وظلت تلهث.ولما رأت شذى
Read more

الفصل 12

في اللحظة التي رأت فيها شذى ظهور أرغد، انفجر في عينيها بريق الأمل.جرّت جسدها المثقل بالجراح، وتقدمت نحوه عرجاء، ثم ارتمت في اتجاهه، والدموع تنهمر من عينيها، وصوتها يرتجف حتى كاد يتقطع: "أرغد... إنها... إنها تريد قتلي! بشرى جُنّت! لا تطيق أن تراني بخير..."ضمها أرغد بذراع واحدة، ثم نظر إلى بشرى بعينين قاتمتين، وكان صوته يكتم غضبا عارما: "ما معنى هذا؟"رفعت بشرى يدها ومسحت الدم عن زاوية فمها، ثم ضحكت بسخرية باردة، وألقت الأنبوب الفولاذي الذي في يدها جانبا.صدر صوت معدني حاد حين ارتطم بالأرض، وكان وقعه في المستودع الخاوي حادا بشكل خاص.قالت بصوت أجش، لكنه كان هادئا على نحو غير عادي: "أرغد، من الأفضل أن تفكر جيدا فيما حدث اليوم، ومن المخطئ حقا."توقفت لحظة، وكانت نظرتها حادة كالسكين: "ولا تنس أنك ما زلت مدينا لي اليوم."عقد أرغد حاجبيه بشدة، وقال ببرود: "ألم تكوني أنت من تواطأ مع أشرف؟""هه." ضحكت بشرى ضحكة قصيرة، وكانت في عينيها ومضة باردة: "حسنا إذن، سأخبر وسائل الإعلام الآن..."حدقت في عيني أرغد، وقالت كلمة كلمة: "لكن لا أدري هل تستطيع تحمل الرأي العام حينها أم لا. إن لم تخني الذاكرة،
Read more

الفصل 13

جلست شذى على أريكة الفيلا، وكان طبيب العائلة يعالج الكدمات على جسدها بحذر شديد.وعندما مرّت قطنة الكحول على الجرح، شهقت من الألم، لكن عقلها كان مشغولا تماما بتلك النظرة الباردة التي رأتها اليوم في عيني بشرى داخل المستودع.هناك شيء غير صحيح.غير صحيح أبدا.كان الوجه هو الوجه نفسه، لكن تلك النظرة، وتلك القسوة الحادة، كانتا مختلفتين تماما عن "بشرى" السابقة التي كانت تحتمل كل شيء في صمت."آه…" قبضت فجأة على مسند الأريكة بقوة، فسارع الطبيب إلى الاعتذار: "الآنسة شذى، تحملي قليلا، سأنتهي حالا."لوحت شذى بيدها بنفاد صبر، مشيرة إليه أن يسرع.وبعد أن غادر الطبيب، نهضت وقررت أن تصب لنفسها كوبا من الماء لتهدأ.لكنها ما إن وصلت إلى الممر، حتى سمعت خادمتين تختبئان عند الزاوية وتتهامسان بصوت خافت، وفي يد إحداهما ظرف."...السيدة طلبت أن أعطيه لها بعد الزفاف، لكن الزفاف لم يكتمل الآن، فماذا أفعل؟”"اخفضي صوتك! لو عرف السيد أرغد أننا لم ننفذ ما أوصت به السيدة..."ضيقت شذى عينيها، واقتربت منهما بصمت: "عم تتحدثان؟"ارتعبت الخادمتان، وكاد الظرف يسقط من يد إحداهما. وما إن رأتا أنها شذى حتى ازداد وجه كل منهم
Read more

الفصل 14

تبعت شذى أرغد طوال الطريق حتى دخل غرفة المكتب، وكان صوتها ما يزال يحمل نبرة بكاء: "أرغد، لو كانت أختي بشرى تكرهني إلى هذا الحد، ليتني عرفت منذ البداية، ولما عدت..."فرك أرغد صدغيه، وكانت نبرته لا تزال هادئة إلى حد ما: "لا تفكري كثيرا. أظن أن مزاجها سيئ فحسب."قالت شذى، ودموعها تنهمر كحبات عقد انفرط خيطه: "ولماذا مزاجها سيئ؟ هل بسبب وجودي؟ أعرف أنني ما كان ينبغي لي أصلا أن أدخل بينكما..."صب أرغد كأسا من الويسكي، ولم يجب.ولما رأت شذى ذلك، ازداد بكاؤها: "ألم تعد تحبني؟ لا أحد في هذا العالم أحبني بصدق من قبل، فإذا كنت أنت أيضا ستتخلى عني، فما معنى أن أعيش؟"وما إن أنهت كلامها حتى نهضت فجأة واندفعت نحو النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف.كان أرغد سريع البديهة، فأمسك معصمها دفعة واحدة، وانسكب الويسكي الفاخر على الأرض.قال بصوت يحمل غضبا مكبوتا: "كفى عبثا!"استغلت شذى الموقف وارتمت في حضنه، وهي تنتحب قائلة: "إذن هل يمكنك أن تكون كما كنت من قبل..." رفعت عينيها المتورمتين إليه: "على الأقل عاقبها قليلا. لقد عاملتني اليوم بهذه الطريقة، وأنا حزينة حقا."صمت أرغد لحظة، ثم أومأ في النهاية.لكن ما
Read more

الفصل 15

استيقظت شذى وقد اقترب الوقت من الظهيرة.كانت قد تقلبت طوال الليل عاجزة عن النوم، وعقلها ممتلئ بموقف أرغد الغريب، وبعيني بشرى الباردتين.فركت صدغيها، وقررت أن تملأ معدتها أولا، ثم تفكر في طريقة للتصرف.لكنها عندما دخلت غرفة الطعام، اكتشفت أن على الطاولة وجبة إفطار واحدة فقط. كانت بشرى تأكل الخبز المحمص على مهل، وبجانب يدها كوب من القهوة السوداء.عبست شذى وسألت: "أين إفطاري؟"لم ترفع بشرى رأسها. وبعد أن أنهت آخر لقمة من الخبز المحمص، ألقت عليها نظرة فاترة وقالت بتكاسل: "إن أردت أن تأكلي، فاذهبي واطلبي من الطاهية أن تعد لك الطعام."ثم مسحت زاوية فمها: "هذا أعددته بنفسي، ولا توجد إلا حصة واحدة."اختنق صدر شذى غيظا، لكنها كتمت غضبها وقالت: "إذن اجعلي الطاهية تعد لي الطعام الآن!"ضحكت بشرى بخفة، ثم نهضت ومرت بجانبها مباشرة، من دون أن تمنحها حتى نظرة زائدة.قبضت شذى يديها من شدة الغضب، ثم استدارت واندفعت إلى المطبخ، لكنها وجدت المكان خاليا، ولا يوجد فيه سوى خادمة شابة تجمع الأطباق.سألتها بحدة: "أين الطاهية؟!"ارتبكت الخادمة من نبرتها، وأجابت بحذر: "الطاهية أخذت إجازة اليوم وعادت إلى بيتها...
Read more

الفصل 16

بعد أن تلقى أرغد الخبر، تغيّرت ملامحه فجأة، وهرع مع مساعده إلى المستشفى.في الممر، كانت خطواته سريعة وثقيلة، بينما أخذت تتوالى في ذهنه غرابة تصرفات بشرى خلال هذه الفترة—— نظراتها، وموقفها، بل حتى برودها وعداؤها تجاهه وتجاه شذى.كانت غرفتا المرض متجاورتين، ووقف أرغد في المنتصف، لا يدري للحظة أي باب يفتح أولًا.وبينما كان مترددًا، تقدمت منه ممرضة، وفي يدها ظرف ملفات."السيد أرغد، هذا شيء سقط من أغراض الآنسة شذى. نرجو أن تتأكد منه."أخذ أرغد ظرف الملفات، وفتحه على عجل، فانقبضت حدقتاه فجأة.كان في الداخل بضع لقطات من كاميرات المراقبة وسجلات تحويلات مالية، تُظهر بوضوح أن امرأة تشبه بشرى تمامًا غادرت فيلا عائلة الفياض في الليلة السابقة للزفاف.وما صدمه أكثر، أن عائلة السالمي كانت قد أجرت قبل ثلاث سنوات صفقة سرية مع "بشرى"، وكانت الملاحظة المسجلة عليها: تعويض الزواج البديل.قال بصوت أجش، وأصابعه تنقبض بلا وعي حتى تجعّد الظرف في يده: "مزيفة...؟"في تلك اللحظة، اتصلت كل التفاصيل غير المنطقية بعضها ببعض.إذن، هي لم تكن بشرى أصلًا!رفع أرغد رأسه فجأة، وكانت عيناه تفوران غضبا، ثم استدار قاصدا غرفة
Read more

الفصل 17

بعد أن ركب السيارة، عقد أرغد حاجبيه قليلًا، وشعر دائمًا بأن شيئًا ما ناقص.كان الهدوء داخل السيارة زائدًا عن الحد، وكأن شيئًا مألوفًا قد اختفى.قطّب حاجبيه محاولًا أن يتذكر، ثم أدرك أن رائحة الياسمين المألوفة، تلك التي كانت تخفف قليلًا من توتر أعصابه المشدودة، لم تعد موجودة.سأل السائق ببرود: "لماذا غُيِّر البخور في السيارة؟"نظر إليه السائق من المرآة الخلفية، وقال بحذر: "سيدي أرغد، العطر السابق كانت السيدة تعدّه بيديها، وقالت إنه يساعد على تهدئة الأعصاب. لكن مؤخرًا... لم تعد السيدة تعطينا عطرًا جديدًا."ذهل أرغد لحظة، وومضت في ذهنه فجأة عدة مشاهد——كان يعود من العمل في وقت متأخر من الليل، فتترك بشرى دائمًا مصباحًا مضاءً في المدخل، وكوبًا دافئًا من ماء العسل على الطاولة.وحين كانت معدته تؤلمه، كانت تحرص على أن تضيف قليلا من اليام المهروس إلى عصيدة الأرز التي تعدها له، فيصبح قوامها ناعما طريا من دون حلاوة مفرطة.وفي الأيام الممطرة، كانت تدس خلسة في جيب بدلته كيسا عطريا صغيرا برائحة الياسمين، وتقول إنه يطرد البرد الرطب... تلك اللمسات الرقيقة الصغيرة التي كان يكاد يتجاهلها، صارت في هذه ا
Read more

الفصل 18

كان الزوجان السالميان مثبتين على الكرسيين بأيدي الحراس، ووجهاهما شاحبان كالورق.وقف أرغد أمامهما، وكانت عيناه باردتين كالجليد.سأل وهو يصر على أسنانه، كلمة كلمة: "أين يمنى؟"ارتجفت شفتا والدة يمنى، لكنها تماسكت قسرًا وقالت: "تلك الفتاة أخذت المال ورحلت! ثلاثة ملايين، كاملة غير منقوصة! لقد كانت صعبة المراس منذ صغرها، والآن اشتد عودها أكثر، ولم تعد ترى حتى والديها في عينيها...""اخرسي!" ضرب أرغد الطاولة بعنف، حتى اهتزت الغرفة كلها من صوته، "ما تكون عليه زوجتي ليس أمرًا يحق لكم أن تحكموا عليه!"في تلك اللحظة، دفع المساعد الباب على عجل، ودخل، ثم سلّم أرغد رزمة من الملفات.قال: "سيدي أرغد، وجدنا ما طلبته."فتح أرغد الملفات، وكلما قرأ صفحة، ازداد وجهه قتامة.منذ ولادتها، أُلقيت يمنى في الريف. وعلى مدى أكثر من عشرين عامًا، لم يزرها والداها مرة واحدة، بل لم يرسلا لها حتى نفقات المعيشة. عاشت فقط على مدخرات زهيدة تركها جدها وجدتها.عندما كانت في الخامسة، مرضت يمنى وارتفعت حرارتها إلى أربعين درجة. اتصلت جدتها في تلك الليلة طالبة المساعدة، لكن والدة يمنى أغلقت الهاتف مباشرة. وقال الطبيب إنهم لو تأ
Read more

الفصل 19

في الجهة الأخرى، كانت يمنى واقفة عند شاطئ البحر، والنسيم المالح الرطب يلامس وجنتيها، فيحرك خصلات شعرها برفق.في البعيد، صبغ الغروب سطح البحر بلون برتقالي محمر، وكانت الأمواج تتدافع طبقة بعد طبقة نحو الرمل، ثم تنسحب ببطء.أخذت نفسًا عميقًا، وأغمضت عينيها، تستشعر هدوءًا افتقدته منذ زمن طويل."آنسة يمنى؟"جاءها صوت رجل لطيف من خلفها.التفتت يمنى، فرأت رجلًا طويل القامة، رشيق البنية، يقف غير بعيد، وفي يده كيس من المأكولات البحرية الطازجة.كان يرتدي قميصًا أبيض بسيطًا وبنطالًا مريحًا، ملامحه وسيمة هادئة، وعلى طرفي شفتيه ابتسامة خفيفة.قال وهو يقترب بضع خطوات، وصوته دافئ هادئ: "أنا أكرم الرواس، أسكن في البيت المجاور لك. سمعت أنك انتقلت اليوم، فأحضرت لك بعض المأكولات البحرية، هدية تعارف بين الجيران."ترددت يمنى لحظة، ثم ابتسمت بأدب: "شكرًا، لكن لا داعي..."مد أكرم الكيس إليها وقال بنبرة طبيعية: "لا داعي للتكلف. تشتهر مدينة الجنوب بمأكولاتها البحرية الطازجة، وبما أنك وصلت للتو، فجربي نكهة المدينة." كان موقفه لا مبالغًا في الحفاوة ولا باردًا، بل ودودًا بالقدر المناسب، بحيث يصعب رفضه.ترددت يمن
Read more

الفصل 20

وقف أرغد في أحد شوارع مدينة الجنوب، وكان نسيم البحر المحمل برطوبة مالحة يهب على وجهه.نظر إلى المدينة الغريبة والمزدهرة أمامه، وكانت عيناه قاتمتين مرهقتين.مضى شهر كامل، كاد خلاله يقلب كل زاوية في مدينة الجنوب رأسا على عقب، لكنه لم يعثر قط على أي أثر ليمنى.لم تكن المعلومة التي أرسلها مساعده تقول سوى إنها اشترت تذكرة الطائرة إلى مدينة الجنوب. لكن هذه المدينة كبيرة إلى هذا الحد، فأين اختبأت بالضبط؟فرك أرغد صدغيه، وقد امتلأت عيناه بخيوط الدم من كثرة التنقل والتعب في الأيام الماضية.رفع يده ونظر إلى ساعته، فوجد أن الوقت قد بلغ التاسعة ليلا. وبدأ المارة في الشارع يقلون شيئا فشيئا.مضى يمشي بلا هدف، وعيناه تمسحان كل شخص يمر أمامه، خوفا من أن يفوّت أدنى احتمال.وفجأة، توقفت خطواته بعنف.على مسافة غير بعيدة أمامه، كانت امرأة ترتدي فستانا أبيض تقف تحت عمود الإنارة وظهرها إليه.ذلك الظهر النحيل، وتلك الخصلات التي ارتفعت قليلا مع الهواء، كل شيء فيها كان يشبه يمنى إلى حد بعيد.انقبض قلب أرغد فجأة، وكأن الدم في عروقه غلى في لحظة.اندفع إليها بلا وعي تقريبا، وأمسك معصمها دفعة واحدة، وكان صوته أجش
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status