All Chapters of رماد القمر : Chapter 31 - Chapter 40

57 Chapters

البارت الحادى والثلاثون

انهمكت خلود في ترتيب حقيبة ملابسها بعناية، تطوي قطعة تلو الأخرى والهدوء يغلف ملامحها، بينما كانت دقات الساعة تعلن اقتراب موعد الزفاف الذي بات على بعد أيام قليلة. كانت الأجواء مشحونة بذهول لم ينطفئ بعد؛ إذ فاجأت خلود الجميع، وعلى رأسهم وليد نفسه، حين أصرت على إقامة حفل بسيط للغاية يقتصر على عقد القران، والأكثر من ذلك أنها رفضت تماماً مطالبته بتغيير أثاث منزله، متعللة بحجة واهية وهي أنه ما زال بحالة جيدة وشبه جديد، ولا داعي لتكليفه أعباءً إضافية. على عتبة باب الغرفة، كان شقيقها كريم يقف صامتاً، يسند كتفه إلى الإطار الخشبي وهو يتطلع إليها بنظرات حزينة، عاتبة، تحمل كمداً لا تخطئه عين. كانت خلود تشعر بوجوده وبثقل نظراته، لذا تعمدت إشغال نفسها بالحقيبة، متجنبة تماماً التطلع نحو عينيه حتى لا تضعف أو تفضحها ملامحها. تحرك كريم من مكانه بخطوات متثاقلة، ودلف إلى الغرفة ليقف بجوارها مباشرة، يتابع بحسرة حركة يديها وهي ترص ثيابها، قبل أن يخرق الصمت المطبق قائلاً بنبرة مخنوقة متحشرجة - خلود.. أنا بسألك للمرة الأخيرة، أنتِ بجد متأكدة من الخطوة دي ومن كل اللي عملتيه؟ إحنا لسه على البر يا حبيبتي، و
Read more

البارت الثانى والثلاثون

كان عماد يجلس في ركن غرفته المظلم، والضيق يعتصر روحه كأن حجرًا ثقيلاً قد هبط فوق صدره منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي عادت فيه أخته يسرا إلى بيت زوجها. كان يشعر بمرارة الفشل تملأ حلقه؛ فكل ذرة رجولة وشرف في عروقه كانت تصرخ قهرًا لأن شقيقته أُهينت، وكُسرت، ورُوعت في بيت أحمد، بينما هو الأخ الأكبر والسند الذي كان يُفترض به حمايتها وقف عاجزًا، ولم يستطع أن ينتزع لها حقًا أو يرد عنها ضيمًا، بل غادرت عتبة دارهم وعادت إلى جلادها منكسرة الرأس دون أن يُحاسب من قهرها. لم يكن الوجع قادمًا من العجز وحدها، بل كان تأنيب الضمير ينهش في جدران قلبه بلا رحمة؛ فذاكرته لم تكف عن إرجاعه إلى الخلف، إلى ذلك اليوم الذي رفضت فيه يسرا في البداية فكرة الزواج من أحمد والارتباط به، وكيف أنه هو من ضغط عليها، وساير الظروف، وأرغمها على القبول لتسير نحو حتفها بيديه. واليوم، حين انتفض ورفض عودتها بغضب غيور، فاجأته بأن ضربت برأيه وقراره عرض الحائط، واستسلمت لوعود زوجها الكاذبة، لتدوس على كبريائه وتتركه غارقًا في ندمه. وعلى النقيض تمامًا، كان شقيقهما سمير يفكر بطريقة مغايرة أملتها عليه حساباته الشخصية؛ فلم يعد يرى في عودة
Read more

33

مرت الأيام والأسابيع، ولم تكن خلود تستطيع أن تحكم على شكل حياتها الجديدة مع وليد سوى أنها حياة هادئة، مستقرة إلى أبعد حد؛ حياة منظمة لم تسمح للعواطف والمشاعر الجارفة أن تجد لها مكاناً بين أركانها، باستثناء عاطفة واحدة ولدت صادقة ونمت بقوة في صدرها، وهي حبها الجارف والعميق لتلك الطفلة الصغيرة لمار. وفي إحدى الليالي، وقفت خلود أمام مرآة تسريحتها تصفف خصلات شعرها ببطء وهدوء، وشخصت ببصرها تتأمل انعكاس صورتها في زجاج المرآة؛ راحت تتساءل في حوار سري مع نفسها: ما الفرق حقاً بين حياتها هذه وحياتها لو كانت مع أي شخص آخر؟ أليست هذه هي الطمأنينة التي تبحث عنها أي امرأة؟ لقد أنعم الله عليها وافتداها بالبعد عن ذلك المدعو محمود وكذب زيفه، وأنعم عليها في المقابل بزوج شهم، متزن ورجل بمعنى الكلمة مثل وليد، يحترمها ويصونها. لم تكد خلود تغرق في بحر أفكارها وتساؤلاتها، حتى انتشلها صوت وليد وهو يهتف باسمها بنبرة هادئة حملت بعض الاستغراب - خلود.. مالك يا حبيبتي؟ بقالي ساعة واقف بكلمك وأنتِ مش معايا خالص. انتفضت خلود بخفة ونفضت رأسها لتطرد أطياف أفكارها، ثم استدارت نحوه وكسَت وجهها بابتسامة رقيقة لتداري
Read more

34

- خلاص يا لبنى.. عدّي على إيدك أسبوع واحد وبس، أسبوع واحد وهيجمعنا بيت واحد وتبقى مراتي وعلى اسمي يا بت انطلقت كلمات محمد مفعمة ببهجة عارمة ولوعة طال انتظارها، فرفرفت لها دقات قلب لبنى التي ابتسمت بخجل وعفوية، واكتست وجنتاها بحمرة قانية أضفت على ملامحها رقة مضاعفة، لتجيب بنبرة خفيضة تكاد تبين - متكسفنيش بقى يا محمد.. أنت عارف كويس وعالم إني بحلم باليوم ده وبدعي بيه في كل سجدة. تشابكت الأيدي في دفيء ووئام، وتعانقت القلوب في سكون تلك اللحظة الفارقة، لتهتف بنبضات من العشق الدفين الذي ظل يملأ جوفهما لسنوات طويلة؛ سنوات من الصبر والعفة والانتظار، ليشقّا معاً أخيراً طريقاً ممهداً بالنور، ويبدآ خطوتهما الأولى في رحاب العشق الحلال. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ باتت تشعر بوحدة قاسية، وحدة تنهش أطراف روحها وتجعل جدران المنزل تبدو أضيق مما هي عليه منذ تلك اللحظة التي حزم فيها حقائبه وغادر. كان هناك شعور غريب، مسيطر وثقيل، يهمس لها في الخفاء بأن شيئاً هاماً للغاية ينقص حياتها ويخل بتوازن عالمها؛ شيء لم تكن قادرة أو ربما لم تكن تجرؤ على تسميته أو فهم كنهه. ومع حلول المساء بسكونه المعهود وهدوئه الذي يثير الذكر
Read more

35

وقفت خلود في شرفة الغرفة، تتطلع إلى عتمة الليل التي أسدلت ستائرها على الكون، وشعرت بوحدة قاسية تطوقها، وسكون مطبق يكاد يخنق أنفاسها. في هذه اللحظات، كان الشوق ينهش أحشاءها بعنف، وتمنت لو تسمع نبرات صوته الدافئة التي لطالما كانت تطرب قلبها وتُعيد إليه الحياة. نظرت إلى هاتفها القابع في كفها، واجتاحتها رغبة عارمة في قتل كبريائها، في سحقه وتهشيمه تهشيماً تحت أقدام هذا الاشتياق الذي أوجع روحها ولم تعد تقوى على مقاومته. استجمعت شجاعتها المبعثرة، وبأصابع ترتجف لهفة، فتحت شاشة الهاتف وراحت تبحث عن رقمه.. نعم، اتخذت قرارها وستتصل به؛ فما العيب في أن تطمئن على زوجها وحبيبها؟ ولكن، وقبل أن تلامس سبابتها زر الاتصال، شق سكون الشقة صوت حركة مألوفة.. صوت المفتاح وهو يدور في قفل الباب الخارجي. انفرجت شفتاها بذهول، وقفزت دقات قلبها لترقص فرحاً بين ضلوعها، بينما تجمد جسدها في مكانه، وعجزت عن التقدم خطوة واحدة، خوفاً من أن تكون هذه الحركة ما هي إلا تهيؤات وخداع بصر وصنع خيالها الذي أضناه البعد. لحظات مرت كأنها دهر، ودلف وليد من الباب، بدا عليه إرهاق السفر وطول الطريق، ولم يكن منتبهاً بعد لتلك العيون ا
Read more

36

أُغلقت الأبواب وانفضّ صخب المهنئين، لتخفت أنوار الدنيا وتُضاء في عتمة الليل مشاعل بداية جديدة، حيث التقى القلبان وتماهيا في جسد واحد، تجمعهما روح واحدة نبضت بالحياة لأول مرة. لم تكن حكايتهما من تلك القصص التي امتدت لسنوات في دروب الانتظار؛ بل بدأت كأغلب الحكايات الهادئة، فيما يسمونه زواج الصالونات، لكن الأقدار كانت تخبئ لهما سراً أعظم؛ إذ تآلفت أرواحهما في لمح البصر، وتلاقت النظرات لتعلن عن ميلاد فجرٍ دافئ، وتغنت قلوبهم بنغمات العشق الحلال الذي فاجأهم بجلاله وعنفوانه. وفي تلك الليلة، نزع محمد عن كاهله كل وقار الأيام الماضية، وتحول إلى عاشقٍ ثائر؛ حمل لبنى بين ذراعيه كمن يمتلك أثمن لآلئ الأرض، وحلق بها فوق أجنحة الشغف ليطوف بها بين وديان العاشقين الفسيحة. راح يقتطف لها بجرأة ولهفة كل ما تصل إليه يده من أزهار الغرام المشتعلة، يروي بها ظمأ السنين التي مضت في عفة، ويهديها دفقات من حنانه الذي بدا بلا شواطئ ولا حدود. أما لبنى، فقد استسلمت تماماً لسطوة هذا القيد الناعم، وتاهت مغيبة في حديقة عشقه المزدهرة التي تفجرت ينابيعها في ليلتها الأولى. دلفت إلى جنته الخاصة، عارية من المخاوف والتردد،
Read more

37

كانت الأجواء في الصالة تفيض بدفء وسكينة حميمية؛ جلست خلود بين أحضانه على الأريكة، مستسلمة لراحة لم تعهدها من قبل، بينما كانت الصغيرة لمار ترقد وادعة بين يديها، وقد داعب النوم جفونها الطفولية ببطء، حتى غلبها تماماً لتستسلم لغفوة عميقة وتنطلق في نوم دافئ وآمن. كان وليد مسترسلاً في حديثه، يروي لها عن فصول حياته السابقة؛ يأخذها في رحلة إلى طفولته المنسية، مستدعياً ذكرياتها البعيدة، ومواقف دافئة جمعته بوالديه الراحلين، ومشاكساته القديمة مع شقيقته الكبرى. غير أن خلود، بذكائها الأنثوي وفطنتها، لاحظت أنه يدور حول المحاور كلها ويتعمد تجنب المرور بسيرة زوجته الأولى؛ شعرت بوجود مساحة مظلمة وصامتة في حكاياه، فقررت في لحظة صفاء وتواصل أن تكسر ذلك الحاجز الصلب، وسألته بنبرة رقيقة وهادئة - وليد.. وجوازك من مامت لمار، كان عن حب؟ توقف وليد عن الكلام لبرهة، وشخص ببصره نحوها، محاولاً قراءة ملامح وجهها والتوصل إلى غرضها الدفين من هذا السؤال الفجائي؛ أهو فضول امرأة، أم غيرة محبة، أم رغبة في الاقتراب؟ ولم يجد إجابة أبلغ من أن يشدد من ضمتها إليه، محتضناً إياها بدفء أكبر، وطبع قبلة حانية طويلة على خصلات
Read more

38

منذ تلك الليلة البائسة والسوداء التي عادت فيها يسرا مكسورة ومدممة، كان عماد يبدو هادئاً بشكل مريب؛ صمتٌ يسبق العاصفة، لم يُبدِ خلاله أي رأي علني في قضية عودتها، ولم ينطق بكلمة تكشف عما يغلي في صدره. وبالرغم من مجيء والد أحمد ووالدته عدة مرات إلى البيت، ومحاولاتهما المستميتة لقلب الحقائق، إلا أن عماد كان يرفض عودتها في كل مرة بكل هدوء وثبات، مشترطاً شرطاً واحداً حاسماً: أن يطأ أحمد بقدميه عتبة هذا البيت، ويمثل أمامه وجهاً لوجه. والفعل، جاء أحمد اليوم.. جاء منتفخاً كطاووس أخرق، يتبختر بزيف وفخر يظنه رجولة، مصطحباً والده الذي لم يكف منذ دخوله عن السَّب واللعن في هذه الزيجة التي أدعى أنها لم تجلب لعائلتهم سوى المتاعب والصدع. لحظاتٌ وكان عماد يجلس أمامهما في صدر الغرفة، هادئاً كجبل صلب، واضعاً قدماً فوق الأخرى، يخص أحمد من بين الحين والآخر ببعض النظرات الحادة والعميقة؛ نظرات مبهمة، غامضة، لم يستطع أحمد الموتور تفسيرها، لكنها كانت كفيلة ببث قشعريرة باردة في أوصاله. بدأ والد أحمد بالحديث بنبرة جافة، يطالب بعودة يسرا إلى بيت زوجها وطاعته، بل وزاد في تبجحه طالباً أن تغير يسرا من أسلوبها "ال
Read more

39

منذ ذلك الصدام العنيف والدامي، ويسرا تقبع في أمان غرفتها القديمة، تلوذ بأحضان شقيقها عماد الذي لم يتركها لثانية واحدة؛ كان يحيطها برعايته كاملة، ويحاول بكل ما أوتي من حنان أن يطمر مخاوفها، ويطمئن روحها المذعورة التي ما زالت تنتفض عند سماع أي صوت عالٍ. وفي أصيل أحد الأيام، كان عماد يجلس بجوارها فوق الفراش، حاملاً الصغيرة مسك بين يديه برفق جم، يتأمل ملامحها الملائكية البيضاء البريئة، ثم انحنى وطبع قبلة دافئة على وجنتها الصغيرة، مردداً بنبرة تقطر حناناً وعذوبة - يلا بقى يا ست مسك.. عاوزك تكبري بسرعة كدا وتتشطري، عشان آخدك في إيدي ونروح نشتري شيكولاتة سوا، ونجيب حاجات حلوة كتير أوي وافسحك فُسحة تجنن. تسللت الكلمات الدافئة إلى قلب يسرا، فارتسمت على شفتيها الشاحبتين ابتScalة عذبة تفتقدها منذ زمن، وراحت تتابع مشهد الأخوة الأبوي بنظرات ممتنة، قبل أن تقرر كسر غيمة الحزن وتداعب شقيقها، لتردد بنبرة مغلفة بغيرة أنثوية مفتعلة - آه.. خلاص بقى، الست مسك نزلت من السماء وأخدت مكانتي في قلبك كله، وأنا الغلبانة اتركنت على الرف خلاص ومبقاش ليا غلاوة انطلقت ضحكات الصدق والبهجة من صدر عماد، وشاركتها
Read more

40

تنـفـض عـن كاهلها غـبـار الخـيـانـة، تـرتـدي درع الصـلابـة كـقـنـاعٍ زائف، وتـقـسـم أن تـحـارب حـتـى الـرمـق الأخـيـر مـن أجـل صـغـيـرةٍ لم تـقـتـرف ذنـبـًا سـوى أنـهـا جـاءت لـدنـيـا تـظـلـم الإنـاث. خـطـواتـهـا نـحـو مـحـراب الـعـدالـة كـانـت ثـابـتـة، نـظـرا تـهـا تـقـدح بـشـرر الـتـحـدي، وقـلـبـهـا مـكـلـومٌ يـبـحـث عـن ثـأرٍ لـكـرامـةٍ أُهـدِرت عـلـى أعـتـاب جـلادٍ مـضـى. ​ولـكـن... يـا لـمـكـايـد الـقـدر ✨✨✨✨✨✨✨✨ نفضت يسرا عنها غبار الانكسار، وانتفضت واقفة من وسط ركام أحزانها؛ قررت في تلك اللحظة أن تواري ضعفها الذي يكاد يقسم ظهرها، وأن ترتدي قناع القوة والصلابة أمام الجميع، متظاهرة بجلد لا يعكس مطلقاً ذلك التمزق والوهن الجاثم على روحها من الداخل. شخصت ببصرها نحو ابنتها مسك، تلك الرضيعة الوديعة التي لم تبلغ بعد شهرين من عمرها الغض؛ تملكتها غيرة الأمومة وثورتها، وعقدت العزم ألّا تسير في دروب الاستسلام، وأن تنفذ مشورة أخيها عماد حرفاً بحرف. لن تترك حق هذه الطفلة البريئة التي تبرأ منها والدها وتخلى عنها بمنتهى الخسة، فقط لأنها وُلدت أنثى تحركت بخطوات حاسمة، وبدلت ملابس البيت بأ
Read more
PREV
123456
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status