All Chapters of مرساة في ليل سرمدي: Chapter 11 - Chapter 20

24 Chapters

الفصل 11

نظر إليه الموظف ورفض بأدب قائلاً: "معذرةً يا سيدي، لا يمكننا الإفصاح عن معلومات الركاب."صرخ أيمن وعيناه حمراوان: "إنها زوجتي! أريد التحدث إليها!"أجاب الموظف: "يا سيدي، إذا كان لديك أمر عاجل، يمكنك محاولة الاتصال بها مباشرة."هتف أيمن: "هاتفها مغلق!"رد الموظف: "إذن نحن نعتذر بشدة، لا يمكننا تقديم المساعدة."وقف أيمن في صالة المطار المزدحمة بالمسافرين، وشعر لأول مرة بحالة عارمة من الضياع والعجز.راح يدور في الصالة يتخبط خبط عشواء، يراقب شاشات العرض التي تحدّث باستمرار معلومات الرحلات المتجهة إلى شتى أنحاء العالم.لم يكن يدري إلى أين ذهبت.بل لم يكن يعرف حتى من أين يبدأ البحث عنها.في النهاية، لم يجد مفرًا من قيادة سيارته والعودة إلى المنزل.ذلك البيت الذي يخلو من رنا بدا باردًا كقبو من الجليد.في السابق، ومهما تأخر في العودة، كان هناك دائمًا مصباح يضيء له غرفة المعيشة.أما الآن، فالظلام دامس.أشعل الضوء، فبدت الإضاءة شاحبة تعكس فراغ المنزل بأكمله.مشى نحو خزانة المشروبات، وفتح زجاجة من الخمر القوي وراح يجرعها مباشرة من فوهتها.كان الكحول يحرق حلقه، لكنه عجز عن إخماد الذعر والخواء اللذ
Read more

الفصل 12

كانت تلك الجملة كسكّين حاد تنغرز بدقّة في قلب أيمن المضطرب.تجمّد في مكانه وراح وجهه يشحب شيئًا فشيئًا.نظرت إليه ندى وهو على هذه الحال فأحسّت بشيء يشبه الشفقة المرّة."لقد قالت لي رنا قبل رحيلها،" خفّضت ندى صوتها لكن كل كلمة كانت تقطع، "إن جاء أيمن يسألك، فأخبريه: أعظم الحزن هو موت القلب. أنا لا أملك حتى طاقة كرهه."ارتجّ جسد أيمن كأن شيئًا سحب منه كل قواه، فتراجع خطوةً متعثّرًا وارتطم ظهره بالجدار البارد بثقل.موت القلب.لا تملك حتى طاقة كرهه.إذن حتى حقّ أن تكرهه لم يعد له؟ألقت ندى عليه نظرةً أخيرة ثم استدارت ومضت.بقي أيمن في مكانه طويلًا حتى خدرت ساقاه، ثم تحرّك ببطء نحو سيارته.لم يعد إلى البيت، ذلك البيت الخاوي الذي لا يجرؤ على العودة إليه.قاد سيارته في المدينة دون وجهة، وأخيرًا أوقفها على ضفّة النهر.جلس في السيارة ينظر إلى سطح النهر الأسود الثقيل، وفي رأسه لا يتوقّف صدى جملة ندى:"هل هو لأنك اكتشفت فجأةً أنك تحبّها، أم لأنك اعتدت على وجودها وحين غابت لم تعد تطيق الغياب؟"هل يحبّ رنا؟لا يعرف.يعرف فقط أنه في هذا الشهر كان كمن فقد روحه.حين يأكل يتذكّر إفطارها المتنوّع كل يوم
Read more

الفصل 13

انقطعت مذكراتها هنا فترةً.ثم حين عاد، كان التاريخ يوم الإجهاض.الخطّ مضطرب وبعض الكلمات ممحوة بالماء لا تقرأ."الطفل ذهب. قال إنني لو لم أدفع فاتن، لما أغلق عليّ الباب. قال إن فاتن لديها اضطراب في التخثّر وتلك الدفعة كادت تودي بحياتها. قال إنه يمكنه التعويض.""أيمن، حبّي وحياتي لا يساويان عندك شيئًا."في آخر تلك الصفحة، كان الخطّ يكاد ينفذ إلى الورقة من شدّة الارتجاف واليأس."أظنّ أنني... لم أعد أتحمّل."انقطعت مذكراتها هنا فجأةً.ما بعده صفحات بيضاء.قلّب أيمن حتى الصفحة الأخيرة، فسقطت منها ورقة مجعّدة.التقطها وفتحها.كانت صورة بالموجات فوق الصوتية.تاريخها يوم الإجهاض بالضبط.فيها شكل ضبابي صغير، وتحته مكتوب: حمل داخل الرحم، نحو اثني عشر أسبوعًا.على ظهر الورقة كانت آثار دموع جفّت، وسطر صغير جدًّا بخط متهالك كأنه كتب بآخر ما تبقّى من قوّة:"طفلي، أنا آسفة، لم أستطع حمايتك. وآسفة أيضًا، لا ينبغي لي أن أحضرك إلى عالم لا تحبّ فيه أمّك أباك."حدّق أيمن في ذلك السطر وعيناه مفتوحتان على اتّساعهما، وتوقّف تنفّسه شيئًا فشيئًا.قلبه كأن يدًا غير مرئية قبضت عليه وعصرته بقوة، فانحنى من الألم
Read more

الفصل 14

رفعت رنا رأسها ورأته، فاختفت الابتسامة من وجهها فورًا.ولم يبق إلا برود جليدي وضيق واضح."السيد أيمن؟" فتحت فمها وكان صوتها هادئًا لا موجة فيه، "هل من شيء؟""السيد أيمن" كان هذا اللفظ مثل إبر ينغرز في قلب أيمن.فتح فمه وحنجرته جافّة: "جئت لأجدك... ارجعي معي، لنتحدّث.""بيننا،" نظرت إليه رنا بعيون تنظر إلى غريب، "حين صدرت وثيقة الطلاق، لم يعد ثمّة ما نتحدّث عنه.""السيد أيمن، أرجو أن تفسح لي الطريق، أنا مستعجلة."ثم أرادت تجاوزه والمضي.أمسك أيمن بمعصمها بقوة.الجلد الدافئ الناعم جعله يقلق أكثر."آسف يا رنا،" كان صوته أجشّ شديد الجفاف وكاد يتوسّل، "أعرف أنني أخطأت خطأً فادحًا... انظري، أحضرت خاتم الزواج، لنبدأ من جديد، حسنًا؟"أخرج من جيبه خاتم الزواج ومدّه في راحته أمامها.كان في هيئته ذل بلغ القاع.أطرقت رنا ونظرت إلى ذلك الخاتم يلمع ببرود في ضوء الغروب، ثم ابتسمت فجأةً.كان في ابتسامتها سخرية واضحة."أيمن،" رفعت عينيها إليه وكانتا حادّتين كالسكاكين، "هل تظنّ أنك ما إن تعود وتقول آسف وتخرج هذا الخاتم، حتى أبقى في انتظارك؟""هل تظنّ أن رنا السعداوي لا يمكنها الاستغناء عنك طوال حياتها؟"
Read more

الفصل 15

قالت ذلك ثم وقفت ولم تلتفت إليه، استدارت نحو الرصيف وأوقفت سيارة أجرة ومضت دون أن تعود.بقي أيمن مستلقيًا على الأرض الباردة ينظر في الاتجاه الذي غادرت منه، وفي صدره كأنه انشقّ بالقوة، والألم يشنّجه كلّه.ألم الجسد لا يساوي معشار ما أوجعته كلماتها.أوّل مرة يجازف بحياته من أجلها، وحين دفعها في تلك اللحظة لم يفكّر في نفسه أصلًا.فكّر فقط أنها لا ينبغي أن يصيبها شيء.لكنها لم تزده نظرةً واحدة.قالت إن دمه يشعرها بالغثيان.قالت إنه حتى لو مات من أجلها، لن تعود.أغمض أيمن عينيه وسالت الدموع ممزوجةً بالدم والغبار من زاوية عينيه.كسرت ذراع أيمن اليسرى وجبست، وأصيبت ساقه اليمنى بكدمة بالغة تستدعي العكّاز.نصح الطبيب بالبقاء في المستشفى للمراقبة، فرفض.أنهى إجراءات الخروج وأمسك بعكّازه وعاد يعرج إلى الفندق.في اليوم التالي، ظهر أمام شركة رنا مجدّدًا.ذراعه معلّقة وساقه تعرج ووجهه شاحب، لكنه واقف هناك بعناد وعيناه لا تتركان مخرج البناية.حين خرجت رنا، رأته.لم تتوقّف خطواتها لحظةً، ومرّ نظرها عليه كمن يمرّ على عائق لا يعنيه، ثم مضت بوجه بلا تعبير نحو المترو.تحرّكت شفتا أيمن يريد أن يناديها، فلم
Read more

الفصل 16

دوّى رأس أيمن كأن شيئًا انفجر فيه.مادة مسرّعة للاشتعال.غرفة فاتن.تذكّر تلك الليلة، حين قالت فاتن إنها تخاف وأرادت البقاء.قالت رنا: "غرفة الضيوف في آخر الطابق الأرضي، الشراشف نظيفة. إن أردت البقاء فابقي."كانت هادئةً جدًّا، لا مبالية جدًّا.ظنّ حينها أنها تغيّرت ونضجت.الآن أدرك أن ذلك لم يكن نضجًا، بل كان موت القلب.موت القلب لا يعقبه بكاء."وأيضًا..." خفض المساعد صوته أكثر، "قضية الشرفة... سألنا أشخاصًا ممّن كانوا حاضرين من النادلين. قال أحدهم إنه رأى فاتن تمشي نحو رنا وتبادلا بعض الكلمات، ثم فاتن مدّت يدها فجأةً ودفعت رنا...""حين سقطت رنا، أمسكت بمعصم فاتن، لكنها سرعان ما أطلقت...""فاتن قالت لك لاحقًا إن رنا أرادت أن تسحبها معها لتموتا معًا، لكن بناءً على ما قاله بعض الحاضرين... يبدو أن الأمر مختلف..."لم يعد أيمن يسمع ما يقوله المساعد بعد ذلك.كان ممسكًا بهاتفه واقفًا في شارع بلد غريب، وفي أذنيه طنين وأمام عينيه ظلام متقطّع.الحقيقة كسكّين أشدّ قسوةً تقطّعه.اتّضح له أن فاتن التي كان يحمي بكل ما يملك، ويظنّها بسيطةً طيّبة لا تعدو كونها متقلّبة بعض الشيء، كانت أفعى.وأن رنا الت
Read more

الفصل 17

بقي أيمن جاثيًا لا يعرف كم من الوقت.حتى خدرت ساقاه وفقدتا الإحساس، وحتى أبردته الريح كليًّا.ثم ببطء شديد، تمسّك بالأرض وحاول النهوض.لكن ساقيه المتعبتين وطول الجثوّ أعجزاه، فحاول مرات وفشل.أخيرًا، كاد يزحف حتى التقط العكّاز المجاور وبذل كل ما تبقّى من قوّة حتى وقف بالكاد.أمسك بعكّازه وعرج مستديرًا ومضى.ظهره منحن كشيخ في أرذل العمر.الليل الثقيل يبتلع شبحه.عاد أيمن إلى البلاد.لم يعد كما كان من قبل، منهكًا مهملًا، بل عاد من جديد ذلك الرئيس المرتّب الأنيق لمجموعة القريشي.لكن في أعماق عينيه كانت برودة جليدية تفني كل شيء.أوّل ما فعله حين عاد إلى الشركة، جمع كل الأدلة التي حصل عليها على فاتن، تسجيلات المراقبة وتقارير الحريق وشهادات الشهود، وأرسلها كلّها إلى والد فاتن.مع رسالة من سطر واحد:"نظرًا لما بين عائلتينا من معرفة قديمة، أمنحك خيارين: الأول، إيداعها فورًا في مصحّة نفسية مغلقة؛ والثاني، إبلاغ الشرطة، وهذه الأدلة تكفي لسجنها عشر سنوات. اختر."في ذلك المساء، اتصل والد فاتن.لم يردّ أيمن.جاء والد فاتن مباشرةً إلى مقرّ مجموعة القريشي، لكن الأمن أوقفه في الطابق الأرضي.أخيرًا نزل
Read more

الفصل 18

أطرق أيمن ينظر إلى تلك التي كانت يومًا تملأ قلبه وتستحوذ على أفكاره، فلم يجد الآن إلا غرابةً لا حدّ لها وغثيانًا لا يطاق.رفع قدمه برفق وأطاح بيدها."من اليوم،" استدار ولم ينظر إليها، "انقطع ما بيننا كليًّا.""خذوها إلى المصحّة النفسية! إن رأيتها مجدّدًا أمامي أو أمام رنا،" توقّف وكان صوته جليديًّا، "ستعرف ما معنى الندم."انهارت فاتن على الأرض ونظرت إلى ظهره الحازم المبتعد وضحكت فجأةً ضحكةً حادّة مريعة."رنا رحلت! هي لا تريدك! أيمن، أفق! لن تسامحك أبدًا! كل ما تفعله هي لن تعلم به! وحتى لو علمت لن تكترث! هي تكرهك! لن تسامحك إلى الأبد!"توقّف خطو أيمن.تصلّب ظهره لحظةً.تلك الجملة "لن تسامحك إلى الأبد" كسكّين مسموم يغرز بدقّة في أكثر مكان في قلبه هشاشةً ودماءً.تعثّر خطوةً وتمسّك بالجدار المجاور حتى وقف بالكاد.لم يلتفت.ولم يقل شيئًا.أقام ظهره مستقيمًا وانصرف بخطى ثابتة.الظهر مستقيم لكن فيه وحشة وجفاء لا يوصفان.بعد التعامل مع فاتن وعائلتها، انهار جسد أيمن أيضًا.نزيف في المعدة، فأدخله مساعده إلى المستشفى قسرًا.فحصه الطبيب بوجه عابس: "ضغط نفسي مزمن مفرط، وعدم انتظام في النوم والأكل،
Read more

الفصل 19

أمسك المساعد بالهاتف والتفت إلى ذلك الرجل في غرفة المستشفى، الذي يتعيّش بالذكريات والمحاليل الغذائية وقد أنهكه المرض وخلت عيناه من كل نور، فانعقد لسانه ولم يستطع الكلام.بعد عام.بفضل أدائها المتميز في العمل، أعيدت رنا من الخارج إلى البلاد بقرار من المقرّ الرئيسي، للمشاركة في ترجمة مؤتمر دولي مهمّ.كان المؤتمر في مركز المعارض الأرقى في وسط المدينة.حين علم أيمن بالخبر كان في اجتماع.انحنى مساعده وهمس له بكلمات قليلة، فتوقّف قلمه الذي كان يمسكه ورسم خطًّا طويلًا على الوثيقة.صمت طويلًا ثم أشار بيده ليستمرّ الاجتماع.لكن في النصف الثاني من الاجتماع كان واضحًا أن ذهنه في مكان آخر وعيناه تتجهان إلى النافذة مرارًا.حين انتهى الاجتماع، أغلق على نفسه في مكتبه ودخّن علبة سجائر كاملة.ثم طلب من شخص ما أن يشتري له تصريح دخول خاصًّا للمؤتمر.يوم المؤتمر، جلس في آخر صفّ وأبعد زاوية في القاعة، يرتدي قبّعةً وكمامةً يخفي بهما نفسه في الظلّ.لم يجرؤ على الاقتراب ولم يجرؤ على الإزعاج.اكتفى بهذا، بالاختباء والنظر من بعيد، لمحةً واحدة.حين بدأ المؤتمر، جلست رنا بوصفها إحدى المترجمات الفوريات في الكابينة
Read more

الفصل 20

في سيارة الإسعاف، كان المسعفون يعالجون الجرح ويراقبون العلامات الحيوية.جلست رنا بجانبه ويداها ومعطفها مغطّاة بدم أيمن، دم لزج دافئ تفوح منه رائحة الحديد الثقيلة.نظرت إلى ذلك الرجل على النقّالة، وجهه شاحب كالورق وعيناه مغمضتان وهو ضعيف لا يعرف، ووجهها لم يتغيّر، فقط خطّ شفتيه المطبقتين يفصح عن شد خفيّ.كان أيمن في غيبوبته يهذي دون وعي."رنا... آسف...""الطفل... آسف...""لا ترحلي... لا تتركيني..."صوت متشقّق فيه يأس كصوت محتضر.حوّلت رنا وجهها نحو النافذة، وجانبها في الأضواء المتناوبة بدا صلبًا بارد الملامح.وصلوا المستشفى فأدخل أيمن مباشرةً غرفة العمليات.أضيء ضوء العمليات.جلست رنا على مقعد في الممرّ ويداها ومعطفها لا يزالان ملطّخين بالدم المتجمّد الذي صار لونه أحمر داكنًا.لم تذهب لتنظّف، جلست في هدوء تنظر إلى باب غرفة العمليات الموصد.مرّ الوقت دقيقةً دقيقة.لا يعرف كم من الوقت مضى حتى فتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب ووجهه عابس."المريض جرحه بالغ، طعنة أصابت الطحال وأخرى اخترقت الأمعاء، فقد دمًا كثيرًا والوضع لا يبشّر بالخير.""وأيضًا،" توقّف الطبيب ونظر إلى رنا، "إرادة المريض في
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status