All Chapters of أنا ندمُه الأكبر: Chapter 21 - Chapter 30

30 Chapters

الفصل 21

كانت بقايا وعي تشارلي التي أخذت تتلاشى تُنتزع قسرًا إلى الواقع بفعل الألم المبرح الذي كان يمزق صدره. دوّى صوت صفارات الإسعاف الحاد، ممزقًا سكون العاصفة المحيطة ببوابة منزل إيلينا. هرع مسعفان في منتصف العمر، يرتديان معاطف مطر صفراء فسفورية، نحوه، ثم حملا جسده الذي أصبح باردًا كجثة عن الإسفلت المبتل.«نبض قلبه ضعيف للغاية! وضغط دمه يهبط بسرعة!» صاح أحد المسعفين وسط عواء الرياح، بينما كانا يرفعان جسد تشارلي الهزيل إلى نقالة سيارة الإسعاف الخيرية.لم يعر تشارلي قناع الأكسجين الذي غطّى أنفه وفمه أي اهتمام. راحت عيناه الذابلتان تتحركان باضطراب نحو أرضية سيارة الإسعاف. وبين أصابعه المزرقة والمتصلبة، كان لا يزال يقبض بقوة على قطعة من قلادة إيلينا الفضية. كانت تلك القطعة المعدنية المرساة الوحيدة التي تمنعه من الغرق في ظلامٍ أبدي.وحين أُغلق باب سيارة الإسعاف بعنف، كانت، على بُعد غير بعيد، ورقةٌ خرجت من ظرفٍ بنيٍّ ممزق تتمايل فوق بركة ماء. وكان اسم ليو فاين المكتوب عليها يتلاشى ببطء، تذوبه مياه المطر الغزيرة، تمامًا كما مُحي اسم تشارلي بالكامل من حياة ابنه.بعد ثلاثة أسابيع. مطار جنيف الدولي، س
last updateLast Updated : 2026-07-13
Read more

الفصل 22

كانت مدينة باريس، على أعتاب فصل الشتاء، تعرض مشهدًا مهيبًا لكنه بارد. وفي إحدى قاعات كبار الشخصيات داخل مطعم فاخر يطل مباشرة على برج إيفل، جلست إيلينا برفقة عدد من كبار مسؤولي صناعة مستحضرات التجميل في أوروبا. وكان اجتماع هذه الليلة هو الاجتماع الحاسم لإطلاق خط أورا هيربال عالميًا في جميع أنحاء فرنسا.بدت إيلينا آسرة في فستان سهرة من المخمل بلون الزمرد الأخضر، تشع منها هالة من الهيبة والسلطة جعلت رجال الأعمال المحيطين بها يكنّون لها احترامًا بالغًا. ارتسمت على وجهها الجميل ابتسامة احترافية، وكانت حركاتها تنطق بالرقي، فيما جاءت كل حجة تجارية تطرحها حاسمة لا تترك مجالًا لأي ثغرة.وفي خضم مأدبة العشاء، دخل أحد النُّدُل حاملًا صينية فضية تضم مجموعة من مستندات العقد الإضافية التي أرسلها الفريق القانوني لتوّه. وعلى الصينية، إلى جانب المستندات، وُضع ظرف أبيض صغير لا يحمل اسم المرسل.بادرت آريا، التي كانت تقف خلف إيلينا، إلى التقاط الظرف لتفقد محتواه قبل أن تسلمه إلى رئيستها. لكن ما إن فتحت ختم الظرف حتى تجمدت حركتها فجأة، وشحب وجهها تحت بريق الثريات الكريستالية التي تزين المطعم.ولم يفت إيلي
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل 23

كان الشتاء قد أحكم قبضته تمامًا على باريس. اكتست شوارع المدينة بطبقاتٍ من الثلج الأبيض تعكس وميض أضواء المدينة، في تناقضٍ واضح مع الدفء الذي يغمر المقر الجديد لشركة إيثيل كورب في فرعها الأوروبي. وفي الطابق العلوي الفاخر، وقفت إيلينا أمام الجدار الزجاجي الواسع، تحدق في اتجاه برج إيفل الذي بدا باهتًا خلف ضباب الثلج.وفوق مكتبها، كان ذلك القلادة الفضية التي أُصلحت بالذهب الأبيض ترقد في صمت. وإلى جوارها وُضعت وثيقة رسمية صادرة عن مكتب كابيتال للمحاماة، تُثبت أن حق الوصاية القانونية على ليو أصبح الآن بيدها بالكامل، دون أي ثغرة تسمح لأي جهة في العالم بالطعن فيه.دخلت آريا بخطواتٍ حذرة للغاية، وهي تحمل كوبًا من الشاي العشبي الساخن.«سيدتي، لقد اكتملت جميع الاستعدادات لحفل الإطلاق الكبير لعلامة Aura Herbal غدًا مساءً في غاليري لافاييت. وقد تأكد حضور المشاهير ووزير التجارة الفرنسي.»لم تستدر إيلينا على الفور. أطلقت زفرة طويلة، فرسم بخار أنفاسها طبقةً رقيقة على الزجاج البارد.«وماذا عن بقية أعضاء مجلس إدارة شركة فين كورب الذين حاولوا التواصل معنا؟»أجابت آريا: «لقد استسلموا، سيدتي. فمن دون تشار
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل 24

أُقيم حفل الإطلاق العالمي لعلامة أورا هيربال في غاليري لافاييت بباريس وسط أجواءٍ من الفخامة التي لا تُضاهى. وكانت ومضات مئات مصوّري الأزياء تملأ السجادة الحمراء بسيلٍ متواصل من الأضواء، بينما اجتمع أفراد الطبقة الأرستقراطية، وكبار المشاهير، ونخبة رجال الأعمال في أوروبا ليشهدوا توسّع عملاق مستحضرات التجميل الذي أسسته إيلينا.وفي قلب القاعة الرئيسية، التي ازدانت بزخارف نباتية فاخرة، وقفت إيلينا محطَّ أنظار الجميع. احتضن فستانها الحريري المسائي، بلونه الأبيض الفضي، قوامها بإتقان، حتى بدت وكأنها تتلألأ تحت أضواء الثريات الكريستالية. كانت ابتسامتها تنطق بالرقي، وحديثها يتسم بالهدوء والثقة، وكل مصافحةٍ تقدم عليها كانت تُبرم شراكاتٍ تُقدَّر بملايين اليوروهات، لترسخ مستقبل شركة إيثيل.قال أحد أبرز نقّاد الجمال في فرنسا وهو يرفع كأس الشمبانيا:«إنه إنجاز استثنائي، سيدتي إيلينا. لقد نجحتِ في نقل روح آسيا إلى قلب أوروبا دون أدنى نقص.»ابتسمت إيلينا ابتسامة هادئة وقالت:«شكرًا لك، سيدي. وما هذا إلا البداية لما ستقدمه شركة إيثيل للسوق العالمية.»خرج صوتها واضحًا وثابتًا، نطقته في نفسٍ واحدٍ قصير،
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل 25

أخذت أضواء غالييري لافاييت تخبو شيئًا فشيئًا حين أشارت الساعة إلى الثانية صباحًا، تاركةً وراءها صمتًا قارسًا يلف شوارع باريس المكسوة بالثلوج. وفي داخل سيارة الليموزين التي كانت تشق عتمة الليل متجهة نحو قصرها الخاص في ضواحي المدينة، جلست إيلينا مستندة إلى الخلف. كان فستان سهرتها الفضي لا يزال يلتف حول جسدها، غير أن دفء حفل نجاحها بدا وكأنه تبخر دون أثر.على حجابها، كانت شاشة كمبيوتر لوحي تعرض رسمًا بيانيًا لمبيعات "أورا هيربال" وهي تقفز بشكل حاد في غضون ساعات قليلة من الإطلاق. كانت هذه ذروة المجد التي طالما حلمت بها منذ الليلة التي طُردت فيها من قصر عائلة "فين" قبل خمس سنوات. لقد انتصرت أخيرًا، وبنت إمبراطوريتها الخاصة من بين أنقاض حياتها المحطمة.ومع ذلك، كلما التقت عيناها بانعكاس صورتها على زجاج السيارة المظلم، كانت تلوح في أفق ذاكرتها تلك الكلمات المكتوبة بخط يد تشارلي، الملطخة بالدماء خلف قصاصة الجريدة تلك."لا تدعي ليو يعرف أن والده مات كعامل رصيف..."أدارت إيلينا وجهها بحركة خاطفة، قاطعةً حبل أفكارها. ثم زفرت تنهيدة طويلة وحادة، وكأنها تحاول طرد أشباح الماضي من مقصورة السيارة اله
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل 26

في مستشفى إعادة تأهيل خاص ومتوارٍ عن الأنظار في ضواحي مدينة زوريخ السويسرية؛ بعيدًا كل البعد عن رادارات استخبارات شركة "إيثيل كورب"، والتي كانت تظن أن تشارلي فين قد دُفن بالفعل في مقابر الفقراء في "هافر".كان تشارلي مستلقيًا على فراش مجاور للنافذة، يشخص ببصره نحو السماء الرمادية بنظرات فارغة. قناع الأكسجين لا يزال مثبتًا على وجهه، بينما كانت دقات قلبه تتدفق بطيئة عبر شاشة المراقبة الطبية. لقد وصلت إلى مسامعه عبر تقارير الراديو أنباء قيام إيلينا بحرق رسالته، ومضيّها في حياتها دون أن تذرف دمعة واحدة على "رحيله".انفتح باب الغرفة، ودخل راي بخطوات ثابتة وواثقة، ولم تعد تظهر على وجهه علامات اليأس والإحباط التي كانت تكسوه على رصيف الميناء في ذلك الوقت.نزع راي معطفه واقترب من السرير قائلاً: «سيد فين، لقد نجح مخططنا. لقد أصدر مستشفى "هافر" بيان وفاتك، وأكدت مساعدة السيدة إيلينا ذلك "الموت". بدءًا من اليوم، وفي عيون العالم وعيون السيدة إيلينا... لم يعد لتشارلي فين وجود.»لم يتحرك تشارلي، بل سحب زفرة قصيرة وثقيلة، بدت وكأنها إعلان استسلام من خلف قناع الأكسجين الخاص به، وقال: «لماذا أنقذتني يا
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل 27

مرت ستة أشهر على تلك الليلة العصيبة في زوريخ. وكان خريف عليل يلف الآن أرجاء عيادة خاصة للعلاج الطبيعي في ضواحي مدينة جنيف، تتسم بالهدوء والسكينة. وفي داخل غرفة التدريب المطلوبة على حديقة اكتست أشجار القيقب فيها باللون الأحمر، كان تشارلي واقفًا يستند إلى متوازيين حديديين.لم يعد القميص القطني الأبيض الذي يرتديه يبدو فضفاضًا عليه كما كان في السابق؛ فبفضل نظام غذائي صارم، وعلاج مكثف للرئتين، وتمارين بدنية لا تعرف الكلل، بدأ جسده الذي كان هزيلًا ونحيلًا يستعيد بنيته المتماسكة وقامته الممشوقة تدريجيًا.وجهه طبيب العلاج الطبيعي المحلي الذي كان يشرف عليه قائلًا: «خطوة أخرى بعد يا سيد فين. احبس أنفاسك، ثم ازفر ببطء.»سحب تشارلي نفسًا عميقًا وطويلًا. لم يعد يشعر بأن رئتيه تُغرزان بآلاف الإبر، بل كان الأكسجين يتدفق بسلاسة أكبر، ويبث الطاقة في كل خلايا جسده التي عانت خدرًا طويلاً. وبدَفعة واثقة وثابتة من قدمه، خطا إلى الأمام متخليًا عن دعم القضبان الحديدية، ونجح في الوقوف شامخًا معتمدًا على قوته الخاصة.أثنى عليه الطبيب وهو يدون مؤشرات التطور على لوح الكتابة بيده: «مذهل حقًا يا مسيو فين. إن التق
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل 28

كانت الليلة في المدينة (ب) تبدو غارقة في صمت مطبق وبرودة قارسة خلف الجدران الزجاجية للمقر الرئيسي لشركة "إيثيل كورب". وفي الطابق العلوي من ذلك البرج الشاهق، وقفت إيلينا تتأمل أضواء المدينة المترامية الأطراف، والتي كانت تتلألأ كبحر من النجوم الاصطناعية. وعلى مكتبها، كانت التقارير المالية للربع الثاني تُظهر أرقام نمو خيالية؛ إذ أصبحت تجارتها في مجال مستحضرات التجميل والعناية بالأعشاب رسمياً عملاقاً لا يُقهر في السوق المحلية.لقد امتلكت كل شيء؛ السلطة، والثروة، والاحترام المطلق من عالم المال والأعمال. ومع ذلك، وفي جوف هذا السكون الليلي، كان يتردد في أركان قلبها الخاوي صدى من الماضي. فبين الحين والآخر، كانت تمر ببالها دون استئذان نظرة عينين صقريتين تخصان تشارلي فين؛ الرجل الذي تؤمن تماماً بأنه بات مدفوناً تحت ثرى القارة الأوروبية البارد.التفتت إيلينا ببطء، وتوجهت بخطواتها نحو الأريكة الجلدية السوداء حيث كانت آريا ترتب بعض ملفات العمل.كسرت إيلينا الصمت قائلة بصوت نقي يحمل برودة غريبة: "آريا، جَدولي رحلة طيران إلى فرنسا الأسبوع المقبل. أريد زيارة المقبرة العامة في هافر."توقفت يد آريا عن
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل 29

بدأ الصباح في قصر إيلينا الفاخر في المدينة (ب) بحركة دؤوبة يلفها الهدوء. وفي البهو الرئيسي المهيب، بدت إيلينا في غاية الأناقة وهي ترتدي حُلّة رسمية من قطعتين بلون عاجي، وقد رفعت شعرها بعناية في كعكة متناسقة، فغدت تنضح بهالة تجمع بين سطوة سيدة الأعمال ونعومة المرأة الفاتنة. كانت تجثو على ركبتيها أمام ليو، وتصلح ياقة زي الروضة الخاص بوعلها الصغير بدفء حانٍ يتناقض تماماً مع طبيعتها الباردة التي تبديها للعالم الخارجي.دُقّ الباب الأمامي خِفية، ودلفت آريا وهي تمسك بجهازها اللوحي. تباطأت خطواتها برهة حين وقفت على هذا المشهد المتناغم بين الأم وطفلها، لكنها سرعان ما اقتربت بمهنية معهودة.انحنت آريا باحترام قائلة: "سيدتي،" ثم رمقت ليو بابتسامة عذبة وأردفت: "سيارة السيد الصغير ليو بانتظاره في الخارج."تحدث ليو بلكنته الطفولية اللثغاء المحببة وهو يودعها: "أمي... أنا ذاهب إلى المدرسة الآن." وطبع قبلة حانية على وجنة إيلينا قبل أن ينطلق بهرولة خفيفة نحو سيارة الحراسة التي ستقله.وقفت إيلينا، وتابعت بنظراتها طفلها الراحل حتى توارت السيارة خلف البوابة الكبيرة. وما إن أُغلق الباب، حتى تلاشت معالم الدف
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل 30

كان هواء الليل في جنيف يبدو متجمداً خلف الجدران الزجاجية للمكتب المؤقت لشركة "ألتير للوجستيات". وعلى مكتب العمل المكتظ بأكوام من تحليلات السوق، كانت هناك صحيفة اقتصادية دولية صادرة من المدينة (ب) تعرض صورة لإيلينا وهي تغادر مطعم "لامبروزي" برفقة ويليام فانغارد. وقد تكهن المقال المنشور أسفل الصورة علانية بطبيعة العلاقة الوثيقة بين عملاقي المال والأعمال، بما في ذلك تقارير تفيد بأن ويليام زار مدرسة ليو الفاخرة عدة مرات بهدف كسب ود الصغير.سرى الخبر كالنار في الهشيم، ليصيب صدر تشارلي بغصة ألم لا تطاق. غير أن انكسار قلبه هذه المرة كان مختلفاً تماماً عما مضى؛ فبينما كان شعوره بالذنب في الماضي يجعله يتمنى الموت مستسلماً، كان اشتعال الغيرة وخوفه من أن يحل رجل آخر محله في أبوة طفله يمزقان روحه الآن. لم يتوقف تشارلي عن العمل طوال الأيام الثلاثة الماضية، بل دفن نفسه بين الأرقام ومفاوضات سلاسل الإمداد بغية تسريع نهوض "ألتير".دُفع باب غرفة العمل بخفة، ودلف راي حاملاً صينية عليها حساء عيش الغراب الدافئ، وهو الوجبة المفضلة لرئيسه.وضع راي الصينية على الجانب الشاغر من المكتب، ونظر بقلق إلى علامات ال
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status