All Chapters of تلمع النجوم في ظلال الليل: Chapter 11 - Chapter 20

24 Chapters

الفصل الحادي عشر

انفجر حسام أخيرًا بالبكاء، وارتمى على ساق أبيه وهو يصرخ:"أمي! هل قفزتِ في البئر؟! مستحيل! أمي لن تموت! لقد وعدتِني أنكِ ستأخذينني إلى مكانٍ جميل جدًا! لن تتركيني وحدي! أبي، أرجوك! ابحث عن أمي! أعدها إلينا!"وضعت ليلى يدها على فمها في الوقت المناسب، وأطلقت شهقة قصيرة، ثم اغرورقت عيناها بالدموع، وقالت بصوتٍ مرتجف:"مولاي، ماذا سنفعل؟ كيف استطاعت أختي أن تقدم على ذلك؟ لولا أنني كنت مريضة الليلة الماضية، لما حدث كل هذا... مولاي، أرجوك، فكّر في طريقة لإنقاذها!"قال سيف الدين بصوتٍ خافتٍ متماسك بصعوبة:"لا شأن لكِ بالأمر... لقد اختارت هي... أن تتمادى في عنادها."لكن حتى هو شعر بأن كلماته باهتة، لا وزن لها ولا معنى.خفضت ليلى رأسها، ومسحت دموعًا لم تكن موجودة أصلًا، بينما لمع في عينيها، خلف رموشها المنسدلة، بريق خفي من الرضا.أُعلنت حالة الطوارئ في أنحاء العاصمة.انتشر حرس قصر الأمير الوصي في كل مكان، يقتحمون البيوت بيتًا بيتًا، ويقلبون الأثاث والصناديق رأسًا على عقب، حتى عمّت الفوضى والذعر.كما تلقّى حاكم العاصمة أوامره، فأرسل جميع رجال الشرطة للتعاون مع حرس القصر في تفتيش المنازل، مع الترك
Read more

الفصل الثاني عشر

دفع الأمير سيف الدين ابنه حسام جانبًا، ثم اندفع مترنحًا إلى غرفة مكتبه، وأخذ يقلب كل شيء بجنون.أسقط رفوف الكتب، فتبعثرت المجلدات على الأرض، وفتح الأدراج بعنف حتى تناثرت محتوياتها.وأخيرًا، في قاع صندوقٍ خشبي من خشب الصندل غطاه الغبار، عثر على لفافةٍ من الورق.ارتجفت يداه وهو يفردها ببطء.كانت لوحةً قديمة اصفرّت أطرافها قليلًا.رأى فيها مباني شاهقة ترتفع إلى عنان السماء، وشوارع مكتظة، وصناديق غريبة تسير بلا خيول، وناسًا يرتدون ثيابًا قصيرة، وطائرًا معدنيًا ضخمًا يحلّق في السماء.وفي إحدى زوايا الرسم، كُتبت بخطٍ متعرج عبارة:"بيتي."تذكّر أن ياسمين رسمت هذه اللوحة عندما بدأت تتقن الكتابة والرسم في هذا العالم.كانت تحملها إليه بحماس، وتشير إلى تفاصيلها واحدًا تلو الآخر."هذه عمارات شاهقة، نسكن فيها.""وهذه سيارات، تسير أسرع بكثير من العربات التي تجرها الخيول.""وهذه طائرات، تحمل الناس وتحلّق بهم في السماء."ثم كانت تنظر إليه بعينيها اللامعتين وتقول:"سيف الدين، هذا هو المكان الذي جئتُ منه... أليس غريبًا؟"أما هو، فكان يربّت على رأسها ويضحك قائلًا:"أيتها المحتالة الصغيرة... ما زلتِ تؤلفي
Read more

الفصل الثالث عشر

أُقيم قبر رمزي لياسمين في بستان أشجار البرقوق على التل الواقع خلف قصر الأمير.وكان ذلك أحب الأماكن إلى قلبها.لطالما قالت إن منظر أزهار البرقوق حين تتفتح هنا يشبه كثيرًا مشهدًا في حديقة من حدائق عالمها.لكن موسم تفتحها لم يكن قد حان بعد. فبدت الأغصان العارية شديدة الوحشة والكآبة تحت رياح الخريف الباردة.كان القبر صغيرًا، بلا شاهد.ولم يُدفن فيه سوى حذائها المطرز المبتل الذي انتُشل من البئر، مع بضعة أثواب قديمة اعتادت ارتداءها.وقف سيف الدين أمام القبر مرتديًا ثياب حداد بيضاء.كان وجهه شاحبًا، وتحت عينيه هالات داكنة كثيفة. وفي بضعة أيام فقط، نحل جسده حتى برزت عظام وجنتيه، وغطى ذقنه زغب لحية داكن. أما عيناه، فظلتا شديدتي السواد، غير أنهما بدتا كبئرين جافتين؛ اختفى منهما بريق الماضي، ولم يبق فيهما سوى سكون مميت لا قرار له وعناد يكاد يبلغ حد الهوس.توافد رجال البلاط واحدًا تلو الآخر لتقديم العزاء.كان كل منهم مطأطئ الرأس، يخفف وقع خطواته خشية أن يزعج شيئًا ما. ومع ذلك، حملت رياح الخريف همساتهم المكبوتة إلى أذني سيف الدين."أسمعتم؟ يقال إن الأميرة ألقت بنفسها في البئر...""آه، ما أقصر عمر ا
Read more

الفصل الرابع عشر

قال الأمير سيف الدين بصوتٍ منخفض لكنه حاسم:"كفى."كلمة واحدة كانت كافية لإسكات دموع ليلى وصراخها. لوّح بيده بتعب، كأنه يطرد ذبابة مزعجة، ثم أمر:"خذوها إلى جناحها، وتُمنع من مغادرته حتى يصدر أمري."ارتجفت ليلى، صرخت بيأس:"مولاي! لا تفعل بي هذا! أنا أحبك! ياسمين ماتت ولن تعود! لكن لديك أنا… لديك حسام!"لكن سيف الدين التفت إليها بعينين محمرتين كالجمر، وحدّق فيها بنظرةٍ أخرستها في مكانها، ثم صرخ بجنون:"هي لم تمت! لقد عادت إلى وطنها! ستعود إليّ… ستعود!"كان صوته كزئير حيوان جريح، يائس، يريد أن يجعل الوهم حقيقة.لكن الصمت الذي خيّم على المكان، والذهول والشفقة المرتسمان على وجوه الحاضرين، كانا كالماء البارد الذي انصبّ فوق رأسه.ظل يلهث، وصدره يعلو ويهبط بعنف.نظر إلى ليلى وهي تُسحب بعيدًا بين أيدي الحراس، وعيناها تمتلئان بالحقد واليأس وعدم التصديق.ونظر إلى الناس وهم يتجنبون النظر إليه.ثم وقع بصره على حسام الصغير، الواقف في مكانه، شاحب الوجه، تائه النظرات.وفجأة شعر أن كل ما حوله أصبح سخيفًا وعبثيًا.لوّح بيده بتعب، وقال بصوتٍ أجش:"انصرفوا جميعًا..."تنفس الجميع الصعداء، وانحنوا ثم غادر
Read more

الفصل الخامس عشر "

لا... مستحيل..."هزّ الأمير سيف الدين رأسه بعنف، وعيناه شاردتان كأنه يعجز عن تقبّل الحقيقة."لا بدّ أن هناك طريقة أخرى! لا بدّ من سبيل آخر! أيها الحكيم! أخبرني! قل لي كيف! أرجوك!"نظر إليه الرجل العجوز بعينين امتلأتا بالشفقة، لكنه لم يملك سوى أن يهز رأسه ببطء.وقال بصوت هادئ:"العبور بين عالمين هو مخالفة لسنن السماء. ولا يتم إلا إذا اجتمعت ثلاثة أمور: الزمان، والمكان، والإرادة. اجتماع النجوم هو الزمان، ولا يقع إلا مرة كل مئة عام. أما المكان... فأظن أن الأمير قد أدركه بالفعل. وأما الإرادة..."توقف لحظة، ثم تابع ببطء:"فلا بدّ أن تُقدَّم الحياة نفسها قربانًا. إنه طريق بالغ الخطورة، لا نجاة فيه. عشرة من عشرة يهلكون. يا مولاي... لقد تغلغل هذا التعلّق في قلبك حتى أوشك أن يتحول إلى وسواسٍ يهلكك. أما الراحلون فقد مضوا، فاصبر وارضَ بقضاء الله."ثم لوّح بمذبة الشعر، واستدار راحلًا، دون أن يقول كلمة أخرى.وبقي الأمير سيف الدين وحده في غرفة الدراسة.أسند ظهره إلى رفوف الكتب، ثم انزلق ببطء حتى جلس على الأرض.مئة عام...أن أقدّم حياتي قربانًا... ولا أمل في النجاة...ضحك فجأة.ضحكةً منخفضة، مبحوحة،
Read more

الفصل السادس عشر

عندما أُنقذ سيف الدين وأخرج من البئر، كان فاقدًا للوعي تمامًا.ظل يعاني حمى شديدة ثلاثة أيام، وبدا كأن أنفاسه ستنقطع في أية لحظة.فحصه طبيب القصر وهو يرتجف خوفًا، ثم هز رأسه وتنهد قائلًا:"لقد دخل الماء إلى رئتي الأمير، وتغلغل البرد في جسده فأضعف بنيته بشدة، كما بلغ أثر العلة قلبه. حالته حرجة، ويحتاج إلى راحة تامة لعدة أشهر. وقد... وقد تترك هذه المحنة علة مزمنة في جسده. أخشى أن يعاني نوبات السعال وضيق التنفس كلما حل طقس ممطر رطب."ظل حسام جالسًا إلى جانب السرير. كانت عيناه منتفختين من شدة البكاء، وقد أمسك بكف أبيه المحمومة وهو ينتحب حتى كاد يختنق."أبي... أبي، استيقظ... لا تتركني... أمي اختفت بالفعل، وإذا أصابك مكروه أنت أيضًا، فماذا سيفعل حسام؟ ماذا سيفعل حسام وحده؟"لعل بكاء ابنه كان أليمًا إلى حد لا يُحتمل، أو لعل ما بقي في أعماقه من رفض ويأس كان أقوى من أن يسمح له بالموت.في ساعة متأخرة من الليلة الثالثة، أفاق سيف الدين أخيرًا من غيبوبته.كان يشعر كأن حفنة من الرمل عالقة في حلقه. أحرقه الألم، وكل نفس يسحبه كان يشد أحشاءه ويثير نوبة سعال تمزق صدره."أبي! لقد استيقظت يا أبي!"اندفع ح
Read more

الفصل السابع عشر

لم يتردد الأمير سيف الدين لحظة واحدة. أمسك بالخنجر، ووجّه نصله إلى صدره، ثم غرسه بقوة دون أن يرفّ له جفن. سال الدم بغزارة، يلطخ ثيابه البيضاء ويده المرتجفة.ولم يقطّب حاجبيه حتى، بل ضغط بيده بقوة، واقتطع قطعة من جلده ولحمه، حتى امتزجت بدم قلبه الساخن، وأسقطها في وعاءٍ من اليشم كان الساحر المرتجف يرفعه أمامه، وقال بصوتٍ مبحوح:"خذها… وأقم الطقس. أريد أن أراها الليلة."ارتجف الساحر وهو يحمل الوعاء الممتلئ بدم القلب، حتى كادت يداه تسقطانه من شدة الخوف. أما حسام، فانطلق نحو أبيه، وضغط بكلتا يديه الصغيرتين على الجرح النازف، وقد تلطخت أصابعه بالدم، وهو يبكي حتى كاد يغشى عليه:"أبي! ستقتل نفسك! لا تفعل!"خفض سيف الدين رأسه، ونظر إلى وجه ابنه المبلل بالدموع، ثم مسح دموع ابنه بيده الملطخة بالدم، وقال بهدوءٍ غريب:"لا تخف يا بني… أبوك يريد فقط أن يسأل أمك… هل البرد هناك شديد؟ هل الظلام يخيفها؟ ومتى ستعود إلينا؟"أُقيم الطقس، وسُفك دم القلب كما طلب الساحر.وغرق سيف الدين في غيبوبةٍ استمرت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، وارتفعت حرارته حتى كاد الأطباء يفقدون الأمل في نجاته.وفي اليوم الرابع، فتح عينيه أخ
Read more

الفصل الثامن عشر

انهارت جميع أقنعة ليلى، وتمزقت كل حيلها ومكائدها، لتكشف عن قلبٍ مسمومٍ متعفن.زحفت على الأرض نحو الأمير سيف الدين، محاولةً أن تتشبث بثوبه، وهي تصرخ باكية:" مولاي... أنا لم أفعل كل هذا إلا لأنني أحببتك! ياسمين لا تليق بك، فهي مجهولة الأصل، غريبة الأطوار، لا تكف عن قول الأشياء المجنونة! أما أنا... فأنا وحدي أحببتك بصدق، وأردت أن أبقى معك إلى الأبد!"ابتسم سيف الدين ابتسامةً ملتوية، وقال ببرودٍ قاتل:" أهذا هو حبك؟ أن تقتلي طفلي؟ وأن تدبّري المكائد ضد سيدتك؟ وأن تدفعيني بيدي لأفقد أعز ما أملك؟"خفض بصره إلى حدّ سيفه، فرأى قطرة الدم العالقة عليه، وكأنها أعادته إلى الماضي...رأى دم ياسمين يوم وضعت طفلها، ورأى عظام ذلك الجنين الصغير عند البئر، ورأى عينيها في لحظتها الأخيرة، وقد مات فيهما كل أمل.ثم همس:"ليلى… كان يجب أن أترككِ تموتين يوم الفوضى على الحدود."ثم التفت إلى الحراس، وأصدر حكمه بصوتٍ هادئ لكنه صارم:" خذوها. ليلى مجرمة، قتلت أبناء القصر، ولفّقت التهم للسيدة ياسمين، وقد بلغت من الخبث مبلغًا لا يُغتفر. احلقوا شعرها، وشوّهوا وجهها، واكسروا ساقيها، ثم أرسلوها إلى معسكر الجيش في الشم
Read more

الفصل التاسع عشر

انهار حسام على الأرض، يغطي أذنيه، يغلق عينيه، لا يجرؤ أن ينظر إلى أبيه وهو يجلد نفسه.صرخ بصوتٍ مبحوح:"أبي! توقف! أرجوك، لا تضرب نفسك بعد الآن! أمي لو رأتك ستتألم! ستتألم من أجلك!"توقف سيف الدين عن رفع السوط. كان يلهث، والعرق والدم يتساقطان من ذقنه.تمتم:"تتألم…؟ لا، لن تتألم بعد الآن. إنها تكرهني… ولن تبكي عليّ مرة أخرى."أرخى يده، فسقط السوط الملطخ بالدم على الأرض بصوتٍ مكتوم.ترنح قليلًا، واستند إلى مائدة القرابين حتى تمكن من الوقوف.ثم رفع رأسه نحو اللوح التذكاري، وابتسم ابتسامةً باهتة، كشمعةٍ توشك أن تنطفئ:"ياسمين، انظري… أنا أعاقب نفسي. ألا تعودين لتريني؟ ولو لمرة واحدة؟"لكن صوته تلاشى في هواء القاعة البارد، قبل أن يسقط مغشيًا عليه.مرّت ثلاثة أشهر.لم يعد الأمير يحضر مجلس الحكم، والاتهامات انهالت عليه بأنه أهمل الدولة وانغمس في حزنه.ولذلك قصد الإمبراطور الشاب القصر بنفسه. ساد القصر صمتٌ ثقيل، والخدم يتحركون بخطواتٍ خافتة، تعلو وجوههم أمارات القلق والخوف.ولما دخل الإمبراطور إلى المكتبة، كاد لا يعرف الرجل الجالس أمامه.أهذا هو عمه، الأمير الذي كان يومًا يقرر مصير البلاد ب
Read more

الفصل العشرون

شحب وجه حسام فجأة، كأن الدم انسحب منه كله.أراد أن يشرح، أن يقول إنه فقط أراد أن يُدخل قليلًا من الفرح إلى قلب أبيه، ولو للحظة عابرة.لكن حين رأى في عيني أبيه ذلك الحزن العميق، وذلك الفراغ المميت، انحبست الكلمات في حلقه، وانفجرت دموعه الساخنة.شهق باكيًا، ولم يعد بكاؤه مجرد نحيبٍ مكتوم، بل صار كعويل حيوانٍ صغيرٍ حاصرته الدنيا من كل جانب:"أبي… أردت فقط أن أراك سعيدًا… ولو قليلًا… أمي رحلت، وأنا أتألم.كل ليلة أراها في المنام وهي تلقي بنفسها في البئر، وأتمنى الموت… لكن لا أستطيع!"ثم ارتمى عند ركبتي أبيه، وأمسك بيده الباردة، ورفع إليه وجهه الغارق بالدموع. "لأنك أنت أيضًا أصبحت هكذا... يا أبي، أنت تكاد تموت..… إن انهرت أنا، من يبقى؟ من يحمي القصر؟ من يحميك؟ أنا خائف… خائف جدًا!"ارتجف قلب الأمير سيف الدين، كأن يدًا غليظة قبضت عليه.نظر إلى وجه ابنه المبلل بالدموع، إلى تلك العينين اللتين تشبهان عيني ياسمين، لكنهما تحملان خوفًا وألمًا أكبر من عمره.كان قلبه كأن يدًا خفية تعتصره بقسوة حتى كاد يختنق.انحنى ببطء، ومد ذراعيه المرتجفتين، واحتضن ابنه الذي كان يرتجف من شدة البكاء.كان عناقًا خفيفً
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status