كانت السماء فوق بلدة "وادي الزيتون" هائجة، تحجبها غيوم سوداء ثقيلة لم تسمح لضوء القمر بالنفاذ. المطر لم يكن يسقط، بل كان ينهمر كالسياط، يضرب زجاج النوافذ الخشبية القديمة لبيت "الحاج أمين". في هذه الليلة، انقطعت خطوط الهاتف والكهرباء عن البلدة بأكملها بسبب العاصفة، وغرقت الشوارع الملتوية بين البساتين في ظلام دامس، ولم يبقَ سوى بصيص واهن ينبعث من مصابيح الكيروسين داخل البيوت.في الصالون الواسع ذي الأرضية الحجرية الباردة، كان الصمت أثقل من صوت الرعد في الخارج. جلس ثلاثة أشخاص تفصل بينهم شكوك غير معلنة: "سليمان"، شقيق الحاج أمين الأصغر، رجل تظهر على ملامحه علامات الإرهاق والتوتر، يفرك يديه باستمرار أمام موقد الحطب. وإلى جانبه، الدكتور "مراد"، الطبيب الذي استقر في البلدة منذ سنوات، يرتشف شايًا باردًا وعيناه تلاحقان عقارب ساعته اليدوية. وفي الزاوية البعيدة، وقف "أبو أدهم"، المزارع الخمسيني الذي قضى عمره في خدمة هذه الأرض، طين حذائه يلوث السجاد، وعيناه تعكسان غضبًا مكتومًا."لقد تأخر كثيرًا.. ليس من عادته أن يغلق مكتبه في مثل هذا الوقت ويهمل ضيوفه"، قال سليمان بصوت متحشرج، محاولاً كسر الجمود
Last Updated : 2026-07-19 Read more