LOGINبلدة ريفية هادئة تحيط بها البساتين والمزارع، وفي ليلة عاصفة وممطرة، ينقطع الاتصال بالبلدة بسبب الأحوال الجوية يُعثر على أحد وجهاء البلدة (شخصية غنية ومثيرة للجدل) مقتولاً داخل مكتبه في منزله الكبير. الباب كان مقفلاً من الداخل، والنوافذ سليمة، مما يعني أنها "جريمة الغرفة المغلقة".
View Moreكانت السماء فوق بلدة "وادي الزيتون" هائجة، تحجبها غيوم سوداء ثقيلة لم تسمح لضوء القمر بالنفاذ. المطر لم يكن يسقط، بل كان ينهمر كالسياط، يضرب زجاج النوافذ الخشبية القديمة لبيت "الحاج أمين". في هذه الليلة، انقطعت خطوط الهاتف والكهرباء عن البلدة بأكملها بسبب العاصفة، وغرقت الشوارع الملتوية بين البساتين في ظلام دامس، ولم يبقَ سوى بصيص واهن ينبعث من مصابيح الكيروسين داخل البيوت.
في الصالون الواسع ذي الأرضية الحجرية الباردة، كان الصمت أثقل من صوت الرعد في الخارج. جلس ثلاثة أشخاص تفصل بينهم شكوك غير معلنة: "سليمان"، شقيق الحاج أمين الأصغر، رجل تظهر على ملامحه علامات الإرهاق والتوتر، يفرك يديه باستمرار أمام موقد الحطب. وإلى جانبه، الدكتور "مراد"، الطبيب الذي استقر في البلدة منذ سنوات، يرتشف شايًا باردًا وعيناه تلاحقان عقارب ساعته اليدوية. وفي الزاوية البعيدة، وقف "أبو أدهم"، المزارع الخمسيني الذي قضى عمره في خدمة هذه الأرض، طين حذائه يلوث السجاد، وعيناه تعكسان غضبًا مكتومًا.
"لقد تأخر كثيرًا.. ليس من عادته أن يغلق مكتبه في مثل هذا الوقت ويهمل ضيوفه"، قال سليمان بصوت متحشرج، محاولاً كسر الجمود.
رد الدكتور مراد بهدوء مصطنع: "ربما يراجع حسابات الموسم، أنت تعرف شقيقك يا سليمان، عندما يتعلق الأمر بالمال والأوراق، ينسى الوقت".
تنهد أبو أدهم بصوت مسموع وغمز بقسوة: "أو ربما يهرب من مواجهة الحقوق التي يماطل فيها منذ أشهر. العاصفة ليست في الخارج فقط يا دكتور".
فجأة، قطع هذا النقاش المشحون نزول "طارق" من الطابق العلوي. طارق، ابن أخت الحاج أمين، شاب حاد الذكاء وهادئ، كان قد قدم للبلدة في زيارة قصيرة. كانت ملامحه صلبة، ويمسك بيده مصباحًا يدويًا يوجه نوره نحو الأرض.
قال طارق بنبرة حازمة هزت الحاضرين: "هناك شيء خاطئ. وقفت خلف باب مكتب الخال أمين لأكثر من عشر دقائق. طرقته مراراً، ناديت باسمه.. لا يوجد أي رد. حتى السعال الخفيف الذي يلازمه بسبب مرضه اختفى تماماً. والباب.. مقفل من الداخل بالمفتاح".
تبادل الثلاثة نظرات قلقة. نهض سليمان مسرعاً، وتبعه الطبيب وأبو أدهم خلف طارق صعوداً نحو الطابق الثاني عبر السلالم الخشبية التي كانت تئن تحت أقدامهم.
وقفوا جميعاً أمام الباب الخشبي السميك لمكتب الحاج أمين. حاول سليمان تحريك المقبض بقوة، لكن دون جدوى. اقترب الدكتور مراد ووضع أذنه على الخشب، مستمعاً بعناية. لا شيء سوى صوت الرياح التي تضرب النافذة بالداخل.
"أبو أدهم، نحتاج إلى قوتك"، قال طارق وعيناه تتفحصان حواف الباب. "يجب أن نكسر هذا الباب فوراً".
تراجع المزارع خطوتين للوراء، وجمع كل قوته واندفع بكتفه العريض نحو القفل. في الضربة الثانية، انشلق الخشب وأطلق صوتاً حاداً، وانفتح الباب على مصراعيه ليتدفق منه هواء بارد يحمل رائحة غريبة.. مزيج من تراب المطر المنساب من نافذة مواربة، ورائحة النحاس المألوفة للدماء.
وجه طارق ضوء مصباحه إلى الداخل، لتتجمد الدماء في عروق الجميع.
كان الحاج أمين جالساً على كرسيه الجلدي الكبير خلف مكتبه الضخم. رأسه مائل إلى الخلف، وعيناه الشاحبتان شاخصتان نحو السقف بجحود. على صدره، فوق قميصه الأبيض، كانت هناك بقعة قانية تتسع ببطء، وفي منتصفها استقر نصل معدني حاد.
"يا إلهي!" صرخ سليمان وتراجع حتى اصطدم بالجدار، غامراً وجهه بيديه.
اندفع الدكتور مراد نحو الجثة، ووضع أصبعيه على الشريان السباتي في الرقبة، ثم التفت نحوهم وهز رأسه بأسف: "لقد فات الأوان.. مات منذ ساعة تقريباً. طعنة مباشرة في القلب".
أبو أدهم وقف متسمراً عند عتبة الباب، وعيناه تتأملان الغرفة بذهول.
أما طارق، فلم يقترب من الجثة. بدلاً من ذلك، دارت عيناه في أركان الغرفة كالصقر. تفحص النافذة؛ كانت مرتفعة جداً عن الأرض ومفتوحة بضعة سنتيمترات فقط، ويستحيل لأي شخص الدخول أو الخروج منها دون سلم طويل، ولا يوجد أي أثر لطين أو ماء على عتبتها الداخلية. ثم نظر إلى الأرض تحت الباب المكسور.. كان المفتاح الحديدي للمكتب ينام هناك، سقط من القفل الداخلي إثر اهتزاز الباب عند كسر المزارع له.
التفت طارق إلى الرجال الثلاثة الواقفين خلفه، وأغلق الباب المكسور جزئياً بيده، وقال بصوت منخفض وبارد أرسل قشعريرة في المكان:
"البلدة معزولة تماماً.. الباب كان مغلقاً بالمفتاح من الداخل.. والنافذة مستحيلة الاختراق. هذا يعني شيئاً واحداً لا ثاني له.. القاتل لم يغادر هذا البيت، وهو واقف معنا في هذه الغرفة الآن".
🔍 نهاية الفصل الأول
ما رأيك في هذه البداية وأسلوب السرد؟
إذا نالت إعجابك، سننتقل في الرد القادم إلى الفصل الثاني: تشريح الجريمة وجمع الأدلة الأولى، حيث سيبدأ طارق باستجواب الموجودين وتفتيش الغرفة بدقة أكبر. أخبرني لنمضي قدماً!
انتقلت فصول القصة من ريف بلدة وادي الزيتون إلى قاعة المحكمة المركزية في المدينة المجاورة، حيث أقيمت جلسات محاكمة الدكتور مراد وسط اهتمام إعلامي وشعبي كبير. القاعة كانت تغص بالحاضرين من أهل البلدة الذين جاؤوا ليشهدوا بأعينهم نهاية الرجل الذي وثقوا به لسنوات ومنحوه أسرار أجسادهم وعائلاتهم، ليكتشفوا في النهاية أنه لم يكن سوى وحش متخفٍ وراء رداء مهنته الإنسانية.جلس الدكتور مراد في قفص الاتهام الحديدي، وكان جسده قد نحف بشكل ملحوظ، واكتسى وجهه بشحوب رمادي داكن. غابت عنه النظارة الطبية الأنيقة، ولم يعد يجرؤ على رفع عينيه لينظر إلى الناس أو إلى عائلة الحاج أمين الواقفة في الصفوف الأمامية. كان يقف هناك مستسلماً تماماً لمصيره المحتوم، بعد أن أدرك أن هيئة الدفاع التي وكلها لم تجد ثغرة واحدة لتفنيد الأدلة الدامغة التي قدمها طارق في تقريره الأولي للشرطة.اعتلى القاضي المنصة، وساد صمت مطبق في أرجاء القاعة الواسعة حتى كاد يُسمع صدى الأوراق وهي تُقلب. بدأ الادعاء العام بقراءة الحيثيات، مستعرضاً تقرير الطب الشرعي الذي أكد بشكل دقيق وصارم أن الطعنة النافذة في الصدر تمت بآلة حادة جداً وبتوجيه هندسي دقي
بعد مرور ثلاثة أسابيع على تلك الليلة المشهودة التي كادت أن تعصف ببلدة "وادي الزيتون"، بدأت الحياة تدب تدريجياً في أوصال القرية رشيقة وهادئة كما كانت، لكنها حملت في طياتها ملامح جديدة صاغتها خيوط الحقيقة الصادمة. لم تعد أحاديث المجالس في المقاهي الشعبية أو بين أشجار الزيتون تدور حول جشع الحاج أمين أو مماطلته، بل أصبحت تتمحور حول الفراغ الكبير الذي تركه، والعدالة التي أنقذت الأبرياء في اللحظات الأخيرة بفضل فطنة الشاب طارق.في صباح يوم مشمس ودافئ، وقف طارق وسط حقل الزيتون الكبير الذي تفصل بين أشجاره المعمرة ممرات ترابية جفت تماماً من آثار الطين القديم. كان يراقب المزارع أبو أدهم وهو يشرف بهمة ونشاط على العمال الذين يعتنون بالأرض ويجهزونها للموسم القادم. كانت الابتسامة التي غابت طويلاً قد استقرت أخيراً على وجه أبو أدهم الخشن، فالأجور التي سُرقت قد أُعيدت بالكامل إلى العمال بعد أن تحفظت الشرطة على أموال الدكتور مراد المصادرة، ولم يعد أحد في البلدة ينام وفي قلبه غصة من ظلم أو قهر مادي.اقترب أبو أدهم من طارق وهو يمسح حبات العرق عن جبينه بكم قميصه، وقال بصوت جهوري دافئ: "أهلاً بك يا بني في أ
ومع اعتراف الطبيب الصادم، بدأت خيوط الليل الأسود تنقشع تدريجياً، وظهرت خيوط الفجر الأولى الزرقاء الباردة لتخترق زجاج النوافذ وتكشف عن ملامح البلدة المغسولة بماء المطر. العاصفة التي ضربت "وادي الزيتون" طوال الليل بدأت تهدأ، وتحول المطر الهاطل إلى رذاذ خفيف يداعب أوراق شجر الزيتون المبللة. وفي البعيد، بدأ يسمع صوت محركات ثقيلة؛ كانت جرافات البلدية بالتنسيق مع الشرطة قد نجحت أخيراً في إزالة الركام والأتربة التي سدت مدخل القرية.قام أبو أدهم بإحضار حبل متين من الحبال التي يُربط بها الشجر، وقام بتقييد يدي الدكتور مراد بإحكام إلى الكرسي، متأكداً من أنه لن يتمكن من الحركة أو محاولة التخلص من الحقيبة التي تحتوي على الدليل المادي القاطع لجريمته. جلس مراد مطأطأ الرأس، صامتاً، وعيناه زائغتان تنظران إلى الفراغ، بعد أن أدرك أن حياته المهنية والاجتماعية قد انتهت إلى الأبد، وأن السجن أو الإعدام ينتظره خلف الأبواب المغلقة.جلس سليمان على الدرج الخشبي، واضعاً رأسه بين يديه، يبكي بصمت مرير. لم يكن يبكي فقط على شقيقه الراحل الذي مات غدراً، بل كان يبكي أيضاً على ضياع العائلة وتلك الليلة المشؤومة التي كاد
كان السكون الذي خيّم على الصالون بعد كلمات طارق أشد رعباً من قصف الرعد الذي كان لا يزال يتردد في الآفاق البعيدة. لم يعد هناك مكان للمناورة؛ الأوراق كُشفت بالكامل على الطاولة الخشبية، ودفتر الحسابات المفتوح بدا كأنه شاهد حي يوجه إصبعه نحو الآثم. وجه طارق ضوء مصباحه ببطء، مستهدفاً الملامح التي بدأت تتداعى تحت وطأة الحقيقة. لم يكن الضوء مسلطاً على المزارع أبو أدهم الذي انفرجت أساريره وبرأت ساحته، ولا على سليمان الذي كان يرتجف ذهولاً، بل استقر الضوء تماماً على وجه الدكتور مراد.تغيرت ملامح الطبيب في ثوانٍ معدودة؛ تلاشت تلك المسحة من البرود المتغطرس، وحلّ مكانها وجوم مظلم، وتشنجت عضلات فكه وهو ينظر إلى طارق بعينين تشعان حقداً مكبوتاً. حاول أن يضحك بسخرية ليعيد فرض سيطرته على الموقف، لكن ضحكته خرجت متحشرجة وجافة كأوراق الخريف اليابسة."هذه قصة خيالية بارعة يا طارق"، قال الدكتور مراد وهو يحاول تثبيت نظارته بيد بدأت ترتعش رغم محاولاته المستميتة لإخفاء ذلك. وتابع: "خيوط صيد، ونوافذ، ودفاتر حسابات قديمة! هل تظن أن الشرطة عندما تصل ستستمع إلى هذه الترهات؟ أنا طبيب هذه البلدة، ورجل مشهود له بالأم