تلاقت قطرات المطر المتساقطة على زجاج النافذة الخشبية القديمة، لتصنع مساراتٍ ضبابية تعكس أضواء المصابيح الشاحبة في زوايا الرواق الطويل. وقفت ميار عند عتبة الصالة الرئيسية لهذا البيت المترامي، تتأمل مساحته الشاسعة التي يبدو أنها اختزنت عقوداً من الصمت والغبار. كانت هذه العزبة الهادئة الواقعة على أطراف المدينة تمثل لها فرصة أخيرة للهروب من صخب الحياة المعاصرة، ومساحة خالية من التشتت تكرس فيها وقتها لترميم وتوثيق المخطوطات واللوحات الكلاسيكية التي كُلفت بإصلاحها. رفعت يدها لتزيل الغطاء المترب عن إحدى القطع الأثرية، فاندفعت منها رائحة الخشب المعتق والورق القديم، وهي رائحة طالما بعثت في نفسها طمأنينة غريبة وتحدياً من نوع خاص.لم تكن العزبة مجرد بناءٍ هادئ، بل كانت توحي منذ اللحظة الأولى بوجود تاريخٍ يتنفس تحت أحجارها الصامتة. جدرانها المغطاة بأوراق الحائط الباهتة، والستائر المخملية الثقيلة التي تحجب ضوء القمر، والدرج الحلزوني الضخم الذي يرتقي إلى الطوابق العلوية، كلها مشاهد تشهد على زمنٍ ممتلئ بالحكايات. خيم الهدوء التام على البيت مع انتصاف الليل، إلا من صوت المطر المتواصل وحفيف أشجار الصن
Huling Na-update : 2026-09-18 Magbasa pa