Share

الفصل الخامس

last update Petsa ng paglalathala: 2026-09-18 22:52:48

انشقت عتمة الليل في زوايا المكتبة عن ظلالٍ دكناء اعتصرت الهواء البارد، فاستحالت الغرفة إلى ساحة صراعٍ بين نورٍ أثيري وضاء وعتمةٍ زاحفة تحاول ابتلاع ما تبقى من دفء المكان. كانت الرياح تعصف بخلفية النوافذ الخشبية المغلقة كأنها كائناتٌ محبوسة تصرخ في الفضاء، بينما اهتز لهب المصباح الزيتي بشدة، وكاد يُطفأ لولا أن ميار حاطته بيدها المرتجفة، جاذبةً عدسة الترميم وإبرة الاستخراج النحاسية من حقيبتها الصغيرة بلمحاتٍ عجولة تتحدى الخوف.

​وقف أدريان كالسد المنير بين الطاولة والظلال المتصاعدة، وتوهجت هالته الفضية بدرجةٍ لم تشهدها ميار من قبل؛ لم يعُد طيفاً خافتاً يهمس في عتمة الليل، بل تجسد في هيئة حارسٍ نبييل يذود عن الحقيقة بكل ما يملك من طاقةٍ أثيرية. امتدت يداه الهوائيتان لترسما شعاعاً من السكينة والضوء يحيط بميار والمكتبة، وكلما اقتربت ظلال الجشع والخيانات القديمة من الرفوف، ارتطمت بذالك الحاجز المتوهج فتفتتت كدخانٍ رمادي يتلاشى في الأثير.

​صرخ أدريان بصوتٍ يتردد كالصدى في وجدانها قبل آذانها: "امسكي المفتاح ولا تتراجعي يا ميار! هذه الظلال ليست سوى أطياف الجشع الذي قتلني قديماً، إنها تتغذى على التردد والرهبة.. ركزي على الهدف!"

​ثبتت ميار نظراتها على المطرقة الخشبية داخل صندوق البيانو العتيق. أزاحت طبقة الشمع الأسود المحيطة بالتجويف النحاسي باستخدام رأس الإبرة الدقيقة، ثم أدخلت المقطاط الرفيع بحذر شديد حتىلامست حافة المفتاح الصغير. كانت أطراف أصابعها تشتعل برودةً من أثر الجو المحيط، لكن إصرارها كان أشدّ من صقيع المكان. وبضربةٍ خفيفة ومحسوبة، انزلق المفتاح النحاسي الدقيق من مخبأه الرخيم وسقط في راحة يدها.

​في تلك اللحظة بالذات، انطلقت من أوتار البيانو معزوفة رنانة ودافئة كأنما ضربت الأوتار يدٌ خفية، واهتزت أرجاء الغرفة بنغمة صريعة طردت موجة الصقيع نهائياً. تراجعت الظلال الدكناء وهي تطلق حفيفاً أشبه بالحسرة، وانكمشت في زوايا الأرض حتى انمحت تماماً تحت سيل الضوء الفضي المنساب من جسد أدريان.

​عادت ألسنة الشموع لتستقر في وهجها الذهبي الهادئ، وعاد صوت المطر الخارجي ليعزف لحنه الرتيب المنتظم على زجاج النوافذ. وقفت ميار تحاول التقاط أنفاسها، وعيناها مثبتتان على القطعة النحاسية الصغيرة في يدها. كانت ذات تصميمٍ فريد؛ حيث نُحت رأسها على شكل زهرة سوسن صغيرة تتداخل مع سنين دقيقين يحملان أرقاماً متناهية الصغر.

​دنا أدريان منها ببطء، وتضاءل توهجه القوي ليستبدل بدفءٍ أثيري ناعم يُريح النفس. التفت إليها بعينين ينبعث منهما الامتنان والنبل، وقال بنبرةٍ تشوبها عاطفةٌ عميقة: "لقد فعلتِها يا ميار.. لم يستطع أحدٌ على مر قرنٍ من الزمان أن يقف بوجه هذه الظلال أو يفهم السر المحبوس في هذا البيت. شجاعتكِ ونقاء قصدكِ هما ما أنقذا هذه اللحظة."

​نظرت ميار إلى المفتاح ثم رفعت بصرها لنظراته النحاسية الدافئة، وهمست بصوتٍ يملؤه التفكير والـتأثر: "أدريان.. عندما كنتُ أستخرج هذا المفتاح، لم أكن أفكر في الآثار أو التوثيق التاريخي فقط. كنتُ أفكر فيك أنت.. في الروح التي ظلمت وعاشت مئة عام في عزلة وصمت دون أن تجد من يستمع إلى صوتها. كيف استطعت أن تتحمل كل هذا العبء طوال هذه العقود؟"

​ابتسم أدريان ابتسامة هادئة حملت في طياتها أسى السنين وجمال الأمل الحديث، ورد وهو يخبط خطوة أثيرية أقرب إليها: "العزلة تكون قاتلة يا ميار حين تظنين أن لا أحد سيذكركِ أبداً. لكن الروح تصبر وتنتظر لأنها تعلم أن الحق لا يضيع طالما أن هناك نفوساً حية تملك من الصدق ما يخرج الشعلة من تحت الركام. وجودكِ هنا لم يكن مجرد صدفة أملتها عليّ الحياة، بل كان اللقاء الذي انتظرتُه حتى أسترد حقيقتي وأغمض عينيّ على سكينةٍ طال غيابها."

​سكتت ميار لبرهة، وشعرت برباطٍ وجداني يزداد قوة بينهما مع كل ليلة يتقاسمان فيها الغموض والحوار. رفعت المخطوطة الجلدية من على الطاولة وأبرزت الخريطة الملحقة بها، وقالت بنبرة ملؤها الإصرار: "المفتاح الأول فتح الصندوق الشفري في السرداب، وهذا المفتاح النحاسي بحسب الخريطة يمثل اللبنة الأخيرة التي تفتح الباب السفلي المخبأ تحت المذبح الرخامي في قاع العزبة. هناك تقبع المخطوطات الأصلية والحقيقة كاملة."

​قرب أدريان طيفه من الخريطة، وأشار بصوته السلس نحو نقطةٍ محددة في القاع: "الباب الذي يقع تحت المذبح هو المدخل لقاعة السر الأكبر.. حيث ووريت الأوراق التي تثبت ملكية هذه الأرض وتفاصيل الغدر الذي تعرضتُ له. سننزل معاً في الليلة القادمة يا ميار، لكن تذكري.. الوصول للباب الأخير سيتطلب منا استدعاء كل قوة الثقة بيننا، فالقاع يحفظ التاريخ، لكنه يختبر أيضاً ثبات من يطرق أبوابه."

​أومأت ميار برأسها وهي تغلق قبصتها بحرص على المفتاح النحاسي، وشعرت بأن رحلتها مع محبوبها الشبح لم تعد مجرد مغامرة لكشف الماضي، بل أصبحت حكاية عشقٍ وترافدٍ روحي يتجاوز حدود الزمن والجسد.

تلاقت قطرات الضباب الكثيف على زجاج نوافذ العزبة، لتشكل عائقاً شفافاً بين العالم الخارجي المشحون بالغموض، وبين جدران البيت القديم الذي أضحى يضم في جنباته حكاية عشقٍ وألغازٍ تتجاوز حد حدود الزمن والمادة. كان الليل العاشر يخيم بثقلٍ خاص؛ فالأجواء لم تكن مجرد طقسٍ شتوي عابر، بل كانت تظاهرةً من السكون والترقب، وكأن العزبة نفسها تمسك أنفاسها وهي تشهد اقتراب اللحظة الحاسمة التي ستزيل الركام عن مئة عامٍ من الظلم والنسيان.

​في غرفة المكتبة، وقفت ميار تستعد للهبوط الأخير. أعدت أدواتها بدقةٍ متناهية؛ ملأت المصباح الزيتي بالوقود، تأكدت من سلامة الفتيل، وضعت دفتر ملاحظاتها وقلم الحبر في حقيبتها الجلدية الصغيرة، ثم رفعت يدها لتتأمل القطعة النحاسية الصغرى ذات رأس زهرة السوسن. إلى جوارها على الطاولة الخشبية العريضة، رَبَضَت ساعة الجيب الفضية المتوقفة عقاربها والمذكرات الجلدية، تعكسان أضواء الشموع البرتقالية في مشهدٍ يعبق بأصالة التاريخ.

​تسلل إلى أرجاء الغرفة حفيفٌ أثيري ناعم، ليتشكل طيف أدريان ببطءٍ وسلاسة بجوار البيانو العتيق. لم يكن نوره في هذه الليلة مجرد شعاعٍ خافت يداعب العتمة، بل كان يفيض بهالةٍ فضية صافية تشيع في النفس سكينةً مجهولة ورغبةً عارمة في استكشاف المجهول. التفت إليها بعينيه النحاسيتين اللتين امتزج فيهما حزن العقود الماضية ببريق أملٍ جديد، وقال بصوته الشجي الذي يتردد كصداقة نغمٍ دافئ: "ميار.. هل أنتِ مستعدة للدخول إلى القاع الأعمق الذي لم تطأه قدم بشرية منذ مئة عام؟ القاع ليس مجرد حجرة حجرية باردة، بل هو الوعاء الذي احتفظ بآخر زفرات حياتي، وبكواليس الغدر الذي حاول محو وجودي."

​خطت ميار نحو طيفه بخطواتٍ متمهلة، وشعرت برودة الهواء المحيطة به تلامس وجنتيها، إلا أنها لم تعد تشعر بتلك الرهبة التي انترعت قلبها في الليالي الأولى؛ بل أصبحت ترى في هذه البرودة الأثيرية دفئاً روحانياً يمنحها الشجاعة واليقين. نظرت في عينيه بثبات وقالت: "كنتُ أظن في البداية أنني جئتُ لترميم وثائق أثرية باهتة يا أدريان.. ولكنني أدركتُ مع كل ليلة نقضيها معاً أنني جئتُ لأسترد حظك المسلوب وأعيد لروحك السلام الذي حرمت منه. أنا لستُ باحثةً تمارس عملها فقط، بل أنا شريكتك في هذا المسار، ولن يمنعني أي ظلامٍ في هذا البيت من السير معك حتى تشرق الحقيقة كاملة."

​ارتسمت على شفتي أدريان ابتسامةٌ ملؤها البهاء والإجلال، ومد يده الشفافة لتستقر على مقربة من يدها، وكأنه يغمرها بطاقةٍ من القوة الروحية دون أن يمس جسدها المادي، قائلاً: "وجودكِ في حياتي المتبقية هو المعجزة التي لم أكن أجرؤ على تمنيها.. لننزل معاً يا ميار، وليكن النور دليلنا."

​هبطا الدرجات الحجرية للسرداب الرئيسي. كانت الدرجات تبدو هذه الليلة أكثر انحداراً ورطوبة، وكأن أحجارها تتنفس برائحة التربة المعتقة والغبار الذي تراكم عبر السنين. رفعت ميار المصباح الزيتي إلى الأعلى، ليشق ضوؤه البرتقالي عتمة الممر الدائري، بينما كان أدريان ينساب أمامها كشمسٍ فضية صغيرة تضيء لها مواضع أقدامها على الحجارة الزلقة.

​وفجأة، توقفت ميار عند منتصف الممر، ونظرت إلى أدريان متسائلة بنبرة تفكرية: "أدريان.. في تلك الليلة الشؤوم عندما أدركت أن غدر أصدقائك سيودي بحياتك، هل راودك الشك في أن أحداً لن يكتشف هذا السرداب المخبأ؟ أم أنك عشت هذه العقود الطويلة على أملٍ لم ينطفئ؟"

​توقف أدريان، واستدار ونظر إلى عتمة الممر الخفي، ثم رد بصوتٍ يملؤه الأسى الشفيف: "في اللحظات الأخيرة، حين ساد الصقيع وجسدي يفرغ من الحياة، لم يكن الموت هو ما يعذبني يا ميار.. بل كان الجشع المظلم الذي رأيته في عيون من شاركوني طعامي وأسراري. ولكن، حين أغلقت القفل الشفري وأخفيت المفتاح الصغير داخل مطرقة البيانو، شعرت ببارقة أملٍ خافضة في عمق روحي.. كأن هناك صوتاً قادماً من المستقبل يهمس لي بأن الحق لا يموت، وأن روحاً نقية ستأتي يوماً لتزيل التراب عن هذا التاريخ. لم أكن أعلم من تكونين، ولكنني الآن أعلم أن صبري لم يذهب سدى."

​تأثرت ميار بكلماته، واستقرت في وجدانها مشاعر عميقة جعلتها تصمم على إنهاء هذه الرحلة بنجاح. واصلا السير حتى بلغا القاعة الحجرية الكبرى، حيث رَبَضَت الطاولة الرخامية والمذبح الأسود المزين بنقوش الفضة.

​وقفت ميار أمام المذبح الرخامي الضخم، والذي يتكون من بلاطة رخامية سوداء مصقولة بعناية، تحيط بها حواف نحاسية متأكسدة اسودت بفعل السنين. استعانت بالعدسة المكبرة والمصباح لتتفحص الجزء السفلي من الواجهة، حيث أشارت الخريطة الجلدية إلى وجود آلية الفتح الثنائية.

​تحت نقش ختم عائلة "الفارس"، أزاحت ميار لوحة معدنية صغيرة بأصابعها، ليكشف السطح عن تجويفين متباينين: الأول مخصص للرمز الشفري الميكانيكي الذي استخرجته من الصندوق الأول، والثاني عبارة عن فتحة نحاسية دقيقة تتطابق تماماً مع شكل زهرة السوسن المترأسة للمفتاح الصغير.

​وقبل أن تضع المفتاحين في موقعيهما، اهتزت أرضية القاعة برفق، وصدر من الحوائط الحجرية صوت حفيفٍ دفيء أشبه بالهمس المتداخل، وكأن بقايا الظلال الراكدة في الأعماق استيقظت في محاولةٍ أخيرة لإعاقة المسار. انخفضت درجة الحرارة فوراً، وتصاعدت أنفاس ميار كبخارٍ أبيض مكثف في الجو القارس، بينما تشكلت عند أطراف القاعة أطياف ضبابية رمادية تحاول نفث الرهبة في المكان.

​ارتفعت هيئة أدريان الأثيرية فوراً، وتوهجت هالته الفضية كدرعٍ وهاج أحاط بميار والمذبح، وقف بوجه الظلال المتصاعدة بثباتٍ حاسم، وصرخ بصوته المضيء: "لا تلتفتي للمخاوف يا ميار! هذه ليست سوى أطياف الجشع والظنون القديمة.. إنها تتغذى على التردد! ركزي على الهدف وثقي بالعهد الذي بيننا!"

​أغمضت ميار عينيها لثانية، واستحضرت كل لحظة دافئة ونقاشٍ صادق جمعها بأدريان، صوته، وعزف البيانو الشجي، والعهد الذي قطعاها سوياً. فتحت عينيها بشجاعة لم يسبق لها مثيل، وأدخلت المفتاح النحاسي في الفتحة اليمنى، وأدارت القرص الشفري الميكانيكي في الفتحة اليسرى في آنٍ واحد، بحركة متزامنة ومحسوبة.

​صدر من قلب المذبح الرخامي صوت انكسارٍ معدني حاد، تلاه هدير تروس حجرية ضخمة دارت بعد استكانةٍ دامت قرناً كاملاً. انقسمت البلاطة الرخامية السوداء من المنتصف، وانزلق جزؤها السفلي ببطء ليتم كشف درجٍ حجري حلزوني جديد، يهبط نحو قاعةٍ أعمق وأكثر اتساعاً: قاعة الوثائق الحقيقية.

​في تلك اللحظة، تراجعت الظلال الرمادية تماماً وتلاشت كالدخان المنقشع أمام تدفق النور الفضي الصافي المنساب من هيئة أدريان، وعاد الهدوء التام ليعم السرداب، مترافقاً مع نسيمٍ خفيف يحمل رائحة الورق المعتق والخشب الأثري المحفوظ بعناية فائقة.

​وقف أدريان على حافة المدخل الجديد، والتفت إلى ميار بنظرةٍ تفيض بالحب والامتنان العميق، وقال بصوتٍ يترقرق بالنغم الإلهي: "هنا تقبع الحقيقة يا ميار.. الباب الأخير انفتح، ومعكِ سأخطو أول خطوة نحو استعادة اسمي وحقي المسلوب."

​ابتسمت ميار بابتسامة مشرقة، وقبضت على المصباح الزيتي بثبات وهي تقول: "لننزل معاً يا أدريان.. وننهي هذه المأساة للأبد."

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • محبوبي الشبح   الفصل الثامن

    ظل صوت المطر المنهمر على نوافذ المكتبة يتعالى كإيقاعٍ حذر، ينساب ليملأ الفراغ الذي تركه رحيل المقتحم المذعور. كانت أنفاس ميار متلاحقة، ويداها تمسكان بالحقيبة الجلدية السوداء التي تركها الرجل خلفه، بينما كان مصباحها الزيتي يلقي بظلالٍ ذهبية هادئة على أرجاء الغرفة، مجسّدةً صورة تلك اللحظة التي انتقلت فيها المعركة من أروقة التاريخ الغابر إلى واقع الأحياء المعاش.​جلس أدريان بجوارها عند الطاولة الخشبية، وكان طيفه يفيض بنورٍ ناصعٍ وأكثر ثباتاً من أي وقتٍ مضى، وكأن ارتداء ميار لخاتم السلسلة العائلية قد منح وجوده الأثيري مرساةً قوية في هذا العالم. انحنى برأسه الشفاف نحو الحقيبة، بينما كانت ميار تفرغ محتوياتها بعناية على سطح الطاولة.​انكشفت أمامها حزمة من المستندات الحديثة المطبوعة على ورقٍ رسمي، إلى جانب بطاقة هوية وخطابات موجهة من مكتب محاماة شهير. قرأت ميار الاسم المطبوع على الهوية بنبرة متهدجة يملؤها الذهول: "طارق الشريف.. العضو المنتدب لشركة الاستثمار العقاري، وحفيد عاصم الشريف."​فتح أدريان عينيه النحاسيتين بحدّة، وسرى همسه كالنسيم البارد في أرجاء المكتبة: "سليل الغدر لم

  • محبوبي الشبح   الفصل السابع

    استقرت العلبة المخملية الكحلية بين كفي ميار الباردتين، بينما اختلج الضوء الفضي المنبعث من أدريان ليرسم حول أطراف أصابعها هالة وهاجة. لم يكن القفل النحاسي الصغير على العلبة يحمل ثقباً لمفتاح، بل كان مصفحاً بلوحةٍ معدنية نُحشت عليها رموز دقيقة تتفاعل مع الحرارة والنبض البشري. نظرت ميار إلى أدريان، ورأت في عينيه النحاسيتين ترقباً أثيراً يختزل مئة عام من الانتظار، وكأن الوقت يتوقف في قاع هذه القاعة السفلية المظلمة.​همس أدريان وهو يدنو بجسده الشفاف حتى لامس طيفه كتفيها، ونبرته تترقرق بدفءٍ عميق: "هذا الخاتم ليس مجرد رمزٍ للنسب يا ميار.. إنه المستودع الروحي الذي أودعتُ فيه آخر قطرة من طاقتي قبل أن تتلاشى أجزاء جسدي المادي. لم يكن بوسع الأطياف الشريرة أو أيدي الجشع أن تمسه، لأن القفل يرفض البغض ولا يستجيب إلا لنبضٍ مفعم بالصدق والمحبة الصافية."​أغمضت ميار عينيها لثوانٍ، واستحضرت في وجدانها كل اللحظات الشجية التي جمعتها به؛ نغمات البيانو العتيق، همساته في عتمة المكتبة، والعهد الذي قطعته على نفسها بإنصافه واستعادة حقه المسلوب. وضعت إبهامها بثبات فوق اللوحة المعدنية، وشعرت بسخونة غر

  • محبوبي الشبح   الفصل السادس

    نزلت ميار الدرجات الحجرية الحلزونية بخطواتٍ يحفها الحذر والذهول، وهي ترفع المصباح الزيتي لتفقد الجدران المنحوتة في قلب الصخر الأسود. كان الصمت في هذه الأعماق صمتاً مهيباً، يخيل لمن يسمعه أن الزمن توقف هنا تماماً منذ قرنٍ من الزمان. وعلى عكس الرطوبة الشديدة التي اتسم بها السرداب الأعلى، كانت هذه القاعة السفلى تتمتع بجفافٍ عجيب ودفقٍ هواسي متجدد، بفضل فتحات تهوية دقيقة صُممت بهندسةٍ معمارية عبقرية بين أحجار الجدران.​ينساب أدريان إلى جوارها كالقمر اللامع في عتمة المنجم، وتتوهج هالته الفضية لتضيء زوايا القاعة السحرية. كانت القاعة أشبه بمرصدٍ تاريخي مصغر؛ أرففٌ من خشب الزان المعالج بحرص تتراصف عليها أسطوانات جلدية محكمة الإغلاق، ومكتبٌ عتيق مصنوع من الأبنوس الداكن، وتستقر فوقه صناديق معدنية صغيرة ومحابر زجاجية جافة، إلى جانب خزنة خشبية كبيرة مطعمة بالصدف، تُزين واجهتها نقشة زهرة السوسن المذهبة.​وقفت ميار في منتصف القاعة، واستنشقت هواءً يحمل عبق الشمع العسلي والورق المعتق والحديث المنسي. التفتت نحو أدريان وقالت بصوتٍ يتنفس بالإجلال والدهشة: "هذا المكان ليس مجرد مخبأ يا أدريان.. إنه متحفٌ

  • محبوبي الشبح   الفصل الخامس

    انشقت عتمة الليل في زوايا المكتبة عن ظلالٍ دكناء اعتصرت الهواء البارد، فاستحالت الغرفة إلى ساحة صراعٍ بين نورٍ أثيري وضاء وعتمةٍ زاحفة تحاول ابتلاع ما تبقى من دفء المكان. كانت الرياح تعصف بخلفية النوافذ الخشبية المغلقة كأنها كائناتٌ محبوسة تصرخ في الفضاء، بينما اهتز لهب المصباح الزيتي بشدة، وكاد يُطفأ لولا أن ميار حاطته بيدها المرتجفة، جاذبةً عدسة الترميم وإبرة الاستخراج النحاسية من حقيبتها الصغيرة بلمحاتٍ عجولة تتحدى الخوف. ​وقف أدريان كالسد المنير بين الطاولة والظلال المتصاعدة، وتوهجت هالته الفضية بدرجةٍ لم تشهدها ميار من قبل؛ لم يعُد طيفاً خافتاً يهمس في عتمة الليل، بل تجسد في هيئة حارسٍ نبييل يذود عن الحقيقة بكل ما يملك من طاقةٍ أثيرية. امتدت يداه الهوائيتان لترسما شعاعاً من السكينة والضوء يحيط بميار والمكتبة، وكلما اقتربت ظلال الجشع والخيانات القديمة من الرفوف، ارتطمت بذالك الحاجز المتوهج فتفتتت كدخانٍ رمادي يتلاشى في الأثير. ​صرخ أدريان بصوتٍ يتردد كالصدى في وجدانها قبل آذانها: "امسكي المفتاح ولا تتراجعي يا ميار! هذه الظلال ليست سوى أطياف الجشع الذي قتلني قديماً، إنها تتغذى عل

  • محبوبي الشبح   الفصل الرابع

    اقتربت ميار بخطواتٍ موزونة نحو الطاولة الرخامية، يُرافقها صفاء الضوء الفضي الذي ينبعث من أدريان ليطرد أطياف الظلام المتراجعة نحو زوايا القاعة الحجرية. صبت ضوء المصباح الزيتي على الصندوق الحديدي؛ كان سطحه المتين مرصعاً بنقوش الفضة الدقيقة التي تشكل مجرة صغيرة من الرموز الهندسية، وتتوسطه الفتحة المخصصة لإقفاله، لكن دون وجود أي ثقب لمفتاح تقليدي. ​رفعت ميار بصرها نحو أدريان، وتساءلت ونبرتها تفيض بفضولٍ متقد: "الصندوق محكم الإغلاق يا أدريان.. لا أرى مكاناً لمفتاح، فكيف يُفتح هذا القفل المعقد؟" ​دنا أدريان منها ببطء، حفه الدفء الأثيري الذي بدأت تتعود عليه، ومال برأسه نحو النقوش قائلاً بصوته الشجي: "هذا الصندوق لا يفتح بالحديد، بل بالذاكرة. القرص الفضي الدوار في المنتصف يحمل حروفاً مبعثرة، وهي الشفرة التي صممتها بنفسي قبل أن يُسدل الستار على حياتي. الشفرة هي الكلمة التي اخترتها لتكون سر عائلتي: 'الأمانة'." ​أقامت ميار العدسة المكبرة لتتفحص الأحرف الدقيقة المحفورة على الحافة الفضية. بدأت بتدوير القرص الصغير بحذر، وكان صوت احتكاك التروس المعدنية العتيقة يتردد في القاعة كدقات ساعةٍ قديمة بع

  • محبوبي الشبح   الفصل الثالث

    كان صوت المطر على نوافذ العزبة يتصاعد بإيقاعٍ منتظم، كأنه يدق على جدران المنزل القديم مستحثاً إياه على بوح أسراره. أضاءت ميار مصباحين زيتيين إضافيين ووضعتها على طرف الطاولة الخشبية العريضة، لتتسع مساحة النور الساطع حول المخطوطة الأثرية. كانت أدوات الترميم مصفوفة بدقة: العدسة المكبرة، ورنيش الحفظ الشفاف، ودفتر ملاحظاتها الصغير الذي بدأت تسجل فيه رموز الشفرة الغامضة. ​تجسد أدريان هذه الليلة بقربٍ أكبر من ذي قبل؛ لم يعد مجرد هيئة أثيرية عند أطراف الغرفة، بل وقف إلى جوار الطاولة مباشرة. كان شعاع الضوء الفضي المنبعث منه يتقاطع مع الدفء البرتقالي لضوء المصباح الزيتي، ليصنعا على المخطوطة ظلالاً ساحرة تشبه اللوحات القديمة. ​مدت ميار يدها بالعدسة المكبرة فوق الزاوية السفلى من الورقة، وهمست وهي تتأمل الخطوط الدقيقة: "أرى هنا حروفاً متداخلة باللغة العربية القديمة، لكنها مكتوبة بطريقة مقلوبة.. كأنها صُممت لتُقرأ عبر مرآة، أو تحت ضوءٍ محدد." ​مال أدريان برأسه نحو الصفحة، ورغم أن طيفه لم يلقِ ظلاً مادياً على الورق، إلا أن ميار شعرت برعشة باردة ولطيفة تسري في جلد يدها القريبة منه. قال بصوته الأثي

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status