أنا دائمًا أبحث عن روايات تأخذني بعيدًا عن واقعي، خصوصًا اللي بتخليني أحس كأني في عالم تاني. من فترة قريبة اكتشفت رواية 'مئة عام من العزلة' لماركيز، وترجمتها العربية رائعة جدًا، السرد فيها غريب ومشوش في البداية لكنه يدخلك في دوامة من الأحداث الخيالية والواقعية الممزوجة. برضو رواية 'أرض زيكولا' لواحد مصري، عمرو عبد الحميد، عجبتني كثير، لأنها مزجت بين الخيال العلمي والفنتازيا بطريقة سلسة، مش بتتعبك في القراءة.
بالنسبة للقرّاء الجدد، أنصح بالبدء بروايات زي 'نادي القتلة' أو 'ما وراء الطبيعة'، اللي تعتمد على سرد سريع وأحداث مشوقة. أهم حاجة إن السرد يكون واضح وبلغة سهلة، عشان ما يصدمش القارئ بتفاصيل معقدة. وأنا شخصيًا أفضل اللي عندهم أبطال قريبين مني، لأنه يخليني أتعاطف معهم وأكمل القراءة بشغف. القراءة بالعربي شي ممتع، خصوصًا لما تشوف مصطلحات محلية بتضيف نكهة خاصة للقصة.
صدق أو لا تصدق، أجد أن السرد البعيد يمنح الخيال التاريخي نكهة لا تعادلها الكتابة التقليدية. تخيل أن ترى الأحداث من منظور راوي يعيش بعدها بمئات السنين، يصفها وكأنها ذكريات ضبابية أو أساطير.
هذا الأسلوب يخلق مسافة فنية تسمح لك بالتأمل في الأسباب والعواقب بدلاً من الانغماس العاطفي المباشر. مثلاً، عندما قرأت 'ثلاثية القاهرة' لنجيب محفوظ، شعرت أن السارد كأنه مؤرخ يروي حكايات أجداده. هذا جعلني أرى التحولات الاجتماعية في مصر بشكل أعمق.
الرواية التاريخية ليست مجرد إعادة أحداث، بل هي فلسفة الزمن. إذا كنت تبحث عن تجربة تأملية تترك لك مساحة للتفكير، فالسرد البعيد كنز حقيقي. أنا شخصياً أعتبر 'The Years of Rice and Salt' مثالاً رائعاً، حيث يمتد الزمن لقرون ويختبر فكرة التاريخ البديل.
أنا دايمًا أقول إن أول خطوة في عالم القراءة لازم تكون ممتعة، مش معقدة.
جرب تبدأ بـ 'دعاء الكروان' لطه حسين – مع إنها قديمة شوي، لكن سردها قريب جدًا على القلب، وقصة الفتاة اللي بتكافح في مجتمع ريفي بتخليك تحس إنك عايش معاها.
أو إذا حاب شي أحدث، 'ثلاثية غرناطة' لرضوى عاشور خيار ممتع، لأنها بتجمع بين الحب والتاريخ بأسلوب مش ممل أبدًا.
لما كنت مبتدئ بنفسي، أحببت رواية 'تحت أقدام الأمهات' لـ صنع الله إبراهيم، كانت بمثابة المفتاح السحري، لأنها بسيطة وبتلمس الواقع اللي نعيشه.
النقطة الأهم؟ لا تروح لروايات غامضة أو ترجمات معقدة في البداية، خليك مع الحكايات الإنسانية اللي تشبه حياتنا.
هذا سؤال جيد.. صراحة، أجد أن النقاد في كثير من الأحيان يخلطون بين التطور الأسلوبي والابتعاد عن جوهر السرد. مثلاً، عندما أقرأ رواية حديثة مثل 'كل شيء هش' لــ سارة الزين، أجد أن السرد فيها ليس مجرد حكاية تُروى، بل تجربة حسية كاملة. النقاد المحافظون قد يرون أن التركيز على اللغة الذاتية والمشاعر الداخلية يبتعد عن 'الحبكة الكلاسيكية'، لكنني أرى العكس تماماً.
الرواية الحديثة تعيد تعريف ما يعنيه 'السرد'. في 'الغرفة' لإيما دوناهيو، السرد من وجهة نظر طفل صغير محبوس في غرفة.. هذا ليس سرداً بعيداً، بل غوص عميق في نفسية إنسانية معقدة. النقاد يقولون أحياناً إنها 'قصة صغيرة جداً'، لكنها تفتح عوالم كاملة. بالنسبة لي، السرد البعيد هو الذي يظل سطحياً، سواء كتب في القرن التاسع عشر أو اليوم. المهم هو قدرة الكاتب على جعل القارئ يعيش اللحظة، وهذه مهارة لا ترتبط بزمن محدد.
في النهاية، كل جيل له أدواته الفنية الخاصة. النقاد الذين يتمسكون بمعايير قديمة قد يفوتهم متعة السرد المعاصر الذي يلامس همومنا بشكل مباشر. أنا أفضل أن أحكم على الرواية من خلال تأثيرها عليّ شخصياً، وليس من خلال قوالب جاهزة.
لما تقرا رواية بتدور في عالم ثاني، الزمن والمكان مش مجرد خلفية عادية، هما أساس كل حاجة.
فكر مثلاً في رواية 'مائة عام من العزلة' لماركيز. لو مكانش في بلدة ماكوندو الخيالية دي، والزمن الدائري اللي بيخلق الأحداث تتكرر بأجيال مختلفة، كانت الرواية هتفقد سحرها الغامض تماماً. الزمن والمكان هناك مش مجرد إعدادات، هما شخصيات بتعيش وبتتنفس.
أنا عن نفسي بحس إن الكاتب لما بيعتمد على وصف دقيق للزمان والمكان، بيدي القارئ مرساة يثبت بيها أقدامه في عالم القصة، حتى لو كان عالم خيالي أو تاريخي. من غيرهم، القصة تبقى عائمة وملخبطة، والجهد العاطفي والمفاجآت كلها هتفقد تأثيرها.