LOGINفي مدينة هادئة، كان ياسر يعمل في مكتبة قديمة يعشق رائحة الكتب، بينما كانت ليان تزور المكتبة كل أسبوع بحثًا عن رواية جديدة. في البداية، لم يتبادلا سوى الابتسامات، ثم تحولت إلى أحاديث قصيرة عن الكتب والأحلام والسفر. مع مرور الأيام، أصبحت زيارة ليان للمكتبة أجمل لحظات يوم ياسر، وأصبح يختار لها الروايات التي يعتقد أنها ستنال إعجابها. أما هي، فكانت تجد في حديثه راحة لم تشعر بها من قبل. ذات مساء، انقطعت الكهرباء في المدينة، ولم يبقَ سوى ضوء القمر يتسلل عبر نوافذ المكتبة. جلسا يتحدثان لساعات عن طفولتهما، وعن الأشياء التي يخافان خسارتها، وعن المستقبل الذي يحلمان به. وقبل أن تغادر، قدم لها ياسر كتابًا قديمًا، وبين صفحاته رسالة كتب فيها: "ربما جمعتنا الكتب في البداية، لكن قلبي هو الذي اختارك ليكمل هذه الحكاية."
View Moreلم تكن مدينة النور من المدن التي تُبهر زوارها بناطحات السحاب أو الشوارع الصاخبة، بل كانت مدينة تنبض بالحياة بهدوءٍ خاص. مع أول خيوط الشمس، كانت المقاهي الصغيرة تفتح أبوابها، فتفوح منها رائحة القهوة الطازجة ممزوجة برائحة الخبز الساخن، بينما تتسلل أشعة الصباح بين الأشجار التي تصطف على جانبي الطرق القديمة، فتمنح المكان دفئًا يشبه دفء الذكريات.
وفي أحد الأزقة الهادئة، بعيدًا عن ضجيج الأسواق، وقفت مكتبة صغيرة تحمل لافتة خشبية كُتب عليها بخط عربي أنيق: "دار الحكمة". لم تكن المكتبة كبيرة، لكنها كانت مختلفة. ما إن يعبر الزائر بابها حتى يشعر أن الزمن يسير فيها بإيقاع آخر. رفوف خشبية قديمة تمتد حتى السقف، وصفوف طويلة من الكتب ذات الأغلفة الملونة، ورائحة الورق العتيق التي كانت تمنح المكان سحرًا لا يُقاوم. ورث ياسر هذه المكتبة عن جده، الذي كرّس عمره لجمع الكتب وحفظها. كان الجد يردد دائمًا: "قد ينسى الإنسان ما قاله الآخرون، لكنه لا ينسى كتابًا غيّر حياته." كبر ياسر على هذه الكلمات، حتى أصبحت جزءًا من شخصيته. لم يكن يرى المكتبة مشروعًا تجاريًا، بل بيتًا للأفكار، وملاذًا لكل من يبحث عن لحظة هدوء وسط صخب الحياة. في الثامنة والعشرين من عمره، كان ياسر شابًا هادئ الطباع، يميل إلى الاستماع أكثر من الكلام. يبدأ صباحه بترتيب الكتب بعناية، ثم يعد فنجانًا من القهوة ويجلس خلف مكتبه الخشبي يقرأ بضع صفحات قبل وصول الزبائن. كان يؤمن أن لكل كتاب قارئًا ينتظره، وأن لكل قارئ قصة تقوده إلى الكتاب المناسب. في صباح خريفي لطيف، كانت قطرات المطر قد توقفت للتو، تاركةً الشوارع لامعة تحت ضوء الشمس. جلس ياسر خلف مكتبه يقرأ رواية قديمة، بينما كانت موسيقى هادئة تنبعث من مذياع صغير في زاوية المكتبة. وفجأة... رن جرس الباب الخشبي. رفع رأسه بهدوء، فرأى فتاة تدخل بخطوات مترددة، وكأنها تزور المكان لأول مرة. كانت ترتدي معطفًا بلون السماء بعد المطر، وتحمل حقيبة جلدية صغيرة ودفتر ملاحظات بين ذراعيها. انسدل شعرها الأسود على كتفيها، وكانت عيناها تتنقلان بين رفوف الكتب بفضول صادق، لا بفضول عابر. ابتسم ياسر وقال بلطف: "مرحبًا بكِ في دار الحكمة." التفتت إليه الفتاة، وبادلت ابتسامته بابتسامة هادئة. "شكرًا... سمعت كثيرًا عن هذه المكتبة، وقررت أخيرًا أن أزورها." نهض من مكانه وقال: "يسعدني ذلك. هل تبحثين عن كتاب معين؟" تأملت الرفوف للحظات، ثم قالت: "أبحث عن رواية تجعلني أنسى العالم لبضع ساعات." ضحك ياسر بخفة. "إنه طلب جميل... لكنه ليس سهلًا." بدأ يسير بين الرفوف، يمرر أصابعه على عناوين الكتب، وكأنه يبحث عن صديق قديم. أخرج ثلاث روايات ووضعها أمامها. "لكل واحدة منها روح مختلفة. الأولى مليئة بالمغامرة، والثانية رومانسية هادئة، أما الثالثة فهي من تلك الروايات التي تبقى في القلب طويلًا." أمسكت ليان بالرواية الثالثة، وفتحت صفحاتها الأولى. لم تقرأ سوى بضعة أسطر، لكنها شعرت أن الكلمات تخاطبها مباشرة. رفعت رأسها وقالت بابتسامة صادقة: "يبدو أنك تعرف كتبك جيدًا." ابتسم ياسر. "أحاول فقط أن أجد لكل قارئ الكتاب الذي يشبهه." تأملت عبارته للحظة، ثم قالت: "وهل تعتقد أن الكتب تشبه أصحابها؟" أجاب وهو يعيد ترتيب أحد الرفوف: "أحيانًا... نحن لا نختار الكتب، بل الكتب هي التي تجدنا." بقيت كلماته عالقة في ذهنها. دفعت ثمن الرواية، ثم شكرت ياسر واتجهت نحو الباب. وقبل أن تغادر، توقفت للحظة واستدارت نحوه. لم تقل شيئًا. اكتفت بابتسامة صغيرة، ثم خرجت إلى الشارع. ظل ياسر ينظر إلى الباب بعد رحيلها. لم يكن يعرف اسمها بعد، لكنه شعر أن هذا الصباح لن يكون مجرد صباح عادي. وفي الخارج، كانت ليان تسير ببطء وهي تضم الرواية إلى صدرها. لم تكن تعرف لماذا شعرت بالراحة داخل تلك المكتبة، ولا لماذا بدا صاحبها مختلفًا عن كل من قابلتهم من قبل. كانت تظن أنها خرجت حاملة كتابًا جديدًا فقط. لكنها لم تكن تعلم أن تلك الخطوات الأولى نحو "دار الحكمة" ستكون بداية فصل جديد في حياتها، وأن لقاءً عابرًا بين رفوف الكتب سيغيّر مستقبل شخصين لم يتوقعا أن يجمعهما القدر. وفي الطرف الآخر من الشارع، كانت سيارة سوداء متوقفة في صمت. جلس رجل مجهول خلف المقود، يتابع باب المكتبة بعينين لا تفوتهما التفاصيل. أخرج صورة قديمة من ملف بين يديه، نظر إليها طويلًا، ثم رفع بصره نحو ليان وهي تبتعد. همس بصوت خافت: "إذن... بدأت الحكاية من جديد." أعاد الصورة إلى الملف، وأدار محرك السيارة، ثم انطلق ببطء، تاركًا خلفه شارعًا هادئًا، ومكتبة لا تزال رائحة الكتب فيها تخفي أسرارًا لم تُكشف بعد.الفصل 265 — البداية التي اختارتنا— أنتم هتختاروا البداية.فضلت الجملة ظاهرة على الصفحة، والحبر بيتحرك ببطء كأنه لسه بيقرر إذا كان عايز يكمل ولا لأ.ليان قربت من الكتاب.— يعني إيه نختار البداية؟نورا ردت وهي لسه بتبص على الأسماء التلاتة:— يمكن عشان نعرف إحنا بدأنا منين.ليان بصت لها.— وإنتِ فاكرة؟— لأ.— حاولي.نورا غمضت عينيها.— شايفة نور.— نور إيه؟— مكتبة.— مكتبة؟— أيوه.— وأنا معاكي؟— لأ.— أمال مين؟نورا سكتت.— نورا؟— فيه طفلة.ليان قربت أكتر.— أمل؟— مش عارفة.— شكلها عامل إزاي؟— شعرها طويل.— لون عينيها؟نورا فتحت عينيها فجأة.— سودا.ليان قالت:— زي عيونك؟نورا هزت راسها.— لأ.— أمال؟— زي عيونك إنتِ.ليان سكتت.— يعني كانت شبهي؟— أيوه.سليم قال:— ده مش جديد.ليان بصت له.— إيه اللي مش جديد؟— كل مرة بنكتشف إن أمل مرتبطة بيكي بشكل مباشر.يونس قال:— بس المرة دي مختلفة.ليان بصت له.— ليه؟— لأن الكتاب قال إنكم تلاتة.رحيم قال:— ليان، نورا، أمل.— والتلاتة كانوا إيه؟حواء قالت:— ثلاث احتمالات لنفس السؤال.ليان سألت:— إيه السؤال؟حواء بصت إلى الصفحة.— "هل أقد
الفصل 264 — الثمن الذي رفض أن يموت— أنا.وقعت الكلمة في وسط الصمت كأنها حجر اتحدف في بئر ملوش قاع.ليان بصت لآدم، وبعدها بصت لنورا، ثم رجعت له تاني.— إنت؟آدم أومأ.— أيوه.— يعني إيه "إنت"؟— يعني لو لازم حد يموت عشان أمل تولد... أنا الشخص اللي هيدفع التمن.ياسر اتحرك خطوة لقدام.— لأ.آدم بص له.— لسه ما شرحتش.— مش محتاج تشرح.— محتاج.— لأ، محتاج نعرف ليه.آدم ابتسم ابتسامة صغيرة.— لأن وجودي من البداية مرتبط بالثمن ده.سليم عقد حاجبيه.— مرتبط إزاي؟آدم سكت ثواني.— أنا أول محاولة.يونس قال:— محاولة إيه؟— محاولة لصناعة شخص يقدر يختار بدل الكاتب.ليان قالت:— ونجحت؟آدم ضحك.— لأ.— أمال ليه موجود؟— عشان الفشل ما اختفاش.رحيم قال:— أنت تقصد إنك نتيجة لتجربة قديمة؟— أيوه.— مين عمل التجربة؟آدم بص إلى نادر.نادر ما ردش.ليان بصت لأبوها.— بابا؟نادر قال:— أنا كنت جزء منها.— جزء إزاي؟— كنت شاهد.آدم قال:— كان حارسًا.نادر بص له.— ما تحاولش تبسط حاجة معقدة.— وأنا مش ببسطها.— أمال؟— بقول الحقيقة.ليان قربت من نادر.— إنت كنت تعرف آدم؟— أيوه.— من إمتى؟— قبل ما أعرفك.
الفصل 263 — الطفلة التي لم تولد— كنت أمها.فضلت الجملة معلقة في المكان.ولا حد اتكلم.حتى الظل اللي كان على الحيطة اختفى فجأة، وكأن الكلمة نفسها كانت كفاية إنها توقف كل حاجة.ليان بصت لنورا بعدم تصديق.— بنتك؟نورا ما ردتش.— نورا، بصيلي.نورا رفعت عينيها ببطء.— أيوه.— إنتِ قلتي بنتك؟— أيوه.— بس إنتِ...نورا قاطعتها:— عارفة.— أمال إزاي؟— مش عارفة أشرحلك بالطريقة اللي إنتِ متخيلاها.ليان قربت منها.— يعني كانت فيه طفلة فعلًا؟— كانت فيه طفلة.— واتولدت؟نورا هزت راسها.— لأ.— ماتت؟— لأ.— أمال إيه؟نورا بلعت ريقها.— ما اتولدتش أصلًا.ليان سكتت.سليم قال:— يبقى إزاي بنتك؟نورا بصت له.— لأنها كانت موجودة قبل ما يكون عندها جسد.رحيم قال:— احتمال؟— أيوه.يونس قرب.— زي ليلى؟نورا هزت راسها.— لأ.— إيه الفرق؟— ليلى كانت احتمال أخت.— والطفلة دي؟نورا بصت للظل اللي اختفى.— كانت احتمال حياة كاملة.ياسر قال:— حياة مين؟نورا بصت له.— حياتي.سكت ياسر.ثم قال:— يعني كانت بنتك في احتمال تاني؟— أيوه.ليان قالت:— وإنتِ كنتِ أم في الاحتمال ده؟نورا أومأت.— كنت أم.— وإيه اللي
الفصل 262 — آدم الذي لم يمت— وأخيرًا افتكرتيني يا نور.تجمدت نورا.لم تتحرك.حتى أنفاسها توقفت لثوانٍ.ليان قربت منها بسرعة.— نورا... مين اللي بيتكلم؟نورا ما ردتش.ياسر وقف قدام ليان.— كله يبعد عن الباب.سليم شد ليان للخلف.— تعالي.يونس بص ناحية الباب.— الصوت جاي من بره.رحيم قال:— بس إحنا كنا جوه.حواء همست:— لأنه مش واقف بره.سأل نادر:— أمال فين؟حواء بصت للحيطان.— جوا الذاكرة.فجأة جاء الصوت مرة تانية.— لسه بتخافي يا نور؟نورا ردت بصوت مرتجف:— آدم...— أيوه.— إنت فين؟ضحك.— نفس المكان اللي سبتيّني فيه.— أنا ما سبتكش.— لأ.سكت لحظة.— إنتِ اخترتيها.نورا بصت إلى ليان.— اخترت ليان.الصوت قال:— عشان كده أنا بحبك.ليان اتجمدت.— بيحبها؟ياسر بص لنورا.نورا هزت راسها بسرعة.— مش بالمعنى اللي فهمتيه.الصوت ضحك.— لسه بتفسري للناس؟نورا قالت:— اسكت.— ليه؟— لأنك ما عندكش حق تظهر دلوقتي.— أنا ما ظهرتش.— أمال إيه؟— أنتم اللي دخلتوا عندي.سليم قال:— لو أنت آدم فعلًا، اطلع.ضحك الصوت.— وأنت لسه زي ما أنت.— تعرفني؟— أعرف رفضك.سليم سكت.قال يونس:— آدم، لو أنت الشخص