أحتفظ بقائمة قصيرة بالأسماء التي، بالنسبة إليّ، صنعت ذروة الغموض العربي الحديث: أولها بلا منازع أحمد خالد توفيق. كتبه، وخاصة سلسلة 'ما وراء الطبيعة'، لم تكن فقط رعبًا شعبويًا، بل مقدّمة لعالم عربي يلتهم القصص البوليسية والخوارق بنفس الشغف. شغفي بها بدأ كقارئ مراهق؛ كانت الشخصيات المباشرة والحوارات السريعة والحوارات الداخلية التي تتركك تتساءل عن الحقيقة أو الخرافة، كل ذلك جعلني أعتبره مؤسسًا لتيار شعبي في الغموض بالعربية.
ثم أعود إلى أعمال أدبية أعمق، مثل 'اللص والكلاب' لنجيب محفوظ، التي لا تبدو بوليسية بالمفهوم الحديث لكنها رواية جريمة نفسية مدهشة: وحدات التحقيق هنا نفسية واجتماعية أكثر من كونها مقتصرة على الألغاز، ومع ذلك تؤثر بشدة في مفهومنا عن الغموض والعدالة في الرواية العربية.
وأخيرًا، أذكر أسماء مثل حسن بلامس (بقصة قصيرة وغامضة)، وبعض الكتاب الشباب الذين يمزجون بين الفانتازيا والسياسة والنوير. هؤلاء لا يكتبون دومًا روايات بوليسية قائمة بذاتها، لكن عملهم أعاد تعريف الغموض في الأدب العربي المعاصر؛ يجعل القارئ يبحث عن خيوط في النفس والذاكرة لا في مسرح الجريمة فقط. في النهاية، بالنسبة إليّ، الغموض العربي الحديث هو مزيج من السرد الشعبي الشعبي والرواية الأدبية الراسخة، وبذور هذا المزيج تراها بوضوح في أسماء أحمد خالد توفيق ونجيب محفوظ وصولاً إلى من يكتبون اليوم بعنف وإبداع.
مشهد واحد من مسلسل 'ما وراء الطبيعة' ظلّ محفورًا في ذهني لأسابيع، ولذا سأبدأ به فورًا لأنّه أقرب مثال صحيح لمسلسل مقتبس من أدب غموض عربي يستحق المشاهدة.
المسلسل المصري 'ما وراء الطبيعة' (النسخة على نتفليكس) مقتبس عن سلسلة روايات أحمد خالد توفيق، ويقدّم خليطًا متقنًا من الغموض، والرعب النفسي، والتحقيقات الصغيرة التي تدور حول الظواهر غير المفسّرة. أحبّ كيف أن الأجواء والطابع الزمني للعمل (نهايات القرن العشرين) أُعيدا بطريقة تحافظ على روح الروايات، مع تصوير شخصيّة المحقق الساخر والمثقل بالتجارب بشكل مقنع. المشاهد المظلمة والاعتماد على تفاصيل ثقافية مصرية قديمة يمنحان العمل طابعًا محليًا مميّزًا.
لو كنت أبحث عن شيء أقوى في خانة الإثارة والتحقيقات، فسأنتقل إلى أعمال مقتبسة من روايات أحمد مراد مثل 'الفيل الأزرق'؛ صحيح أن 'الفيل الأزرق' تحول إلى أفلام أكثر منه لمسلسل، لكن هذه التحويلات السينمائية تحمل طابع غموض نفسي وجريمة مشدود يستحق المشاهدة إن كنت تريد تجربة قريبة من روح الرواية العربية الغامضة. بالإضافة إلى ذلك، أعمال نجيب محفوظ التي تمّت إليها تحويلات درامية مثل أجزاء من 'الثلاثية' قد لا تكون غموضًا محضًا، لكنها مليئة ببُنى سردية ومعقّدات نفسية واجتماعية تصلح لمن يحبّ الألغاز الإنسانية أكثر من الجرائم الصارخة.
خلاصة قصيرة مني: إذا لم تشاهد 'ما وراء الطبيعة' فابدأ بها، ثم انتقل إلى تحويلات أحمد مراد واطّلع على الأعمال المأخوذة عن روايات كلاسيكية عربية لتلتقط طبقات الغموض الاجتماعي والنفسي. هذه النوعية من الأعمال تترك أثرًا طويلًا لو منحتها تركيزًا حقيقيًا.