قراءة '
مدن الملح' كانت كأنني أرى
الصحراء تتكلم وتبوح بما كتمته قرونًا عن تحوّلها بفعل النفط.
النفط لم يظهر عند عبد الرحمن منيف كمادة اقتصادية باردة فقط، بل كقوة تاريخية ونفسية تدفع المجتمع نحو مسارٍ جديد بعنف أحيانًا. الكتاب يصور لحظة اكتشاف النفط كثمرة
كابوسية: المدن القديمة تنهار أمام ضجيج الآلات،
البدو يفقدون أرضهم وهويتهم، والقرى تتحول إلى محطات لعمالة مؤقتة يقودها أجنبيّون وشركات لا تعير اهتمامًا للوجوه التي كانت تسكن المكان. رأيت في النص كيف يتحول النفط إلى شخصية بحد ذاتها—قوة جاذبة ومدمّرة في آن واحد، تمنح البعض ثروة فورية وتحرّم على الآخرين معنى البقاء.
أسلوب منيف هنا يعمّق الفكرة؛ لا يكتفي بالسرد الواقعي بل يستعمل تراكيب تشبه السرد الأسطوري الجماعي، يعكس كيف تُحكى القصة من زوايا عدة: الراوي الذي يراقب، السكان الذين يتذمرون، والأجيال الجديدة التي تُغرَى بالوعود. التركيز ليس على معاملة النفط كموارد فحسب بل على مؤسسات السلطة التي تنشأ معه—دولة مستبدة متواطئة، طبقة جديدة من الوسطاء والمتوسّطين، وتكوين سوق عمل يعتمد على العمالة الوافدة. هذا التقاطع بين الاقتصاد والسياسة والثقافة يجعل من النفط محورًا لإعادة تعريف المكان والزمان الاجتماعيين.
لا يمكن تجاهل وصف منيف للفساد الاجتماعي والانحلال الثقافي: التحوّل إلى مجتمع مستهلك، الضياع التدريجي للتقاليد، ورفض التاريخ. كثير من المشاهد في الرواية تُظهر كيف تُقوّض الثروة النفطية روابط الجيرة و
القبيلة، وتُحيّد السكان الأصليين عبر إغراء المال أو بالعنف المباشر. وصور العمالة الموسمية، المدن الشاهقة الزائفة، والتحكم الخارجي في الموارد تُذكّر بأن النفط قد يجلب خيارًا سريعًا للتنمية لكنه في العمق يشتت النسيج الاجتماعي ويترك وراءه فراغًا معنويًا.
أعتقد أن قوة 'مدن الملح' تكمن في قدرة منيف على تحويل قصة النفط من مجرد وصف مادي إلى سرد أخلاقي وتاريخي. تركتني الرواية أفكر ليس فقط بما يحدث للمكان، بل بما يحدث لأرواح الناس حين تُستبدل الأرض بآلة
الربح، وكيف تبقى الذكريات كأطلال تكافح لتذكيرنا بأن هناك ثمنًا لا يقتصر على الحسابات البنكية.