أول ما يلمع في ذهني عن 'مدن الملح' هو إحساسها بأنها محاولة سردية ضخمة لتقليب صفحات تحول تاريخي لا يُنسى في العالم العربي.
'مدن الملح' من تأليف الأديب العربي الكبير عبد الرحمن منيف (
ولد عام 1933 وتوفي عام 2004)، وهي سلسلة روائية مكوّنة من خمسة أجزاء كتبها منيف على مدى عقد تقريبًا، وصدرت نسخها الأولى في الثمانينيات والتسعينيات. الدافع الظاهر وراء المشروع كان تصوير التحول الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي جلبه اكتشاف النفط إلى مناطق الخليج؛ من القرى
البدوية الهادئة إلى مدن مفعمة بالعمالة الأجنبية، وثروات مفاجئة تلتهم أنماط الحياة التقليدية. لكن رغبة منيف لم تقتصر على مجرد توثيق حدث تاريخي، بل امتدت إلى نقد جذري للسلطات المحلية، والشركات الأجنبية، وللآثار الثقافية والإنسانية لذلك التغيير.
منيف كتب 'مدن الملح' بدافع مزدوج: أولًا، الحاجة إلى سرد تاريخ بديل يكون شاهدًا على نسيان شعوب كثيرة؛ فهو أراد أن يحول الذاكرة الشفوية والقصص المحلية إلى سرد روائي قائم بذاته، حتى لا تُمحى تفاصيل حياة الناس الصغيرة وسط عواصف النفط والسياسة. وثانياً، كان عنده حلم نقدي واضح: فضح آليات القوة الاقتصادية والسياسية التي تفرض نماذج تنموية قسرية تؤدّي إلى التبعية والتهميش. الرواية تعرض كيف أن اكتشاف النفط جلب معه شركات متعددة الجنسيات، وحكومات متعاونة، وطبقة جديدة من الأغنياء، إلى جانب موجة من العمالة الوافدة والاضطرابات الاجتماعية، وكل هذا على حساب الروابط التقليدية والبيئة المحلية والكرامة الإنسانية. منيف استلهم الكثير مما رآه وسمعه عن تأثير النفط، لكنه أيضاً وظف الخيال والرمز لينسج ملحمة عن مقاومة الناس وتواطؤ النخب.
بجانب الدافع السياسي والاجتماعي، هناك دافع أدبي واضح: منيف أراد صنع عمل ملحمي بطولية محاكية لتقاليد الرواية التاريخية العظيمة، يجمع بين الواقعة والرمز، ويستخدم لغة غنية وصورًا قوية لتصوير التحول الجذري في الوجود اليومي للبشر. العمل لم يخلُ من الجدل؛ فقد أثيرت حوله نقاشات واسعة، ونُظر له في أماكن بصفته نقدًا لاذعًا لبعض الأنظمة والسياسات، ما أدى إلى منعه في بعض البلدان الخليجية واعتباره مزعجًا لخطاب السلطة. ومع ذلك، بقيت 'مدن الملح' مرجعًا أساسيًا لفهم مرحلة مركزية في تاريخ المنطقة، ورمزًا لأدب التزام يتعامل مع العواقب البشرية للثروات الطبيعية.
في النهاية، دوافع منيف امتزجت بين عشق القصة وحسّ الواجب التاريخي والنقد الاجتماعي؛ روايته ليست مجرد سرد لتغيرات مادية بل شهادة إنسانية على فقدان ثقافات وطرق عيش، ومحاولة لاستنهاض ذاكرة جماعية قد تذوب في لهيب النفط والحداثة المفروضة. قراءة 'مدن الملح' تتركك مع تساؤلات كبيرة عن الثمن الحقيقي للتقدم وكيف تُقاس قيمة الشعوب عندما تُحوّل أرضها إلى مصدر ثروة لآخرين، وهذا ما يجعل العمل لا يزال مؤثّرًا وذا صلة حتى اليوم.