دعني أبدأ بصورة ذهنية: المكان الذي رسمه عبد الرحمن منيف في رواية 'مدن الملح' ليس رقعة جغرافية محددة على الخريطة بقدر ما هو تركيب مناظر طبيعية ومواقف اجتماعية نعرفها جميعًا عن ساحل الخليج وصحرائه.
أنا أرى أن منيف وضع أحداث 'مدن الملح' في دولة خليجية غير مسمّاة على امتداد الساحل الشرقي لشبه ال
جزيرة العربية، بين البحر والرمل، حيث تجمعات ال
صيادين والغوص على اللؤلؤ، النخيل والواحات، وخيام
البدو. المشاهد في الرواية تعرفك فورًا على بيئة مألوفة: قرى شاطئية صغيرة تتحول إلى مدن صناعية، ساحات قرى تقابل شركات نفط غازية، وطرق ترابية تتحول إلى شوارع معبدة وسط مخيمات للعمال. الكاتب لم يضع علامات على خريطة حقيقية لأن هدفه كان تصوير تجربة مجتمع بأكمله تحت وقع النفط والتحديث المفروض، وليس سرد تاريخ بلد بعينه فقط.
أحب الطريقة التي يتعامل بها منيف مع المكان كوصف اجتماعي وسياسي: الزمن هو منتصف
القرن العشرين وما بعده، وهو زمن اكتشاف النفط وتدفق الشركات الغربية والعمال الأجانب وتأثيرهم على البنية التقليدية. تظهر المدن الجديدة والكازينوهات والمستشفيات والمطار، لكن تظهر معها أيضًا مشاهد النزوح، فقدان الوظائف التقليدية مثل الغوص على اللؤلؤ، وظهور طبقات اجتماعية جديدة تسيطر على الثروة والقرار. في النصوص أجد صورًا واضحة لمخيمات العمال، للموانئ التي امتلأت بالسفن، ولميناء صغير تحول إلى مدينة حديثة ذات أفق صناعي؛ كل ذلك موصوف بطريقة تجعل القارئ يشعر أنه يقرأ سيرة تحول اقتصادي وسياسي معروف في الخليج.
ما أحبّه شخصيًا أن منيف عمد إلى تعميم المكان ليجعل الرواية تمثل حالة مشتركة بين عدة دول خليجية: تأثير النفط، اصطدام العادات القديمة مع الحداثة السريعة، صعود طبقات اجتماعية جديدة، ودور الشركات الأجنبية والدول الاستعمارية. لذلك القارئ العربي يعثر على انعكاس واقعه في الحكاية، سواء كان من السعودية الشرقية أو الكويت أو البحرين أو قطر أو الإمارات. الأسلوب يجعل من 'مدن الملح' رواية رمزية أيضًا — المدينة فيها كثير من الرموز عن الطمع والسلطة والاغتراب.
أخيرًا، أعتقد أن عبقرية منيف كانت في خلق مكان يبدو محددًا في تفاصيله وحميميًا في مشاهد الحياة اليومية، لكنه يظل عامًا بما يكفي ليعكس حالة تاريخية كاملة. لذلك كل مرة أقرأ أجزاء من 'مدن الملح' أشعر أنني أمشي في مدن حقيقية قائمتين على رمال الخليج، ومع كل صفحة يتضح لي أكثر كيف يمكن لمكان أن يحكي قصة شعب وتحول، بدون أن يحتاج الكاتب إلى تسمية الدولة مباشرة.