LOGIN
حين تصنع الشاشات الأحلام
لطالما عانى الإنتاج الدرامي والسينمائي المغربي من ضعف نسبي، إذ كانت القنوات الوطنية تعتمد في الغالب على الأفلام المحلية والسيتكومات الرمضانية، بينما ظلت المسلسلات المغربية محدودة من حيث الحضور والتأثير. لذلك اتجهت إلى بث أعمال أجنبية لسد هذا الفراغ. وقد تغير مصدر هذه الأعمال مع مرور الزمن؛ ففي تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، امتلأت الشاشات المغربية بالمسلسلات المصرية والمكسيكية، حتى أصبحت جزءا من ذاكرة جيل كامل. وكان التأثير المصري على وجه الخصوص بالغا، إذ لم يقتصر على الترفيه، بل امتد إلى اللهجة، وطريقة التعبير، وحتى صورة الحب والعلاقات. ومع مرور السنوات، احتلت المسلسلات التركية مكان الصدارة، لكن ذلك لم يمح الأثر الذي تركته الدراما المصرية في وجدان أبناء التسعينيات وبداية الألفية. وكانت هاجر واحدة منهم. كبرت وهي تعيش قصص الحب المصرية، ثم وجدت نفسها في سنوات المراهقة تغرق في الروايات الرومانسية المصرية الإلكترونية، حتى أصبحت نظرتها للحب والزواج انعكاسا لما قرأته وشاهدته. وفي داخلها، تشكلت صورة فارس أحلامها رجل يحمل الجنسية المصرية. لكن الحياة لم تكن تشبه الروايات. لم تكن هاجر ترى نفسها فتاة مميزة. كانت تنظر إلى المرآة فلا ترى جمالا لافتا، وتجالس الناس فتظن أن الجميع أذكى منها وأكثر ثقافة. ورغم تخرجها من الجامعة والتحاقها بوظيفة حكومية مستقرة، ظلت تؤمن أن كل ما وصلت إليه لم يكن إلا حظ، وأن هناك من يستحق أكثر منها ولم يحظ بما حظيت به. كانت ترى ذلك تعويضا إلهيا عن نقص لازمها منذ طفولتها. لم تعرف هاجر دفء الأسرة كما كانت تتمنى. كان والدها رجلا قاسيا في نظرها، قليل التعبير عن مشاعره، كثير الانتقاد، حتى إنها كانت تشعر بأنه يتعمد التقليل من شأنها أمام الآخرين. أما والدتها، فكانت تمنح اهتمامها للأخت الكبرى بسبب مرضها، وللصغرى لأنها ما تزال صغيرة، بينما بقيت هاجر تشعر بأنها الابنة التي لا يلتفت إليها أحد. ورغم ذلك، لم تكن وحيدة. فقد رزقها الله بصديقة اسمها وجدان، كانت تشبهها في طيبة القلب، لكنها كانت أكثر حكمة. تعرف متى تعطي، ولمن تعطي، بينما كانت هاجر تمنح الجميع حبها ووقتها دون أن تطلب شيئا في المقابل. ومن أكثر ما آلمها في طفولتها، أن جسدها نما أسرع من عمرها، حتى بدت طفلة في هيئة امرأة. كان ذلك سببا في تعرضها للتنمر، كما تعرضت لمضايقات وتحرشات لفظية وجسدية تركت في نفسها جروحا لم تندمل. كبرت، لكن تلك الطفلة الخائفة بقيت تسكن داخلها، تختبئ خلف ابتسامة اعتادت أن تواجه بها العالم. لم تكن هاجر تبحث عن علاقة عابرة، بل كانت تبحث عن الرجل الذي تخيلته منذ طفولتها؛ الرجل الذي يشبه أبطال الأفلام والروايات المصرية. ولأن الواقع لم يمنحها فرصة للقاء ذلك الرجل، لجأت إلى مواقع التعارف. تحدثت إلى عشرات الأشخاص، لكن معظم الأحاديث انتهى سريعا. إلى أن ظهر كريم. رجل في الثانية والأربعين من عمره، مستقر في المملكة العربية السعودية، مطلق، وأب لبنتين يعيشان مع والدتهما في مصر. لم يلتقيا يوما، ولم تجمعهما مكالمة فيديو واحدة، لكن حضوره كان قويا. كان يتحدث بثقة، ويقدم النصائح، ويجعلها تشعر، لأول مرة، أن هناك رجلا يستطيع أن يحتضنها بكلماته. كانت وجدان سندها الدائم، لكنها ظلت تفتقد شيئا لم تستطع حتى أقرب صديقاتها أن تمنحه لها؛ شعور أن هناك رجلا يطمئن عليها، ويسأل عن يومها، ويشاركها تفاصيل حياتها الصغيرة. كانت تستيقظ أحيانا على رسالة منه: "كيف كان الاجتماع اليوم؟" وقبل أي عرض تقدمه في عملها، كان يكتب: "لا تقلقي، أنا متأكد أنك ستنجحين." وإذا أخبرته أنها ارتكبت خطأ، أجابها: "لا تخافي، إنه خطأ بسيط وسيجد حله." وفي أحد الأيام كتب لها: "قرأت أن الجو في المغرب بارد اليوم، لا تنسي أن ترتدي ملابس دافئة." وحين توفيت صديقتها، لم يكتف بتقديم التعزية، بل سألها في اليوم التالي: "هل ذهبت إلى العزاء؟ كيف أصبحت اليوم؟" كانت تلك الرسائل عادية في نظره، لكنها بالنسبة لها كانت تعني الكثير. لم تكن تقع في حب الكلمات بقدر ما كانت تقع في حب الإحساس الذي تمنحه لها؛ إحساس أن أحدا ينتظر أخبارها، ويهتم بما يمر في يومها، ويخشى أن يحزنها شيء. وفي إحدى الليالي، سألته هاجر سؤالا ظل يدور في ذهنها منذ أن أخبرها بأنه مطلق. "لماذا طلقت؟" ضحك ضحكة قصيرة، ثم التزم الصمت. ظنت أنه لا يرغب في الحديث عن الأمر، فقالت: "لأنني أراك شخصا متزنا، ولم أجد فيك ما يجعلني أفهم كيف انتهى زواجك بالطلاق." ابتسم وقال: "ولماذا افترضت أن المشكلة كانت في؟ ربما كانت في طليقتي." سكتت للحظة ثم سألت: "هل هي من طلبت الطلاق؟" أجابها: "لا، أنا من طلبه." ثم تابع قائلا: "تزوجتها عن حب، لكنني صدمت بعد الزواج. كانت مختلفة تماما عن الفتاة التي عرفتها. منذ الأيام الأولى أصبحت كثيرة الخصام، لا تتوقف عن العتاب والشكوى. حاولت إرضاءها بكل الطرق، خاصة بعد أن رزقنا الله بالأطفال. كنت أقول لنفسي إن الأمر سيتحسن مع الوقت، وتحملت سنوات طويلة من أجلهم. لكنني اكتشفت في النهاية أنني أنا المظلوم في هذه العلاقة، وأن صبري كان يجعلها تتمادى أكثر، لذلك اتخذت أصعب قرار في حياتي الطلاق." حزنت هاجر وهي تستمع إلى كلماته. رأت أمامها رجلا خذلته الحياة بعد أن منحها كل ما يملك. ولم يخطر ببالها، ولو للحظة، أن تكون للقصة رواية أخرى، بل تمنت في سرها لو أنها كانت المرأة الأولى في حياته، لما اضطر إلى أن يعيش كل ذلك الألم. ومع مرور الأيام، بدأت تثق برأيه في كل شيء. لم تعد ترى نصائحه مجرد آراء، بل أصبحت ترى فيها توجيهات صادقة ممن يريد لها الخير. وعندما أرسلت له صورتها، أخبرها أن تقليم حاجبيها سيزيدها جمالا. ورغم اقتناعها بحرمة النمص، حجزت موعدا في صالون التجميل. وعندما أخبرها أن المرأة لا تصلح للقيادة، تخلت عن فكرة الالتحاق بمركز تعليم السياقة. لم تكن ترى في ذلك سيطرة، بل كانت تراه اهتماما ورغبة في حمايتها. لقد تعبت من أن تكون هي السند للجميع، وكانت تحلم، ولو لمرة واحدة، أن تجد من تعتمد عليه. ---------------_ كان لكريم صورة مثالية للمرأة التي يريدها. كان يصفها دائما بأنها شديدة الجمال، بيضاء البشرة، ذات عينين ملونتين، وشعر أشقر، وقوام مثالي. وفي كل مرة كانت هاجر تستمع إليه، كانت تقارن نفسها بتلك الصورة، فتشعر أنها بعيدة عنها. لم تسأله يوما لماذا اختار الحديث معها ما دام يبحث عن امرأة تختلف عنها تماما. بل سألت نفسها سؤالا آخر: كيف يمكنني أن أصبح تلك المرأة؟ زارت أكثر من طبيب جلدية، وبدأت تستخدم كريمات لتفتيح بشرتها، ثم فكرت جديا في الخضوع لإبر تبييض. كانت مستعدة لتغيير ملامحها من أجل رجل لم تلتق به قط. ولولا لطف الله بها، لما تراجعت عن تلك الفكرة. كانت، دون أن تشعر، تفقد نفسها قطعة بعد أخرى، محاولة أن تصبح المرأة التي يريدها هو، لا المرأة التي خلقها الله. ثم... اختفى كريم. لا خلاف، ولا عتاب، ولا كلمة وداع. مجرد صمت. رسائل بقيت بلا رد. واتصالات لم يجب عنها. انتظرته يوما. ثم أسبوعا. ثم شهرا. لكن كريم لم يعد. دخلت هاجر في حالة اكتئاب. لم تكن تبكي رجلا فقط، بل كانت تبكي الأحلام التي بنتها، والأيام التي قضتها وهي تؤمن أنها أخيرا وجدت الشخص الذي سيمنحها الحب الذي افتقدته منذ طفولتها. ولأول مرة في حياتها، وقفت أمام المرآة وسألت نفسها: "هل رحل لأنه لم يحبني أم لأنني لم أكن كافية؟" وكان ذلك السؤال بداية رحلة أخرى أشد قسوة من كل ما سبق.ما أضعته بيدياريد محمد اريد محمدكانت الكلمات تتردد على شفتي هاجر بهستيرية وانفعال شديد منذ ان استعادت وعيها بعد اغمائها في غرفة المستشفى. كانت تصرخ باسمه وتقاوم كل من يحاول تهدئتها، حتى عجزوا عن السيطرة عليها، ولم يجد الاطباء بدا من اعطائها حقنة مهدئة، خوفا من ان يؤثر انفعالها الشديد على الجنين، خصوصا وان حملها لم يكن مستقرا بعد.راقب كريم المشهد بصمت، بينما كانت مشاعر متناقضة تعصف بداخله.في اعماقه، تمنى للحظة لو ان ذلك الجنين سقط.ربما كانت ستكون له عندها فرصة اخرى مع هاجر.وما المشكلة في ذلك؟ حتى لو اصبحت زوجة خاله، كان سيجد طريقة. سيجعلها تطلب الطلاق ويعيدها اليه. كان يعرف هاجر جيدا، او على الاقل كان يعتقد انه يعرفها.كان يعرف كيف يتصرف معها.كانت تذوب بين يديه، وتستسلم لكلماته، وتنفذ اوامره دون نقاش. وكم كان يعجبه ذلك الخضوع الصامت منها، ذلك الاستعداد الدائم لان تضع رايه فوق رايها.تذكر يوم اقنعها بان قيادة السيارة ليست مناسبة للنساء.لم تجادله طويلا.بل الغت تسجيلها في مركز تعليم السياقة لمجرد انه اخبرها بذلك.ابتسم داخله للحظة وهو يستعيد تلك الذكرى، قبل ان تختفي ابتسامته سريع
عودة متأخرةكان كريم سعيدا بعودته الى مصر، فقد اشتاق الى الجو الاسري الذي حرم منه منذ سنوات. لقد الح على والدته كثيرا ان تذهب للعيش معه في السعودية، الا انها كانت ترفض في كل مرة. اما الان، فقد وجد نفسه يتوق الى دفء البيت ووجودها الى جانبه.منذ طلاقه، لم تتوقف والدته عن مطالبته بالزواج من جديد، او باعادة زوجته السابقة وجمع شملهما. كان يرفض الفكرة الثانية رفضا قاطعا، اما الزواج، فلم يكن يمانعه من حيث المبدأ، بل كان يبحث فعلا عن امرأة مناسبة، لكنه لم يجدها.والحقيقة انه وجدها منذ زمن.هاجر.المرأة الرقيقة التي تخلى عنها في لحظة غباء.كان كريم قد احب هاجر كثيرا. احب طيبتها، وصدقها، وعطاءها، والسكينة الغريبة التي كانت تمنحها له كلماتها. كان يشعر معها براحة لم يجدها مع اي امرأة اخرى.لكنه، في النهاية، احب نفسه اكثر.بعد طلاقه، اقسم كريم الا يظلم نفسه مرة اخرى. كان مقتنعا بان الحب وحده لا يكفي. لقد احب زوجته الاولى بصدق، ومع ذلك انتهى زواجهما بالطلاق. لذلك اقنع نفسه بان المشاعر تتغير، وان المرأة التي يعشقها اليوم قد تصبح بعد سنوات اكثر شخص يكرهه.ومن هنا بدأت معاييره تتغير.لم يعد يبحث عن ال
حين عاد الماضيمدام هاجر ،الست علياء بتناديك للعشاء.كررت الخادمة الجملة للمرة العشرين، دون أن تتلقى أي جواب من هاجر. وقبل أن تغلق الباب وتغادر، ألقت عليها نظرة أخيرة، ثم هزت رأسها باستغراب.أما هاجر، فكانت غائبة عن الوعي، غارقة في ألمها. كانت الآلام التي تسببت بها الإبر التي غرستها في باطن إصبعها هي الحل الوحيد الذي لجأت إليه لتتخلص، ولو مؤقتا، من كثرة التفكير الذي أوشك أن يصيبها بالجنون.لم تكن تصدق ما حدث.محمد يرفض الحديث معها؟ محمد يرفض الحديث معها! لا يعقل لماذا؟هي لم تفعل شيئا يستحق أن يغضب منها. بل على العكس، كانا يعيشان أسعد أيامهما، وكانت تفعل كل ما بوسعها لإسعاده وإنجاح علاقتهما.فلماذا يرفض التواصل معها اليوم؟هل يفكر في التخلي عنها كما فعل سابقا؟وكما فعل كريم من قبل؟في المرة السابقة، برر محمد ابتعاده عنها بسبب الرسالة التي أرسلتها وجدان. لكن هذه المرة ما السبب؟هل يعقل أن يتخلى عنها هو الآخر و للمرة الثانية ؟ومن سيقبل بها بعده؟ثم جاء السؤال الذي كان أشد قسوة من كل ما سبقه:و مذا عن إبنها؟هل سيتخلى محمد عنه أيضا؟ومن سيقبل بها هي وابنها؟لا أحد هكذا أقنعت نفسها.ك
صدمةجلست علياء تأكل، وهي تسترق النظر بين لحظة وأخرى إلى هاجر.ورغم أن هاجر كانت تشاركها جميع الوجبات، فإنها كانت تتعمد ألا تتحدث معها. وكلما حاولت علياء أن تسألها عن شيء، كانت تكتفي بإجابتها بحركة من رأسها، وكأنها تخشى أن يؤدي أي حديث بينهما إلى مواجهة جديدة.قالت علياء بهدوء:— كيف حال الجنين؟هزت هاجر رأسها بمعنى أنه بخير، دون أن تنطق بكلمة واحدة.كانت علياء تعرف جيدًا سبب تصرفها. هاجر ما زالت تخاف منها، وما زال في قلبها شيء من الحقد عليها منذ ذلك اليوم الذي صفعتها فيه. لم تنسَ هاجر تلك الصفعة، ولا الطريقة التي شعرت بها يومها بالإهانة والضعف أمامها.لكن علياء، في المقابل، لم تكن تحمل الأمر في قلبها.كانت تتمنى لو تستطيع الاقتراب منها، لو تمنحها فرصة لتراها كما تراها هي.فمنذ أن دخلت هاجر حياتهم، شعرت علياء بشيء غريب تجاهها. كانت تراها كابنة لم تنجبها، وتتمنى لو أن الله رزقها يومًا بفتاة مثلها.لكن الله لم يرزقها سوى بكريم، ابنها الوحيد.أما محمد، فلم تكن تعتبره أخا لها فحسب، بل كان بالنسبة إليها ابنا أيضا. فقد كان في العمر نفسه تقريبا مع كريم، وقد ربتهما معا منذ أن كانا صغيرين. تعب
ذاكرة مفقودةجلس محمد على حافة حوض الاستحمام، واضعا رأسه بين كفيه، بينما كانت أنفاسه تتسارع كأنها تطارده. منذ أن فتح عينيه هذا الصباح، وهو يحاول عبثا أن يجمع شتات ذاكرته، لكن كلما اقترب من تذكر ما حدث، اصطدم بفراغ مخيف.آخر ما يتذكره أنه عاد من السعودية إلى المغرب وقد حسم أمره. لم يعد يحتمل تلك الحياة المعلقة بينه وبين فاطمة، وقرر أن يواجهها بالحقيقة وينهي كل شيء باحترام. استقبلته بابتسامة هادئة، وسألته عن رحلته، ثم لاحظت أنه يبدو شاردا.قال لها إنه يريد أن يتحدث معها في موضوع مهم، لكنها قاطعته بلطف قائلة:"ليس الآن تعال نتعشى أولا. اشتقت إليك، وأريد أن نقضي هذه الليلة بهدوء، وبعدها نتحدث في أي شيء تريده."نظر إليها للحظات. لم يشأ أن يجرح مشاعرها، وظن أن تأجيل الحديث لساعات قليلة لن يغير شيئا، فوافق على مضض.بعد ذلك.لا شيء.ذكرياته تتوقف عند تلك اللحظة.كل ما يليه ظلام كامل.وحين استيقظ في الصباح، وجد نفسه في موقف لم يستطع استيعابه. شعر وكأن ساعات كاملة قد محيت من ذاكرته. ظل للحظات يحدق في السقف غير قادر على فهم ما جرى، ثم نهض بسرعة وأغلق على نفسه باب الحمام.ومنذ ذلك الوقت، لم يخرج.
قلبان فقط بدأ محمد يلاحظ أمرا غريبا في هاجر. في البداية ظن أنه مجرد انطباع عابر، لكنه مع مرور الأيام تأكد أن الأمر أعمق من ذلك. هاجر لم تكن تحمل أي مشاعر دافئة تجاه عائلتها. لم يسبق أن سمعها تشتاق إليهم، أو تتحدث عنهم كما يفعل أي شخص ابتعد عن أهله. لم تقل مرة إنها تفتقد والدتها، أو أنها تتمنى رؤية إخوتها، ولم يلمح في عينيها ذلك الشوق الذي يراه في عيون المغتربين عن اهلهم. كانت حياتها تسير وكأنها بدأت من جديد، وكأن الماضي كله أغلق بابه خلفها. كان أحيانا يتعمد أن يذكر أحد أفراد أسرتها، أو يسألها إن كانت ترغب في الاطمئنان عليهم، فتجيبه بإجابة قصيرة، ثم تغير الحديث بسرعة، وكأنها لا تريد أن تبقى في تلك المنطقة أكثر من لحظات. أدرك أن ما يربطها بهم لم يكن الحب، بل الشعور بالمسؤولية فقط. ذات مساء، بينما كانا يتحدثان عن حياتهما بعد الانتقال إلى السعودية، قالت له بهدوء: "سأبحث عن عمل عندما نصل." نظر إليها باستغراب. "ولماذا؟" ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: "لأنني أريد أن أرسل المال إلى أسرتي." ظل ينظر إليها لثوان قبل أن يقول: "لكنني سأتكفل بكل احتياجاتهم. لن يحتاجوا إلى







