أثبتت
روايات نجيب محفوظ أنها أكثر من مجرد قصص تحكي؛ بالنسبة إليّ هي خريطة لمدينة ونفوس، ولكل زاوية فيها قصة ولصقّار يهمس ب
الحكمة أو ب
المرارة. أقرأ محفوظ وأجد أمامي صورًا حية للحياة المصرية عبر العقود: ال
عائلة والصعود والهبوط الاجتماعي في 'بين القصرين' و'قصر الشوق' و'السكرية'، لكن الأهم عندي هو كيف يجعل المدينة — القاهرة — بطلة بحضورها اليومي، رائحة ال
شارع، الأزقة، وضجيج القهاوي.
ثم هناك
طبقات اجتماعية متباينة يتناولها بوضوح لا يحاول تجميله: الفقر والطبقة الوسطى و
الصراع مع الحداثة والتقاليد، وما يصاحب ذلك من تنازلات أخلاقية وأحلام مكسورة. روايات مثل '
زقاق المدق' و'اللص والكلاب' تضرب على أوتار نفسية
قوية؛ بطل يدخل في نزاع مع المجتمع ويترك أثرًا من التساؤل عن العدالة وال
انتقام.
لا أنسى الجانب الفلسفي والديني والرمزي في كتاباته، خصوصًا في '
أولاد حارتنا' الذي اضطره لاقتباسات وتأويلات عظيمة؛ هناك مزج بين
الأسطورة والتاريخ والجدل حول القدر والحرية. كلما عدت لصفحاته أجد تفصيلات صغيرة — حوار عابر، وصف لشارع — تعكس رؤيته لل
إنسان كمخلوق معرض للخطأ والتوبة، وللمجتمع كمسرح ضخم تتقاطع فيه كثير من مصائر الأفراد. هذا الخلط بين الواقعية الإنسانية والرمزية هو ما يجعل قراءتي لمحمود مستمرة ومليئة بالاكتشافات الشخصية.