أول ما خطر ببالي عند مشاهدة 'دعاء الكروان' هو كيف تستطيع صورة واحدة على الشاشة أن تلتقط خيطًا أدبيًا وتجعله يعيش في وعي الناس من جديد. أنا أرى أن
فيلم هينري ب
اراكـات عام 1959 لعب دورًا حاسمًا في إعادة إحياء قصة
توفيق الحكيم لدى جمهور أوسع بكثير مما كان يصل إليه النص الأدبي وحده. المشهد ال
سينمائي منح الشخصيات وجوهًا وحركات وأصواتًا؛ أداء فاتن حمامة مثلاً وضع
تعابير وذكريات لا تُمحى في خيال المتلقي العربي، وهذا وحده يكفي لجعل الناس يعودون إلى النص الأصلي أو يتساءلون عن مصدر القصة.
لكن الإحياء الذي أتحدث عنه ليس
صفحة بيضاء تنقل النص حرفيًّا؛ بل هو إعادة تشكيل. الفيلم اختار زوايا سردية وبصرية صنعت من القصة متنًا بصريًا ذا إيقاع مختلف عن النثر الحكمي وتأملاته الفلسفية. لهذا كثيرون التقطوا
الفكرة العامة والدراما، بينما بقيت
طبقات الحكيم الأدبية الدقيقة أقل وضوحًا للجمهور العادي. مع ذلك، لا أنكر أن الشغف الجماهيري الذي ولدته الشاشة أدى إلى إعادة طبع النصوص، ومناقشات أدبية في الصحف وال
مسرحيات المستوحاة من نفس الموضوع.
في النهاية، بالنسبة لي، فيلم 'دعاء الكروان' لم يقتصر على إحياء النص فقط، بل أعاد تشكيله في الذاكرة الثقافية العربية: بعض التفاصيل اختفت وبعضها أصبح أيقونيًا، والجمهور ربّما لم يقرأ الحكيم على النحو الكامل، لكنه بالتأكيد أصبح أكثر تعرّفًا إلى عالمه وأفكاره بعد أن رأى القصة تتحرك على الشاشة.