اعترت عليّ مرات عديدة حالة الدهشة لما تعني عبارة '
كل أمتي معافى إلا المجاهرين' وكيف تُطبَّق في واقع الناس.
أنا أرى من منظور تقليدي أن النص يُرمي إلى تفريق بين الذنوب الخفية والذنوب الظاهرة المستمرة؛ أي أن الله تعالى يعفو عن كثير من زلات القلب والخفاء ما دام العبد لا يصرّ على إظهارها وتبجّحها أو الاستمرار فيها بعد الاستشعار بها. فالمجاهر بمعناه الأقوى هو من يُصرّ على المعصية، يصرح بها، ويستمر فيها بلا ندم حقيقي، وربما يتباهى بها أو يجعلها عرفًا بين الناس، وهنا يكون معرضًا لعقوبة أو لعدم شمول العفو كما في لفظ الحديث.
مع ذلك، هذا لا يعني أن التوبة العلنية مستبعدة من الرحمة؛ أنا مؤمن بأن النص لا يقطع باب الرجاء في توبة من أعلن ذنبه إن رافق ذلك صدق في الندم، وإقلاع عن المعصية، وإصلاح ما وقع من ضرر. كثير من العلماء يؤكدون أن قبول التوبة مرتبط بالنية والصدق والعمل على التغيير، وليس بمنع الإعلان عن التوبة إذا كان الإعلان لطلب النصيحة أو إصلاح الحال. أما من يجعل الإعلان وسيلة للتباهٍ أو الاستمرار فذاك لا يدخل في دائرة العفو بسهولة.
خلاصة ما أميل إليه بعد التفكير الطويل: النص يحذر من المجاهرة بالمعصية والاستمرار فيها ولا يقطع باب المغفرة على من جاء بالتوبة الصادقة، سواء كانت علنية أو خفية، شرط أن تصحبها آثار التوبة الحقيقية. هذا ما يريح قلبي عندما أفكر في رحمة الله وقدرة الإنسان على التغيّر.