LOGINبعد قَتلِ والده ودخول أخيه للسجن يعيش البطل في معاناة في مدينة غامضة محاطة بالاسرار، ولكن غمامة الاسرار هذه تبدأ بالتَّكشف عندما يظهر "المرشد الغامض" ليقود البطل في رحلته المجهولة والتي قد تنتهي بالهلاك.
View Moreتقودنا الأفكار أحيانًا إلى المخاطرة،
وخوض التجارب التي قد تؤول نهايتها إلى الجنون أو الموت الحتمي
لذلك كان يجب أن أتدارك نفسي وأرتب أفكاري قبل أن أخطو تلك الخطوات الحمقاء التي قادتني إلى القمة...
إلى قمة الهاوية التي أنهت ما تبقّى من حياتي.
بدأ كل شيء من ذلك الغضب الذي أشعل قلبي وأعمى بصري وبصيرتي،
حتى صرت أتخبط في الطرقات بلا غاية، ولا هدف، ولا وجهة.
مرّت ساعات عدّة، وسيري مستمر لا ينقطع.
ألتقط أنفاسي بصعوبة بالغة.
الأمطار الغزيرة تضرب جسدي الذي اكتسى برداء خفيف لا جدوى منه.
حتى وصلت أمامها...
بشجرها الكثيف، الذي بدا حالك السواد في تلك الليلة المشؤومة،
والذي تلاصق وكأنه جُند يحرس المكان.
إشارة تحذيرية أخرى من القدر أتجاهلها،
ويغيب المنطق عن ذهني فأدخلها غير مكترث بما ينتظرني.
وكأنني طفل يبحث عن ملجأٍ يحميه من البرد القارس ويحتويه بدفء بعد أن خذلني العالم أجمع وتركني.
مع كل خطوة نحو الداخل، كانت الأغصان المتشابكة تخدش وجهي وتمزّق ردائي الخفيف.
بدأت الدماء تسيل من وجهي ويدي، من دون أن تترك ألمًا يُذكر،
فجسدي قد تخدّر ولم أعد أشعر به من شدّة البرد.
تابعت المسير حتى توقّفت أسفل إحدى تلك الأشجار...
كانت شجرةً قديمة، شاسعة الطول والعرض،
وكأنها تسلّلت هاربة من أحد الأفلام الخيالية وحطّت أمامي.
جلست عندها، ليس رغبةً مني، بل لأن قدميّ ما عادتا تحملانني أكثر من ذلك.
أسندت ظهري إلى جذعها الخشن، فشعرت وكأن البرد يتسلل إلى عظامي مباشرة. كان جسدي يرتجف بلا توقف، وصدري يعلو ويهبط بعنف وكأن الهواء نفسه يرفض الدخول إلى رئتيّ. رفعت رأسي ببطء، أتأمل أغصانها المتشابكة التي حجبت القمر، فلم يتبقَّ سوى خيوط شاحبة من الضوء تتسلل بصعوبة، تزيد المكان رهبة بدل أن تطمئنني.
أغمضت عيني للحظة، محاولًا أن أهدئ فوضى أفكاري، لكن الصور لم تتوقف عن مطاردتي. وجوه، كلمات، صرخات مكتومة… كل شيء عاد دفعة واحدة، وكأن ذاكرتي قررت أن تنتقم مني في أضعف لحظاتي. قبضت على صدري بقوة، أحاول كتم ذلك الألم الذي لا أعرف مصدره. لم يكن ألمًا جسديًا فقط، بل شيء أعمق… شيء يشبه ثقلًا هائلًا وُضع فوق روحي. “لماذا أنا هنا؟” تمتمت بصوت مبحوح. لم أكن أبحث عن إجابة، بل عن أي شيء يشتتني عن نفسي. مرّت دقائق، أو ربما ساعات، لم أعد أميز الزمن. المطر بدأ يخف تدريجيًا، لكن البرد ازداد قسوة. حاولت النهوض، إلا أن قدميّ خذلتاني مرة أخرى، فسقطت على ركبتيّ، وارتطم كفيّ بالطين البارد. ضحكت. ضحكة قصيرة، مشوهة، خرجت مني دون وعي. أي سخرية هذه؟ أهرب من حياتي، فأقع أسيرًا في غابة لا أعرفها. رفعت بصري مجددًا نحو الشجرة. في تلك اللحظة، راودني شعور غريب… شعور بأنني لست وحدي. لم أسمع صوتًا، ولم أرَ أحدًا، لكن شيئًا في داخلي كان يصرخ بأن هناك من يراقبني. تلفّت حولي بعصبية. الظلال كانت تتحرك مع الريح، تتراقص على الأرض كأشباح صامتة. ابتلعت ريقي بصعوبة، وحاولت إقناع نفسي أن هذا مجرد وهم سببه التعب والخوف. لكن الإحساس لم يختفِ. بل ازداد. وضعت رأسي بين كفيّ، أتنفس بعمق، أقاوم رغبة عارمة في الصراخ. لم أعد أحتمل ثقل الوحدة، ولا صدى أفكاري، ولا ذلك الصمت الثقيل الذي يضغط على أذنيّ. وفجأة… شعرت بشيء دافئ يسيل على خدي. مددت يدي ببطء ولمسته. دماء. نظرت إلى أصابعي للحظة، ثم تركت يدي تسقط بلا اهتمام. لم أعد أملك طاقة للاهتمام بجسدي أو بجروحي. كل ما أردته هو أن ينتهي هذا الشعور… أن يتوقف كل شيء. أسندت رأسي مجددًا إلى الجذع، وأغمضت عينيّ. وللمرة الأولى منذ ساعات طويلة… استسلمت. غفوت، أو ربما فقدت الوعي، تحت تلك الشجرة التي لم أكن أعلم أنها ستكون بداية النهاية.توقفت عند آخر درجة.الطابق العلوي كان أظلم من الأسفل، ليس بسبب غياب الضوء فقط، بل لأن الهواء نفسه بدا أغمق. كثيف. ساكن. كأنه لا يتحرك منذ سنوات.الممر أمامي ضيق. أرضيته الخشبية مغطاة بطبقة غبار سميكة، وعند نهايته… باب واحد فقط.باب مغلق.خشبه داكن، متشقق، وحوله آثار خدوش طويلة، كأن أحدهم حاول فتحه بأظافر عارية.هنا جاء صوت نير.هادئ… لكنه هذه المرة لم يكن واثقًا كعادته."لا تدخل."تجمدت."ليش؟" همست.ساد صمت قصير.ثم قال:"لأن ما خلف هذا الباب ليس ظلًا عاديًا… وليس ذكرى… وليس بقايا روح."اقتربت خطوة رغم نفسي.الأرضية أصدرت صريرًا خافتًا."شو هو إذًا؟""نقطة ارتباط."وضعت يدي على الحائط لأثبت نفسي."اربط شو بشو؟"صوته انخفض أكثر."البيت بالعقد… والمرأة بالمدينة… وأنت بالاثنين."شعرت بقشعريرة تمر في ظهري."يعني أنا جزء من هاد المكان؟""ليس بعد…" قال نير."لكن إذا فتحت هذا الباب… ستبدأ العملية."نظرت إلى المقبض.كان معدنيًا، صدئًا، عليه بقع داكنة غير واضحة."وإذا ما فتحته؟"ضحك نير بخفة بلا مرح."البيت سيجد طريقة أخرى لإدخالك."صمت ثقيل سقط بيننا.من داخل الغرفة…سمعت الصوت.ليس حركة.لي
أغلقتُ الباب خلفي ببطء، ليس لأنني أردت ذلك، بل لأن يدي كانت ترتجف وكأنها لم تعد تطيعني. الصوت الخافت لانغلاق الخشب خلفي بدا أعلى مما يجب، كأنه إعلان غير مرئي بأنني دخلت منطقة لا عودة منها.الظلام في الداخل لم يكن طبيعيًا. لم يكن مجرد غياب للضوء، بل كثافة سوداء تلتصق بالجدران، تتسلل بين الشقوق، وتتمدد على الأرض كظل حي. حاولت أن أتنفس بعمق، لكن الهواء كان ثقيلًا، محمّلًا برائحة الرطوبة والقدم، كأن هذا البيت لم يُفتح منذ سنوات رغم أنني دخلته قبل أيام فقط."تشعر به الآن، أليس كذلك؟"صوت نير ارتفع في رأسي فجأة، أقرب من أي وقت مضى، واضحًا حدّ الإزعاج.همست وأنا أتقدم خطوة أخرى: "هذا المكان… يتغير."ضحك ضحكة قصيرة بلا دفء. "لا. أنتَ الذي تتغير. العقد بدأ يعمل."توقفت عند بداية الممر الطويل المؤدي إلى الداخل. الأرضية الخشبية أصدرت صريرًا خافتًا تحت قدمي، وكأنها تشتكي من وزني، أو تحذرني من المتابعة. على الجدران، كانت الصور القديمة لا تزال معلقة، إطاراتها متشققة، والزجاج المغبر يخفي الوجوه خلفه. اقتربت من واحدة منها ومسحت الغبار بطرف كمّي.امرأة تقف بجانب نافذة، ملامحها باهتة، وعيناها واسعتان ب
خرجت من بيت الجار الغامض وأنا أحاول استجماع أنفاسي. المدينة حولي لم تعد مألوفة، كل شيء يبدو أعمق ظلاماً، أكثر ثقلاً، وكأن كل شارع يحمل صدى أسرار مخفية. الأصوات، رائحة الرطوبة، صدى خطواتي على الرصيف… كل شيء أصبح أثقل، وكأن الهواء نفسه يحاول كتم أنفاسي. شعرت بأن كل مبنى، كل نافذة، كل باب كان يراقبني، يتربص بي، يهمس بأشياء لم أستطع فهمها بعد، وكأن المدينة نفسها تعرف كل خطواتي، كل نية خفية، كل خوف دفين في صدري. عبرت الشارع ونظرت إلى البيت المقابل… بيت المرأة. كان مفتوحًا على مصراعيه، كما كان في الليلة الماضية. شعرت بقشعريرة تمر عبر جسدي، وذكرت نفسي بالصوت الذي رافقني منذ الأيام الأولى للعقد: نير، همسه البارد في رأسي: "كل خطوة تقربك من ما لم تفهمه بعد…" تقدمت ببطء نحو الباب، وكل خطوة أعادت إليّ صور أول مرة دخلت هذا البيت. الرهبة التي شعرت بها، الأصوات الغامضة القادمة من الطابق العلوي، الطقطقة الخافتة للأثاث، والهمسات التي لم أفهمها بعد. كل شيء بدا حيًا، يراقبني، وكأن البيت نفسه يتنفس، كائن حي يختبر شجاعتي، صبري، وحدسي. شعرت بأن كل زاوية، كل جدار، كل لوحة على الحائط تحمل أسرارًا خفية، رس
كنت أسير في الشوارع الضيقة، كل خطوة تثقل قلبي أكثر من التي قبلها. المدينة من حولي لم تعد مألوفة، كل زاوية، كل نافذة، كل ظل… يبدو أنه يراقبني، كما لو أن الليل كله يعرف كل حركة أقوم بها. الجار الغامض اختفى، لكنه ترك أثره في عقلي. الكلمات التي قالها ما زالت تطنّ: "تحتاج أن تتعلم شيئًا… ليس كل ما تراه يُرى كما هو." توقفت عند زاوية شارع مظلم. هناك، في نافذة مهجورة، لاحظت حركة خافتة. شيئًا… لا أستطيع وصفه بدقة، لكنه كان يراقبني. شعرت بأن جسدي يتجمد. ثم تذكرت كلمات نير: "كل خطوة للأمام ستكلفك أكثر." أدركت أن العقد لم يعد مجرد همس في رأسي… كان يرشّدني، يختبرني، يضغط عليّ لأتجاوز حدودي. شعرت برعشة غريبة، شعور بالقدرة… لكنها لم تكن قوة جسدية. كانت رؤية خفية، فهم للظلال، وشيء في داخلي بدأ يتفاعل مع كل ما حولي. اقتربت خطوة. لاحظت تفاصيل لم أرها من قبل: خطوط على الجدار، رموز صغيرة محفورة، آثار أقدام تتبعني ثم تختفي. كان كل شيء حولي مليئًا بالرسائل… لكنني لم أكن أعرف تفسيرها بعد. ثم حدث أول اختبار حقيقي: سمعت صرخة مكتومة من الداخل، من المبنى المهجور نفسه الذي راقبته الليلة الماضية