أخذت موقفًا آخرًا أراه مهمًا وهو ما يرد في بعض الفرق والمناطق: ليس كل أهل العلم يرون أن صيام عاشوراء واجب أو حتى سنة مؤكدة بنفس الدرجة. فمثلاً طيف من العلماء والعوام يرى أن الاحتفال والتذكّر والمواساة أهم من الصيام في هذا اليوم، خاصة أن بعض المذاهب الروحية ترى أن يوم عاشوراء يوم حزن وذكرى، والصيام قد لا يكون أبلغ تعبير عن المناسبة.
كما أن بعض العلماء المعاصرين يحذرون من جعل يوم واحد مقياسًا للأخلاق الدينية، ويذكّرون بأن أهمية العمل الصالح طيلة العام أكبر من فعل يومي. شخصيًا أقدّر هذه النظرة لأنها توازن بين النص والواقع: أرى فضل صيامه وأحييه عندما أستطيع، لكن أعتبر الأهم أن تجعل ذكر الله والعمل الصالح مستمراً طوال السنة بدل أن تركز كل الجهد على يوم واحد فقط.
من زاوية فقهية دقيقة ومختصرة، أجد أن موقف أهل العلم يميل إلى اعتبار صيام عاشوراء سنة مؤكدة لكن ليست واجبة، وهذا ما يقرّه جمع من المصنفين القدماء والمعاصرين. التوثيق يستند إلى أحاديث تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه، وأنه يكفر السنة السابقة، فلا يرفض عالم عاقل مثل هذا الدليل بسهولة. ومع ذلك الفقهاء فرقوا بين: هل نصبه سنة مؤكدة أم سنة عادِية؟ وفي الغالب صنّفوه ضمن السنن المؤكدة أو المستحبة بقوة.
أما تفاصيل التطبيق فقد اختلفت: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة لديهم تتبع نصوص وروایات وأقوال الأئمة، فبعضهم يوصي بصيام التاسع مع العاشر لتمييز سنة النبي عن اليهود، وبعضهم جعل الأهم هو عدم المبالغة في إثبات فضائل لا أصل لها. الحكم العملي عند كثير من الفقهاء أن المسلم إن صام عاشوراء فقد عمل عملاً محمودًا يستحق الثواب، وإن لم يصمه فلا إثم عليه. أنا أجد هذا التوازن منطقيًا: احترام النص ولاتفاقه على الاستحباب دون أن نصنع من السنن فرائض ملزمة.
أرى أن مسألة صيام يوم عاشوراء عند أهل العلم تُعامل بجدية مع اجتهاد رحب يعتمد على النصوص والسياق التاريخي؛ كثير من العلماء يعتبرونه سنة مؤكدة مبنية على نصوص صحيحة. ورد في الكتاب والسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه، وقال عنه إنه يكفر ذنوب السنة الماضية، وهذا وارد في نصوص صحيحة عند كثير من المحدثين. لذلك العلماء التقليديون —من مختلف المذاهب— يجعلونه من السنن المحببة، وبخاصة أنه ورد بأمر من النبي وليس مجرد مستحب ضعيف.
مع ذلك نجد اختلافات تفصيلية مهمة بين الفقهاء: بعضهم يفضل صيام التاسع مع العاشر لتمييز سنة النبي عن اليهود، وبعضهم يذكر أن الأفضل أن لا يُحال صيام عاشوراء إلى منزلة الصيام المفروض كرمضان. آلاف العلماء عبر التاريخ صنفوا صيامه على أنه سنة مؤكدة أو مستحبة بشدة، لكنهم لم يصلوا إلى حكم الوجوب. وفي الفقه العملي يُنصح بالنية والتوسط؛ إن صمته نافع ومرغوب، وإن تركه ليس محرماً.
أنا شخصياً أميل لأن أتبعه برفق: أصومه مع يوم قبله أو بعده أحياناً، وأحاول أن أراعي الهدف الروحي لا مجرد التقليد الآلي، لأن النصوص تشير إلى فضل الصيام لكن أيضاً تحذر من رفعه إلى منزلة تفوق الفريضة.
2025-12-31 08:20:17
5
查看全部答案
掃碼下載 APP
相關作品
حب الأمس لا يُستعاد
دوار الشمس
10
3.0K
"سيدتي، المديرة العامة يمنى، هل أنتِ متأكدة من أنكِ تريدين نشر هذه الصور ومقاطع الفيديو للسيد سراج والآنسة مها يوم الزفاف؟"
توقّفت يمنى نور الشهابي لحظةً قصيرة، ثم أجابت بحزم: "متأكدة."
"وبالمناسبة، ساعديني أيضًا في إنهاء إجراءات التأشيرة، فسأسافر إلى الخارج يوم الزفاف نفسه، ولا تخبري أحدًا بذلك."
بعد أن أغلقت الخط، وقفت يمنى طويلا في الغرفة.
في صباح اليوم نفسه، اكتشفت يمنى أنّ خطيبها يعيش في عشٍّ صغير مع حبيبته الأولى.
"مها، ما دمتِ لا تطيقين فكرة زفافي، فتعالي بعد شهر لخطف العريس يوم الزفاف وإفساد الزواج إذًا!"
ما إن وصلت يمنى إلى باب ذلك العشّ الصغير، حتى سمعت سراج المنصوري يصرخ بهذه الكلمات لمها الكيلاني.
في اللحظة التالية، ارتمى كلٌّ منهما في حضن الآخر، وتعانقا وتبادلا قبلةً عفويةً لم يستطيعا كبحها.
وقفت يمنى تشاهد هذا المشهد وقلبها يكاد ينفجر من الألم.
حبست يمنى رغبتها في اقتحام الباب، ثم استدارت ومضت.
في تلك اللحظة بالذات، اتّخذت في سرّها قرارًا سيصدم الجميع قريبًا.
بعد شهر، في قاعة الزفاف، ستسبق خطتهم لاختطاف العريس بخطتها هي… الفرار من الزفاف!
إن زوجي مبتلى بشهوةٍ مفرطة، تكاد تفتك به فتكًا. مضت سبع سنين على زواجنا، وما مدّ إليّ يدًا، ولا اقترب مني.
كان كلما ثار، كبح نفسه؛ إذ كان يغمس جسده في ماءٍ كالجليد، يبيت فيه الليل بطوله، حتى يغور البرد في عظامه، ويثقب ذراعيه بالإبر حتى اختفت ذراعه تحت آثار الوغز.
رق قلبي إليه واشفقت على حاله عدة مرات، فتقدمت إليه واقتربت منه، إلا أنه كان يقبل جبيني برقة متحفظة، ويقول بصوتٍ متهدّج:
"شهد، لا تكوني ساذجة! أنا لست كالذين سيطرت عليهم غريزتهم".
"كيف أطيق أن أؤلمكِ؟ يمكنني أن أعيش كالرهبان طوال حياتي لأجلكِ".
ظل على حاله هكذا طوال سبع سنين لا يحيد عنهم، وظل عازمًا على ما لا يطيقه بشر طوال تلك السبع سنوات، حتى أصابه مرض وأودى به إلى المشفى مرارًا، لكنه لم يستسلم ولم يخط خطوة واحدة تجاهي.
وفي ذكرى زواجنا...
حضرت فتاة للمرة التاسعة تطلب مني أن أُجري لها عملية ترميم لغشاء البكارة.
وما إن سرى المخدر في جسدها، حتى احمرّ وجهها، واضطرب وعيها، وانفجرت بالبكاء، كالقطة الصغيرة الضائعة.
هززت رأسي في صمت، وأنا أتأمل آثار القُبَل التي ملأت جسدها، وظننتها واحدةً من الفتيات اللواتي ضللن الطريق وأضعن أنفسهن، حتى سمعتها تقول بصوت يرتجف من البكاء:
"سامح السويدي، أيا الحقير!"
ارتجفت يدي، وكدت أفلت المِشرط من يدي.
فاسم زوجي أيضًا هو سامح السويدي.
عندما علم زوجي أنني تنازلت من تلقاء نفسي عن مشروع بعشرة ملايين دولار إلى مساعدته المقربة إلى قلبه، فظن أن حربه الباردة معي التي دامت ثلاثة أشهر قد أتت ثمارها.
فبادر وعرض عليّ قضاء شهر عسل في جزيرة المرجان.
شعرت مساعدته بغيرة شديدة عندما علمت بالأمر، وأثارت الفوضى مهددةً بترك وظيفتها.
وزوجي الذي لطالما كان يدللها، انتابه الذعر، وبعد مراضاتها ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، استغل رحلة عمل كحجة ليتهرب من شهر العسل مرة أخرى، وأعطى تذكرة شهر العسل إليها.
وبعد ذلك، برر لي الأمر بلا مبالاة.
[الانشغال بمثل هذه الأمور الرومانسية أمر تافه، العمل هو الأهم، بصفتي المدير يجب أن أعطي الأولوية للعمل.]
[أنتِ زوجتي، يجب أن تدعميني.]
حدقت في المنشور الذي نشرته المساعدة على الفيسبوك للتو، ومعه صورة ملحقة لزوجين يسندان رأسيهما إلى بعض، ويقومان بإشارة قلب باليد، فأومأت برأسي فقط دون أن أتكلم.
ظن زوجي أنني أصبحت أكثر تسامحًا وعقلانية، وكان راضيًا جدًا، ووعدني بقضاء شهر عسل أكثر رومانسية بعد أن أعود إلى البلاد.
لكنه لا يعلم.
لقد استقلت، وهو قد وقع وثيقة الطلاق بالفعل.
أنا وهو، لم يعد هناك مستقبل لعلاقتنا.
خمس سنوات مرّت على تلك الحادثة المشؤومة.. خمس سنوات منذ أن دفعت "سهر" جسدها وثمن أنوثتها لإنقاذ شقيقته، فتركت النيران آثارها القاسية على رقة جسدها، وتركت الشفقة والذنب أثرهما على زواجها من رجل الأعمال المليونير "فارس النعمان".
طوال خمسة أعوام، عاشت سهر في سجنه المخملي، قصرٌ بارد كصاحبه. كان يغمرها بأفخر الثياب المحتشمة —ليخفي عيوبها عن أعين مجتمعه— ويقدم لها في كل عيد زواج نفس صندوق الساعات الفاخرة المكررة.. هدايا باهظة تُشترى بالمال لتسد خانة المشاعر الميتة، بينما لم تنظر عيناه يوماً في عينيها بشغف.
لكن في ليلة عيد زواجهما الخامس، وبينما كانت الشموع تذوب في صمت، تلقت سهر الطعنة التي أطاحت بما تبقى من كبريائها كأنثى!
دلفَت إلى غرفته خفية لتسأله عن أمرٍ ما، لتجده غارقاً في عالمه الخاص، يحدق بشغفٍ محموم ورغبة عارمة في شاشة هاتفه.. كان يتأمل صورة عارية لحبيبة عمره الراحلة عن بلاده. نظرة عينيه، وتنهيداته المكتومة، تمنت سهر لو حظيت بربعها طوال سنوات زواجهما البارد، لكنها كانت نظرات محرمة لامرأة أخرى، بينما هي —الزوجة المضحية— مجرد واجهة وواجب ثقيل يهرب منه حتى في فراشهما!
في تلك الليلة بالذات، وتحت مطر تشرين البارد، لم تبكِ سهر.. ولم تصرخ. انهار جدار الصبر وتحول كبرياؤها الجريح إلى قوة مرعبة. خلعت قفازاتها المخملية، تركت صندوق الساعات الممتلئ، ووضعت أوراق الطلاق فوق السرير البارد الذي لم يجمعهما يوماً.. ورحلت في صمت كالظل.
ظنّ فارس أنها مجرد نوبة غضب لامرأة ضعيفة لا تملك من حطام الدنيا شيئاً، وأنها ستعود زاحفة إليه.. لكنه لم يكن يعلم أن تلك النظرة الجارحة أنبتت امرأة أخرى تماماً؛ امرأة بدأت تبني إمبراطوريتها الخاصة من تحت الرماد، وباسم مستعار سيهز سوق الموضة والأناقة في قلب أوروبا!
حين تظهر "سهر الجديدة" بكامل فتنتها وثقتها على شاشات التلفاز، مشعلةً منصات التواصل، سيعرف فارس —لأول مرة— معنى الندم الحقيقي. سيبدأ رحلة مطاردة مجنونة لاستعادة زوجته، ليصطدم بجدار أقسى من جدار قسوته.. كبرياء امرأة نبت من ليلة خذلانها الأخيرة!
رفضتُ أن أتبرعَ بكليتي لأختي، فكان جزائي أن دفعني والداي إلى فراش سيد مدينة الفيروز.
كانوا يرددون أن سيد المدينة لا يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منه، وأن في قلبه حبًا قديمًا لا يموت.
كان الجميع يتربصون بي، ينتظرون سقوطي، لكنه، على غير ما ظنوا، رفعني إلى عنان السماء وأغدق عليّ من حنانه.
خلال ثلاث سنوات من الزواج، كان يعشق التقرب إليّ في كل ركن، حتى وإن كنت في الحمام، كان يدخل، ويضمني إليه عند حافة المغسلة.
لم نستخدم أي واقٍ، ولم نتخذ أي احتياطات. ومع ذلك، لم يحدث حمل.
ظننتُ أنني قد حملتُ أخيرًا، فذهبتُ إلى المستشفى لأتأكد. وهناك، سمعت دون قصد حديثه مع الطبيب: "غسان، قبل ثلاث سنوات طلبتَ مني أن أنتزع سرًا كلية شمس وأزرعها لأختها والآن تطلب مني أن أكذب وأخبرها أنها عاقر... كيف تقسو على امرأة وهبتك حبها؟"
"ليس بيدي. كلية شهد عليلة، إن لم تنجب، فسيذلها أهل زوجها، ولا يصلح لجسد شهد إلا كلية شمس."
كان الصوتُ مألوفًا، لكنَّ برودته جعلتني أشعرُ وكأنني أسمعه للمرة الأولى. وحينها أدركت: كل ما حسبته حبًا ونجاة... ما كان إلا خديعة أخرى.
وما دام الأمر كذلك... فلأرحل.
قابلت دراسات طبية أثارت فضولي حول كيف يؤثر الصيام القصير على الخلايا، وفكرت كثيرًا في ما يمكن أن يربط العلم بفضل يوم مثل عاشوراء. ألاحظ أن العلماء لا يتعاملون مع فضل ديني كمبدأ إيماني، لكنهم يدرسون تأثير الامتناع عن الطعام لفترات قصيرة على الجسد والعقل، وما يخرج من ذلك يمكن أن يفسر بعض الفوائد الصحية التي يشعر بها الناس بعد الصيام.
من الناحية الفسيولوجية، الصيام لمدة 12–24 ساعة يحرّك الجسم من استخدام الجلوكوز إلى حرق الدهون وإنتاج الكيتونات، وهذا التحوّل يعزّز ما يسمّيه الباحثون "التحول الأيضي". مع هذا التحول قد ينشط الالتهام الذاتي للخلايا (autophagy) بدرجة محدودة، وهي عملية تنظيف داخل الخلوي قد تزيل بروتينات معطوبة وتدعم تجديد الخلايا. أيضًا تنخفض مؤشرات الالتهاب وتهبط مستويات الإنسولين، مما يحسّن حساسية الجسم للسكر بشكل مؤقت.
إضافة لذلك، للصيام أثر نفسي واجتماعي؛ الامتناع عن الأكل يعزّز الانضباط الذهني ويزيد من الشعور بالتعاطف مع الفقراء، وهو تأثير نفسي يمكن أن يفسر الشعور بالارتياح الروحي. أعلم أن الأدلة المباشرة على فوائد صيام يوم واحد ما تزال محدودة ومختلفة، لكن عندما تجمع هذه الآليات الفسيولوجية والنفسية يصبح واضحًا لماذا يشعر كثيرون بأن يوم الصيام له أثر خاص، حتى وإن كانت العلوم تفسر ذلك بعيدًا عن قيمة اليوم الدينية بحد ذاتها.
جلسة نقاش حامية في مجلس الحي جعلتني أغوص في مصادر الأحاديث حول صيام يوم عاشوراء، وبصراحة الموضوع أثارني أكثر مما توقعت.
قرأت في مصادر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صام يوم العاشر عندما وجد أهل الكتاب يصومونه، وقد ورد ذلك في كتب الحديث المعتبرة؛ مثلاً تُذكر أحاديث عن ابن عباس في 'صحيح مسلم' و'صحيح البخاري' تفيد أن النبي صامه وأمر بصومه. كذلك هناك روايات تشير إلى أن ما يُرجى من صومه من ثواب يكفر سنة سابقة أو يجزي عن ذنوب بسيطة، وهي روايات قابلة للاعتبار عند كثير من العلماء.
مع ذلك لا يمكن اختزال الأمر بكلمة واحدة: كثير من الفقهاء اعتبروا صوم يوم عاشوراء مستحباً وليس واجباً، لأن القرآن وكل نصوص الوجوب تخص رمضان، فالأحاديث عن عاشوراء تُعطيه منزلة محببة ومرغوبة دون أن تجعله فريضة. كما أن هناك أحاديث لاحقة عن النبي تحث على صوم التاسع مع العاشر لتمييز المسلمين عن اليهود، فالمصلحة الشرعية هنا فيها ضبط للممارسات دون تحويل العاشر إلى عبادة مفروضة.
في خاتمة هذا الجانب، أرى أن الروايات تثبت وجود فضل لصيام يوم عاشوراء بصيغة الاستحباب والتقرب، لكن لا تثبت وجوبه، ومن الحكمة اتباع ما ورد من ضبط للنبي صلى الله عليه وسلم وعدم المبالغة أو التقليل.
منذ أن قرأت تراجم الصحابة عن يوم عاشوراء وأنا أحبّ تتبّع تفسير العلماء له؛ القصة ليست مجرد عادة بل سلسلة أحاديث وروايات وسياقات تاريخية جعلت الحكم الفقهي متوازنًا بين الثواب والتمييز عن ممارسات غيرنا. في أكثر الروايات تداولًا ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم صام يوم عاشوراء وبيّن أنه يوم نجا الله فيه بني إسرائيل على يد موسى، فاستحبّ للناس صيامه تعظيمًا لشكر الله على ذلك، وفي بعض الأحاديث ذكر أنه «يكفر السنة الماضية» أو «عما قبل السنة» لكن العلماء أمّهوا هذا القول بتقييدات: لا يعني إبطالًا تامًا لكل الكبائر ولا يغني عن التوبة الحقيقية، وإنما يُفهم غالبًا كتكفير لزلات صغيرة أو كفّارة محدودة.
عندما يفسّر العلماء هذا الحكم يستندون لعدة أصول: نصوص الحديث، عمل الصحابة أو قولهم، والعقل والمقاصد الشرعية. أكثر الفقهاء على اختلاف مذاهبهم أقرّوا استحباب الصوم يوم العاشر، وبعضهم أضاف استحباب صوم التاسع مع العاشر تمييزًا عن اليهود الذين صاموا يوم العاشر فقط — وهذا تفسير شائع لموصيّة النبي بصيام التاسع والعاشر معًا؛ والراجح عند جمهور العلماء أن الاستحباب ثابت لكن ليس وجوبًا.
وأخيرًا، يضيف العلماء إرشادات عملية: من أراد الأجر فليصم مع نية، ومن الأفضل أن يصوم التاسع والعاشر لئلا يشبه ممارسات اليهود، ومن لم يستطع فلا إثم عليه. هذا التوزيع في الأقوال يعكس حرص العلماء على الجمع بين النقل النبوي والواقع الاجتماعي والبعد الأخلاقي للتشريع، وهو ما يجعل حكم الصوم يوم عاشوراء في نظري مناسبة متوازنة للتدبر والشكر أكثر من أن تكون واجبًا مفروضًا على الصغير والكبير بلا تمييز.
أحب أن أبدأ بتوضيح عملي لأن مسألة فضل صيام 'يوم عاشوراء' مرتّبة في التراث الإسلامي بصورة واضحة إلى حد كبير.
في المصادر الصحيحة نجد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صام 'عاشوراء' وأمر بصيامه؛ ورد ذلك في كتاب السنة، ومن أشهر الروايات أن النبي قال إن صيام يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية. هذه الروايات موجودة في 'صحيح مسلم' ووردت أيضاً إشارات في 'صحيح البخاري' بأن النبي صامه وأمر بصيامه قبل فرض صوم رمضان، ثم صار اختيارياً بعد فرض رمضان. هناك أيضاً حديث صحيح يدل على استحباب تصحيح التمييز عن اليهود بصيام اليوم التاسع مع العاشر أو اليوم الحادي عشر مع العاشر (فليزد أحدكم أو ليكتف).
أما من جهة الفقه، فالعلماء يفسرون هذا الكفّر أحياناً بأنه تكفير للذنوب الصغرى أو تكفير من نوع خاص لا يزعم أنه يعفي من التوبة عن الكبائر بلا سعي. وفي العموم يُجمع الفقهاء على أن صيام 'عاشوراء' مندوب ومستحب وليس فرضاً، وأن الأفضل أن يصادف المسلم في غير رمضان لو أراد الاستفادة من هذا الأجر. عملياً، أنصح دائماً بالاعتدال: استحب صيامه مع الحرص على النية والتوبة والعمل الصالح، وليس الاعتماد عليه وحده كبديل عن الأعمال الأخرى.
أذكر أن أول ما علَّموني عن فضل صيام يوم عاشوراء كان حديث النبي ﷺ عن تكفير السنة الماضية، ويدفعني ذلك دائمًا للتفكير بعمق في معنى المغفرة والرحمة الإلهية.
لقد ورد في الصحيح أن النبي ﷺ قال عن صيام يوم عاشوراء: 'أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها'، وهذا نص واضح عند أهل السنة بأنه ثواب عظيم وصيام مستحب. لكني تعلمت من العلماء أن المقصود هنا هو تكفير الذنوب الصغائر التي لا تحتاج إلى توبة خاصة، أما الذنوب الكبيرة التي تستلزم استغفاراً ونية تامة وحقوق العباد فلا تُمحى بمجرد صيام يوم واحد.
من الناحية العملية، أرى أن صيام عاشوراء فرصة للتقرب إلى الله بعمل متكامل: صيام، وذكر، وصلاة، وصَدَقَة. كما أن هناك سنة عن النبي ﷺ أن يُصام اليوم التاسع مع العاشر لتمييز المسلمين عن اليهود، وهذه السنة متداولة بين العلماء. وبالرغم من جمال هذه الفضيلة، فأنا أحذر من أن نبالغ في الحساب العددي لثواب؛ الجزاء عند الله أكبر مما نحصي، والمهم أن يكون العمل بنية صالحة وإخلاص.
في النهاية، ويبقى عندي شعور دفين بالطمأنينة كلما صمت يوم عاشوراء؛ ليس لأنني أدعي أن الذنوب كلها تُمحى، بل لأنني أرى في ذلك تذكرة برحمة الله وفرصة لتصحيح المسار والنية، وهذا الأثر هو أثمن ما يمكن أن يكافئني به ربي.
اشتعل فضولي منذ أول مرة صادفت فيها رواية النبي ﷺ عن صيام يوم عاشوراء، فبدأت أبحث في متى ضمّ الفقهاء هذا الفضل بشكل صريح في كتبهم الفقهية.
دليل الأصل عندي واضح: الروايات النبوية التي وردت في كتب الحديث هي الأساس. الحديث المشهور في 'Sahih Muslim' عن أن النبي ﷺ وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فصامه قائلاً إنه يكفر ذنوب سنة ماضية، وهذا نصٌ قرره الفقهاء كمِنطلق لفضل الصيام في ذلك اليوم. بعد ذلك، مع تشريع صوم رمضان، وردت أحاديث تفيد أن النبي ﷺ أراد أن يصوم التاسع مع العاشر ليميز أمته عن اليهود، فكتب الفقهاء هذه الأخبار ووضعوها في أبواب الصوم.
أما عن زمن الـ"نص" عند الفقهاء، فهو يظهر في القرون الأولى للمدونة الفقهية: أئمة المدارس الأربعة وتابعيهم (من القرن الثاني إلى الثالث الهجري) أدخلوا صيام يوم عاشوراء ضمن أحكام الأعمال المستحبة، مع تفصيلات حول هل يُستحب الاقتصار على اليوم العاشر أم يفضل التاسع مع العاشر. الإمام مالك في 'Al-Muwatta' ونصوص الحنفية والشافعية والحنابلة كلها تشير إلى فضل الصيام ولكنها تؤكد أنه مستحب وليس واجب، وأنه مشروع تختلف درجات الترغيب فيه بين المذاهب.
أحب أن أختم بملاحظة بسيطة: نُص الفقهاء استند إلى النص النبوي وأُدرج ضمن باب الصيام في المذاهب مبكراً، والاختلاف لم يغير حقيقة أن الصيام فيه ثواب وذكر من السنة، لكن التزامه دائماً مسألة اختيار ومراعاة للسياق الشرعي والشخصي.
أذكر أنني وقفت مرارًا عند نصوص نَبوية قصيرة لكنها قليلة الكلام وكبيرة المعنى حول فضل يوم عاشوراء. في رواية ابن عباس المشهورة، قال النبي ﷺ بعدما رأى اليهود يصومون يوم عاشوراء: صامه وأمر بصيامه لأن فيه نجاة بني إسرائيل من عدوهم، وأضاف أن لنا أحقية بموسى منهم—وهذه الرواية موجودة في مصادر الحديث الكبرى وتُستخدم دائماً كأول سند يعود إليه الناس لبيان سبب صيامه.
ثم هناك النص الآخر المؤثر والمباشر: رواية تفيد أن صوم يوم عاشوراء يكفر ذنوب السنة الماضية؛ عبارة موجزة لكنها تحمل وعدًا رحيمًا للمتصدق بالصيام من الناس. هذا الحديث رُوِيَ في صحيحي الحديث ولهما مكانة عند كثير من العلماء كنص يقوّي سنة الصيام في هذا اليوم. ولا أنسى أني قرأت أيضاً أن النبي ﷺ قال إنه إن بقي إلى العام التالي لصامه مع التاسع ليُمَيِّز عن اليهود، وهذا ما استشَهده الفقهاء لاستحباب صوم اليومين معًا.
من وجهة نظري، هذه الأدلّة النبوية تُظهر أن عاشوراء يحمل دلالة تاريخية وروحية: تأكيد على امتداد الرحمة الإلهية وفرصة للتكفير، ومع ذلك لم يفرضه النبي كفريضة دائمة مثل رمضان، بل تركه مستحبًا مع دليل تشريعي واضح. أنا أحب هذا التوازن بين حرص النص النبوي على تذكّر النعم والمرونة في العبادة، فيعطي المؤمنين فرصة لاختبار خشوعهم وشكرهم من دون تحميل إضافي.
أحاول دائماً أن أفهم كيف يرى الآخرون الأمور قبل أن أحكم، ولذلك أدور في هذا الموضوع من زوايا مختلفة. بالنسبة لسؤال تفسير فضل يوم عاشوراء بين المذاهب: نعم، هناك اختلافات واضحة في التأكيد والمعنى، رغم أن الجميع يعظّم اليوم ويَعتَبِره ذا شأن.
على المستوى السني العام، يُعرض يوم عاشوراء غالباً كذكرى نجاة موسى وقومه، واستحباب صيامه اتباعاً لما ورد عن النبي ﷺ؛ فالتقليد السني يميل إلى اعتبار الصيام سنة مؤكدة أو مستحبة للغاية، مع نصائح عن صيام اليوم التاسع أو الحادي عشر مع العاشر لتمييز ما بين المسلمين ويهود. أما من الناحية الفقهية فالمذاهب السنية تتفق إلى حد كبير على كونه مستحب وليس واجب، مع اختلافات طفيفة في طريقة التيمّن والفضائل المنقولة من الأحاديث.
بالمقابل، يحمل الموقف الشيعي طابعاً تاريخياً وشعورياً أقوى نحو يوم عاشوراء، لأن هذا اليوم مرتبط مباشرة بكربلاء واستشهاد الإمام الحسين. لذلك يهيمن على الذكرى الصبغة الحزينة والمراسم التأبينية: المجالس، اللطم، زيارات القبور، وسرد قصة كربلاء كدرس أخلاقي وسياسي. هذا لا يعني غياب الصوم عند كل الشيعة، ولكن الفعل الطقسي والرمزي يتحول لدى كثيرين إلى حزن ومواجهة للظلم بدلاً من مجرد صيام تطهري. كما أن التقاليد المحلية والتحولات التاريخية أدخلت ممارسات تختلف من بلد لآخر داخل كل طائفة.
في النهاية، أرى أن الاختلاف ليس صراعاً على القدسية بقدر ما هو تنوّع في القراءة والتعبير: سنة تأمّل وامتنان عند بعض المسلمين، ويوم حزن وثورة رمزية عند آخرين، وكل منهما يحمل دلالات روحية واجتماعية مهمة في مجتمعاته.
أجد أن مسألة كفارة الذنوب في يوم عاشوراء تحتاج إلى قراءة تجمع بين النص والسياق، وهذا ما أحاول دائماً عند نقاشي مع الأصدقاء. هناك حديث مشهور مرفوع إلى النبي ﷺ ورد في 'صحيح البخاري' و'صحيح مسلم' يقول إن صوم يوم عاشوراء أحتسبه على الله أن يكفر السنة التي قبله. الفقهاء التقليديون قرأوا هذا النص حرفيًا فاعتبروه فضيلة كبيرة: صيام هذا اليوم من الأعمال التي تمسح الذنوب الصغيرة، وتخفف الحساب، وتعوّض ما فات من التقصير في العبادة.
في الشرح الفقهي تجد تبريرات متعددة؛ أولها اللغوي والأصولي — كلمة 'كفارة' عندهم تفهم على أنها إطفاء للذنب وليس إلغاء للمسؤولية الأخروية الخام، ولهذا التفريق بين الكبائر والصغائر مؤكد لدى كل المدارس. ثانيها المقارنة بالعبادات الأخرى: كما أن الصوم والصدقة والتوبة سبب لغفران السيئات بحسب نصوص متعددة، كذلك صيام عاشوراء يدخل ضمن هذه الأعمال التطهيرية. ثالثًا سياق الحديث التاريخي يربط الأمر بمقارنة مع يهود المدينة الذين كانوا يصومون، والنبي أراد تمييز وتعليم أمته نسقًا من العبادة، لا نصًا يقدّم فدية كلية عن المعاصي الجسيمة.
أحب أن أضع خاتمة عملية: الفقهاء لم يقترحوا أن نكتفي بصيام عاشوراء دون توبة أو إصلاح، بل جعلوه وسيلة من وسائل التقرب التي تُثمَّن إذا رافقها نية صادقة وتوبة عملانية. بهذه النظرة تصبح كفارة عاشوراء متناغمة مع روح الشريعة التي تربط بين العبادة والخلق والعمل الصالح.
أحسّ أن يوم عاشوراء يحتضن استرجاعًا لرحلة طويلة من الصبر والتضحية، ولهذا تجد عندي تركيزًا كبيرًا على نصوص الزيارة والدعاء التي تُحافظ على ذاكرة الحدث.
أول ما أذكره هو 'زيارة عاشوراء'، وهي نص معروف لدى كثير من الشيعة، تُقرأ كزيارة أو دعاء طويل يبعث على الحزن والدعاء للشهداء وطلب العون والثبات. تحتوي الزيارة على سلام وتحية للإمام الحسين عليه السلام، وتردّد فيها عبارات الاستغاثة والاستعانة بالله والثبات على الحق.
بجانبها، أسمع الناس كثيرًا يتضرعون بـ'لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين' — دعاء سيدنا يونس عليه السلام — باعتباره صيحة استغاثة وطلب خلاص، ويُتلفَّت الناس إليه في محن الذكرى. كما أرى أثرًا واضحًا لصلوات الاستغفار والصلاة على النبي 'اللهم صلّ على محمد وآل محمد' والدعاء بالمغفرة للشهداء والثبات على طريق الحق. في مجموعتي الشخصية أحب أن أخلط بين التلاوة، الصدقة، والدعاء بصيغ قصيرة للرحمة والثبات، لأن ذلك يعطيني إحساسًا بأن الذكرى ليست مجرد حزن بل دعاء للتغيير والعون.