Se connecterرواية: ثمن الفضول بقلم: علاء عادل "هناك أبوابٌ أُغلقت لسببٍ ما.. وإذا أغراكَ المجهولُ لفتحها، فلن تدفع الثمن من مالك، بل ستدفعه من عمرك.. ومن دماء ناسك." شلة أصحاب.. ضحك.. هِزار.. وشغف طفولي قادهم لتجربة مغامرة مجنونة لاستكشاف "مغارة شكير" الملعونة. لم يكن أحد منهم يتخيل أن خطوة واحدة داخل بطن الأرض كفيلة بأن تمحو وجودهم من الدنيا لعشرين سنة كاملة! عشرون عاماً قضوها كجثث متحركة في سرداب بلا زمن، بينما في الخارج، كان الآباء والأمهات يموتون حَسرةً وقهراً على اختفاء فلذات أكبادهم. وعندما انكسر رتم المخطوطة القديمة، وعاد من عاد.. لم تكن العودة نجاة، بل كانت بداية الجحيم الأكبر! خالد: الذي فتح الرمز أول مرة، وعقله الآن يتأكل داخل جدران المصحة بفعل فحيح الجن الذي يخبره أن أهله بانتظاره في بطن الأرض. كريم: الذي عاد ليجد نفسه وحيداً، شبه ميت وسط تراب شقته، محاصراً بين ذنب عائلته التي رحلت، ووهم حب طفولته الذي ذبحه من الوريد للوريد. مريم: التي أفاقت من أنانيتها متأخرة، لتبدأ رحلة غفران مكسورة، مستعدة فيها أن تكون جارية تحت قدمي كريم لتداوي جروحاً صنعتها بيديها. بين المخطوطة الملعونة التي تصرخ حين تحترق، والكيانات التي تطالب بإغلاق الدائرة، يجد كريم ومريم أنفسهما في مواجهة الموت والندم.
Voir plusمرت أربع شهور كاملة على الخروج الملعون من بطن الوادي. أربع شهور والزمن الجديد بيدوس على اللي باقي من أرواح الأبطال من غير أي رحمة. في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، كانت حالة خالد بتسوء أكتر وأكتر يوم عن يوم. المهدئات والجرعات اتضاعفت، بس الفحيح في ودانه مكنش بيبطل، وجدران أوضته البيضا بقت مراية بتعرض له وشوش أصحابه الخمسة وهم بيتفحموا، عشان يعيش في جحيم ملوش آخر بسبب ذنب طمعه وفضوله المُميت. أما كريم، فكان عايش في شقته الزوجية شبه ميت؛ جثة بتتحرك بالزق. ملمسش حتة عفش واحدة، ولا مسح ذرة تراب. كان بينام على البلاط الساقع وسط التراب، مبيعملش حاجة غير إنه يطلب أكل جاهز ويرمي زبالته في الأركان، وينام تاني عشان يهرب من مواجهة الواقع. دقنه طولت ع الآخر، وعينيه دبلت ودخلت لجوه، مكسور ومحصور في وجع مزدوج: وجع فراق أهله اللي ماتوا بحرقة قلبهم عليه، ووجع حب الطفولة اللي فضل يحلم بيه من صغره، ولما كبر طلع وهم قتله في الآخر وذبحه من الوريد للوريد. وبرغم إن عدي أربع شهور، كريم مهتمش إنه يجيب تليفون أو خط جديد، كان حابس نفسه في العتمة دي لحد ما يموت. وعشان عرف إن ملوش وريث بعد وفاة أهله، اف
الظلام جوة القاعة السفلية بدأ يتكثف ويتحول لكتل سوداء بتتحرك زي العقارب على الحيطان الصخرية. أنفاس أحمد المتقطعة كانت الصوت الوحيد اللي بيصارع السكوت المرعب، ودمه الساخن ساب علامة دائرية وسط التراب. وفجأة، الهوا الساقط في القاعة اتقلب لـ حرارة جهنمية، وريحة كبريت ونار ضربت مناخيرهم. الصخور المدببة في السقف بدأت تسيح وتنزل على الأرض زي الدموع، ومن قلب الحيطة الصخرية، انشقت الأرض وظهر كائن ضخم، طوله بيعدي السقف، ملامحه مصنوعة من لهب أسود وعيونه عبارة عن جمرتين من نار زرقاء بتبرق بشر ملوش أول من آخر. كان ملك من ملوك الجن الأشرار في الوادي الملعون. الملك بص عليهم من فوق لـ تحت بـ نظرة ساخرة هزت كيانهم، وصوته طلع زي صرير الحديد الصدا وهو بيضرب في ودانهم: "أهلاً بالعابرين.. أهلاً بمن ظنوا أن المخطوطة طوق نجاة، وهي في الأصل صك عبوديتكم للوادي." الكائن خطى خطوة، والنار الزرقاء اللي في عينيه اتعلقت بـ مريم المغمى عليها في حضن كريم، وكمل بـ ضحكة فحيح مرعبة: "أرى في عيونكم رغبة بائسة في النجاة.. الرحلة طالت، والجسد الواهن لا يتحمل. ما رأيكم بصفقة؟ عرض لا يُرفض من ملوك الجحيم.. أستطيع أ
طبول الحرب دبت في أركان العالم السفلي ده، والضحكة الجماعية الملعونة لسه بتصم الودان. الجحافل اللي واقفة قدامهم مكنتش مجرد جن عادي.. دول الكائنات اللي حكموا الأرض والبحر والسما قبل خلق سيدنا آدم بآلاف السنين! الجن الشياطين والعفاريت اللي ماليين المكان بدأوا يصرخوا بهستيريا ويشاوروا على الأربعة، كأنهم بيحرضوا الكائنات العظمى دي عليهم ويقولوا لهم: "البشر هنا! الدخلاء في وسطنا!" التحريض اشتغل زي النار في الهشيم.. وفجأة، المدى كله اتقلب لجحيم متحرك. كريم شال مريم اللي كف إيدها لسه بينزف، وزعق بأعلى صوته: "خالد!! أحمد!! اِجرووووا!!" بدأوا يجروا بجنون على الأرض الزجاجية الملساء، ووراهم انطلقت كيانات مرعبة؛ كائنات طائرة بلهب أسود بتنزل من السما زي الصواعق، ومردة بيشقوا الأرض وراهم. ووسط المعمعة دي والزلزال اللي شق المكان.. انفتحت فجوة زمنية في الفراغ، ومن عدم مطلق، ظهر ديناصور ضخم ومرعب، حجمه كفيل يهد جبال، عينه حمراء وشرسة كأن اللعنة هي اللي محركاه من موته، وأطلق زئير شق القلوب قبل الآذان، وبدأ يندفع وراهم بخطوات بتهد الأرض وتطير الصخر. الكل كان بيجري وهو حاسس إن نَفَسه الأخير قرب، ا
العاصفة الرملية مكنتش بتهدى، كانت بتدور حواليهم زي إعصار عاوز يِفصل كل واحد عن التاني. الفرسان السود وقفوا على بعد خطوات قليلة، الخيل مكنتش بتتنفس هوا، كانت بتطلع من مناخيرها رماد أسود بيسقط على الرمل ويحرق الحصى. الفارس اللي في المقدمة، كان طوله مرعب وجسمه متقفل بدرع مصنوع من صخر بركاني، ومكنش ليه وش ظاهر تحت الخوذة، بس صوته لما طلع، دوت معاه الجبال: "من يعبر أرض نجد ومعه كتاب الملوك.. يدفع الثمن من لحمه، أو يرتد خائباً للعدم." ياسين كان لسه واقف في النص، عيونه السودة تماماً متبتة على الفارس، والحرق اللي في رقبته بدأ يسيل منه دم أسود لزج نزل على صدره. كريم حاول يتقدم عشان يشد ياسين من قفاه ويرجعه ورا، بس أول ما كريم رفع رجله، حس إن الأرض بتجذبه بقوة مغناطيسية غريبة.. الجاذبية في الوادي كانت بتلعب بيهم، خطوة واحدة لقدام كانت بتخليه يحس إن جسمه بيتقل بمقدار جبل. مريم صرخت وهي شايفة الدم بيسيل من صوابعها اللي لزقت في المخطوطة: "خالد! المخطوطة بتتحرك.. الحروف المكتوبة بمية الذهب بتطلع لبرة، كأنها بتستدعي حاجة من تحت الأرض!" خالد بص تحت رجليهم لقى الرمل بدأ يتلون بلون الذهب، والرم
السماء فوقهم كانت بلون "الرصاص"، غيوم تقيلة مابتتحركش كأنها مرسومة بزيت أسود. الأرض تحت رجليهم مكنتش رمل، كانت "رماد" ناعم وساقع، كل ما حد يمشي خطوة، رجله تغرز وتطلع غبار ريحته زي ريحة "الورق المحروق". الخمسة اللي فاضلين (كريم، مريم، خالد، أحمد، زياد) ومعاهم ياسين اللي كان شبه الميت، كانوا مرميي
يقولون إن للجبال ذاكرة، وأن بعض الفجوات الصخرية في جبال الريف المغربية ليست مجرد تجاويف طبيعية، بل هي "أفواه" تنتظر منذ أزمنة سحيقة من يجرؤ على إطعامها. هناك، حيث يمتزج الضباب بالصخر، تقبع مغارة "شيكر"؛ ثقبٌ أسود في خاصرة التاريخ، لا يدخله إلا مغامرٌ أو مجنون. ثمانية رفاق، جمعتهم صداقة العمر وروح
commentaires