Se connecterرواية: ثمن الفضول بقلم: علاء عادل "هناك أبوابٌ أُغلقت لسببٍ ما.. وإذا أغراكَ المجهولُ لفتحها، فلن تدفع الثمن من مالك، بل ستدفعه من عمرك.. ومن دماء ناسك." شلة أصحاب.. ضحك.. هِزار.. وشغف طفولي قادهم لتجربة مغامرة مجنونة لاستكشاف "مغارة شكير" الملعونة. لم يكن أحد منهم يتخيل أن خطوة واحدة داخل بطن الأرض كفيلة بأن تمحو وجودهم من الدنيا لعشرين سنة كاملة! عشرون عاماً قضوها كجثث متحركة في سرداب بلا زمن، بينما في الخارج، كان الآباء والأمهات يموتون حَسرةً وقهراً على اختفاء فلذات أكبادهم. وعندما انكسر رتم المخطوطة القديمة، وعاد من عاد.. لم تكن العودة نجاة، بل كانت بداية الجحيم الأكبر! خالد: الذي فتح الرمز أول مرة، وعقله الآن يتأكل داخل جدران المصحة بفعل فحيح الجن الذي يخبره أن أهله بانتظاره في بطن الأرض. كريم: الذي عاد ليجد نفسه وحيداً، شبه ميت وسط تراب شقته، محاصراً بين ذنب عائلته التي رحلت، ووهم حب طفولته الذي ذبحه من الوريد للوريد. مريم: التي أفاقت من أنانيتها متأخرة، لتبدأ رحلة غفران مكسورة، مستعدة فيها أن تكون جارية تحت قدمي كريم لتداوي جروحاً صنعتها بيديها. بين المخطوطة الملعونة التي تصرخ حين تحترق، والكيانات التي تطالب بإغلاق الدائرة، يجد كريم ومريم أنفسهما في مواجهة الموت والندم.
Voir plusيقولون إن للجبال ذاكرة، وأن بعض الفجوات الصخرية في جبال الريف المغربية ليست مجرد تجاويف طبيعية، بل هي "أفواه" تنتظر منذ أزمنة سحيقة من يجرؤ على إطعامها. هناك، حيث يمتزج الضباب بالصخر، تقبع مغارة "شيكر"؛ ثقبٌ أسود في خاصرة التاريخ، لا يدخله إلا مغامرٌ أو مجنون.
ثمانية رفاق، جمعتهم صداقة العمر وروح المغامرة، انطلقوا من صخب "الدار البيضاء" بحثاً عن ليلة واحدة تحت النجوم، بعيداً عن أضواء الحداثة وزحام الحياة. لم تكن في حساباتهم خرائط الجن، ولا طقوس العبور المنسية. كانوا يظنون أن المغارة مجرد جدران صماء سيملؤونها بضحكاتهم وصورهم التذكارية، ولم يدركوا أن للجدار صوتاً، وللنقوش القديمة جوعاً لا يشبع. في اللحظة التي تلامست فيها يد "خالد" مع ذلك الرمز الغامض المحفور في قلب الظلام، لم يفتح مجرد بوابة، بل كسر الختم الذي يحفظ توازن العوالم. فجأة، لم تعد "شيكر" مجرد مغارة في إقليم تازة، بل تحولت إلى برزخٍ يربط بين أطراف الأرض الملعونة، من رمال الصحاري العطشى وصولاً إلى آبارٍ لا قاع لها يسكنها من طُردوا من الرحمة. هنا، تتوقف قوانين الفيزياء، ويصبح الوقتُ عدواً، والظلُّ كياناً يتربص بصاحبه. في هذه المتاهة الممتدة عبر القارات، سيمتحن الصمتُ عقولهم، وسيختبر الخوفُ معادن قلوبهم. لن تكون المواجهة مع ما يسكن في الظلام فحسب، بل مع الوحوش التي تختبئ داخل كل واحد منهم حين يضيق الخناق. هي رحلة لا تقبل الرجوع، طريقٌ طويل محفوف بالأسرار والقرابين، حيث الصرخة لا تجد صدى، والنجاة لها ثمنٌ لا يطيقه بشر. استعدوا.. فالجبل قد فتح فمه، والمتاهة لا تترك أحداً يعود كما كان. الشمس كانت لسه بتبدأ تغيب في "كازابلانكا"، والجو كان فيه نسمة برد خفيفة جاية من ناحية البحر. في شقة "خالد" الواسعة اللي بتطل على شارع "المعاريف"، كان فيه دوشة غير عادية. الشقة كانت عبارة عن ورشة عمل؛ شنط ظهر مرمية في كل حتة، كابلات شحن، كشافات ليد قوية، وخرائط ورقية قديمة مفروشة على السفرة. خالد كان واقف في نص الصالة، ماسك ورقة وقلم وعمال يشطب على حاجات. خالد هو "الدماغ" بتاعة الشلة، شاب في أواخر العشرين، ملامحه حادة وعينه فيها نظرة تركيز تخوف. هو اللي لقى مكان المغارة دي في مخطوطة قديمة، وهو اللي أقنع الكل إن دي هتبقى "لقطة العمر". خالد (بصوت عالي): "يا جماعة، الـ Power banks شحنت؟ مش عايز حد هناك يقولي موبايلي فصل.. إحنا رايحين حتة مفيش فيها حتى شبكة موبايل." زياد خرج من المطبخ وهو ماسك ساندوتش في إيده وبياكل ببرود: "يا عم فكك، أنت مكبر الموضوع أوي ليه؟ إحنا رايحين نتفسح ونصور فيديوين، مش رايحين نحرر القدس! كله تمام يا ريس." زياد ده بقى "الفرفوش" بتاع المجموعة، مغامر بقلب ميت، بس مشكلته إنه بيستهتر بكل حاجة. وده اللي دايماً بيوقعه في مشاكل مع أحمد. أحمد (وهو باصص في اللابتوب ومركب سماعات): "يا زياد بلاش استهتار، أنا بقالي ساعة بحاول أنزل خرايط الـ Topography للمنطقة ومش لاقي حاجة واضحة.. الجبل هناك غريب، كأن فيه حاجة بتشوش على الأقمار الصناعية." في الركن التاني، كانت سارة قاعدة بتنظف عدسات الكاميرا بتاعتها بتركيز احترافي. سارة هي المصورة، وعينها دايما بتشوف الكادر قبل ما يتصور. وجنبها كانت قاعدة هالة، البلوجر المشهورة، اللي كانت مشغولة بتعمل "ستوري" لجمهورها. هالة (بصوت "دلع" للكاميرا): "هاي يا جماعة! بكره هنبدأ أقوى مغامرة في حياتي.. هنروح لمكان سري في جبال الريف، مكان مفيش بلوجر في الوطن العربي دخله قبل كدة.. استنوني!" ياسين (جوز هالة) كان واقف وراها بيبتسم، بس جواه كان قلقان عليها. ياسين مهندس مدني، راجل عملي جداً ومبيحبش المخاطرة، بس وافق يروح عشان هالة مش عايزة تروح من غيره. أما كريم ومريم، فكانوا قاعدين على الكنبة بعيد شوية. كريم كان بيحاول يكلم مريم وهي ساكتة وبتبص في كتاب قديم جلدته متآكلة. مريم هي "الغامضة" في الشلة، مهتمة جداً بعلم الآثار والرموز القديمة، والكتاب ده هو اللي فيه سر "مغارة شيكر". كريم (بيهمس لمريم): "مريم، أنتي من ساعة ما فتحتي الكتاب ده وأنتي مش معانا خالص.. لو مش عايزة تروحي قوليلي وهنعتذر." مريم (رفعت عينها وبصتله بنظرة غريبة): "لازم نروح يا كريم.. الرموز دي بتناديني. بس خايفة.. خايفة إننا بنفتح باب مش هنعرف نقفله تاني." خالد قطع كلامهم وهو بيصفق بإيده: "خلاص يا شباب! العربيات هتتحرك الفجر. الكل ينام ساعتين دلوقتي عشان الطريق لـ 'تازة' طويل وصعب. بكره، حياتنا كلها هتتغير." خالد كان عنده حق؛ حياتهم فعلاً كانت هتتغير.. بس للأسوأ بكتير مما يتخيلوا. الفجر بدأ يشقشق في شوارع "كازابلانكا"، والمدينة اللي مابتنامش كانت لسه بتبدأ تاخد نَفَسها. قدام العمارة، كان فيه عربيتين جيب سود واقفين، المواتير دايرة وصوتها هادي في سكون الفجر، والدخان طالع من الشكمان بيترسم في الهوا البارد. (العربية الأولى: خالد، مريم، كريم، وأحمد) (العربية الثانية: زياد، سارة، ياسين، وهالة) خالد كان واقف بره العربية، لابس جاكيت جبل تقيل، وماسك جهاز "لاسلكي" بيجربه مع زياد. خالد (في اللاسلكي): "زياد، سامعني؟ الاختبار الأول.. شغال عندك؟" زياد (صوته طالع بوشوشة وضخك): "سامعك يا جنرال، بس الصوت تحس إننا في حرب العالمية التانية.. فكك من اللاسلكي ده، إحنا معانا موبايلاتنا والشبكة زي الفل لغاية ما نوصل." خالد (بضيق): "زياد، قولتلك هناك مفيش شبكة! اللاسلكي ده هو اللي هيربطنا ببعض لو حد تاه.. التزم بالكلام اللي قولناه." ركب خالد العربية وداس بنزين، والرحلة بدأت فعلياً. الطريق من الدار البيضاء لتازة بياخد حوالي 4 لـ 5 ساعات، وطول الطريق ده، الشخصيات بدأت تظهر أكتر. في العربية الأولى: أحمد كان قاعد ورا، فاتح اللابتوب وموصله بجهاز استقبال غريب. أحمد: "يا خالد، أنا لسه مش لاقي تفسير للتشويش اللي بيحصل كل ما أقرب من إحداثيات المغارة على الخريطة.. كأن المنطقة دي ممسوحة من الـ GPS." مريم (من غير ما تبص له): "مش ممسوحة يا أحمد.. هي بس مش عايزة حد يشوفها. المخطوطة بتقول إن مغارة 'شيكر' بتغير مكانها في عيون اللي مش مؤمن بوجودها." كريم (بيضحك وهو بيبص لمريم): "يا حبيبتي بلاش جو الأساطير ده دلوقتي، إحنا لسه في أول الطريق وبدأنا نخوف بعض؟ أحمد قصده أكيد فيه تداخل مغناطيسي بسبب المعادن اللي في الجبل." في العربية الثانية (عربية الفرفشة والتوتر): سارة كانت مطلعة الكاميرا من الشباك وبتصور الطريق والشجر اللي بيجري وراهم. سارة: "يا جماعة النور هنا تحفة! بجد الصور هتطلع عالمية.. هالة، اعملي بوز (Pose) كدة كأنك بتبصي للطريق بتأمل." هالة (بتعدل طرحتها وبتبص للكاميرا): "ياسين، أنت شكلك مش نايم كويس، وشك أصفر ليه؟" ياسين (وهو باصص للطريق وقبض ايده على الكرسي): "مش عارف يا هالة، حاسس بصدع مفاجئ، وأول مرة يحصلي كدة.. الطريق ده رخم أوي والملفات فيه تقلب البطن." زياد (بيغني بصوت عالي): "يا جماعة فكوا! إحنا رايحين نعمل تاريخ! بكره لما نرجع والناس تشوف الفيديو، الكل هيتمنى يكون مكاننا." بعد كام ساعة، الجو بدأ يتغير. الخضرة بدأت تقل، والجبال بقت أضخم وأشرس. الصخور بقت لونها غامق، والمنحدرات بقت تخوف. وصلوا لمدينة "تازة"، ومنها بدأوا يدخلوا في طرق جبلية ضيقة مكسرة، لغاية ما الطريق خلص تماماً وبقت الأرض عبارة عن تراب وحجارة. خالد وقف العربية مرة واحدة ونزل. الكل نزل وراه، والسكوت كان "مرعب". مفيش صوت عصفورة، مفيش صوت ريح، مفيش غير صوت أنفاسهم هما الثمانية. خالد (وهو بيشاور على فتحة في الجبل من بعيد): "هي دي.. مغارة 'شيكر'. من أول هنا، المشي هيبقى على الرجلينا.. الكل يلبس معداته، والكشافات تبقى جاهزة." في اللحظة دي، مريم وقفت مكانها، وشها بقى شاحب زي الورقة البيضا، وبصت للأرض لقت "جمجمة" حيوان صغيرة، بس متكسرة بشكل غريب، كأن حاجة "عضتها" بقوة مش بشرية. مريم (بصوت بيترعش): "خالد.. الريحة دي.. أنت مش شامم ريحة حاجة محروقة؟" زياد (وهو بيقرب منها): "يا مريم ده أكيد راعي غنم كان مولع نار هنا ولا حاجة، متكبريش الموضوع.. يلا بينا!" بدأوا يمشوا في خط واحد نحو "بوق" المغارة اللي كان باين من بعيد كأنه "قبر" مفتوح مستنيهم. الهواء جوه المغارة كان تقيل، ريحته صدى وكبريت وتراب قديم، كأنك بتتنفس "ماضي" ميت. الضوء اللي جاي من بره بدأ يصغر ويصغر لغاية ما بقى مجرد نقطة بيضا بعيدة، وبعدها اختفى تماماً لما الممر لَف بيهم أول لفة. خالد (صوته طالع بصدى مرعب): "ثبتوا الكشافات في الأرض.. مش عايز حد عينه تروح بعيد عن رجل اللي قدامه. الأرض هنا غدارة، وأي كعبلة ممكن تكسر رجل حد فينا." خالد كان ماشي في الأول، ماسك كشافه اللي بيشق العتمة، ووراه مريم اللي كانت ماشية ببطء، وجسمها كله بيترعش. كريم كان ماشي وراها بظبط، عينه مابتفارقهاش، وكل ما مريم تتكعبل كان بيمد إيده يسندها تلقائي، بس هي كانت بتسحب إيدها منه "بتقاوح" وبتبص قدامها بجمود، كأن لمسته بتهين كرامتها. كريم (بصوت مخنوق): "يا مريم بلاش عناد، الجو هنا مش بتاع خناق.. امسكي في دراعي عشان ماتقعيش." مريم (ردت ببرود): "خليك في حالك يا كريم، أنا عارفة بمشي إزاي." كريم سكت، ملامحه كان فيها "وجع" مداريه ورا قناع السيطرة، بس فجأة الممر الضيق ده انفتح على "فراغ" مهول. قاعة واسعة لدرجة إن نور كشافاتهم مكنش جايب أخرها. وفي نص القاعة دي، كان واقف "العمود الأسود". عمود صخري طالع من قلب الأرض وواصل للسقف، وملمسه ناعم بشكل مريب، وفي نصه بالظبط كانت محفورة "عين" ضخمة، جواها مثلثات متداخلة بتتحرك كأنها تروس في ساعة قديمة. أحمد (وهو بيبص في جهازه بذهول): "يا جماعة.. الساعة بتاعتي وقفت! والبوصلة بقت بتلف حولين نفسها.. المكان ده فيه طاقة مش طبيعية!" خالد مشي ناحية العمود بخطوات آلية، كأنه مسحور. مكنش سامع حد، ولا شايف الرعب اللي في عيون أصحابه. مريم فتحت المخطوطة بسرعة، وأول ما شافت الرسمة اللي فيها، وشها بقى أبيض زي الورق. مريم (بصرخة تحذير): "خالد! ابعد عن العمود! المخطوطة بتقول إن العين دي بتبلع الروح اللي بتلمسها.. ارجع لورا!" مريم جرت عشان تشده، بس اتكعبلت في صخرة حادة وكانت هتقع بوشها، وفي لحظة، كريم رمى نفسه تحتها، جسمه خبط في الصخر بقوة عشان هي تسند عليه وما تتجرحش. مريم بصت له بذهول، شافت في عينه خوف حقيقي عليها، خوف ملوش علاقة بالسيطرة ولا "الغصب"، بس في الثانية دي.. كان صباع خالد لمس مركز "العين". الأرض "زأرت" زئير خلى الصخور تقع من السقف. الرمز اللي في العمود فجأة "نور" بلون أحمر قاني كأنه دم بيغلي، والضوء ده انتشر في الشقوق زي البرق. خالد صرخ صرخة وجع قطعت نياط القلب، وإيده "اتلحمت" في الصخر، وجسمه بدأ "يشف" ويختفي وسط الدخان الأحمر. فجأة، انفجرت موجة ضغط طيرت الكل لبعيد. الأرض انشقت تحت رجليهم، وكل واحد فيهم بدأ يتسحب لجوه "فجوة" سودة. مريم لقت نفسها بتطير في الفراغ، وكريم كان ماسك في إيدها بضوافره، عروق إيده كانت هتنفجر وهو بيحاول يشدها لبره. كريم (وهو بيصرخ): "مش هسيبك يا مريم! امسكي فيا قوي!" مريم في اللحظة دي، وهي شايفة كريم بيضحي بنفسه عشانها، حست بـ "ندم" حارق، كانت عايزة تقوله "أنا آسفة"، بس الضوء الأحمر غطى على كل حاجة.. وساد سكون القبر. الضوء الأحمر اللي طلع من العمود الأسود جوه المغارة كان عامل زي "انفجار صامت"، ملاه المكان كله وعمى عينيهم لثواني، وفي اللحظة دي حَسوا إن الأرض بتتشد من تحتهم. السقوط مكنش لتحت، كان "للجناب"، كأن الجبل بيتعصر بيهم. وفجأة، الهزة وقفت، والهدوء اللي ساد كان ألعن من صوت الانفجار. مريم بدأت تفتح عينيها ببطء، كانت نايمة على أرض "غريبة"، ملمسها زي البودرة بس ساقعة جداً. بدأت تكح وهي بتحاول تقوم، ولعت كشاف الراس بتاعها، والنور كشف صدمة: هما مابقوش في مغارة شيكر الضيقة. هما بقوا في مكان واسع جداً، صخور سودة ضخمة طالعة من الأرض زي السنان، والرملة تحتهم لونها "رمادي غامق" كأنها رماد جثث محروقة. والسما فوقيهم مفيش فيها سقف صخري، لكن فيها غيوم تقيلة ولونها بنفسجي غامق ومابتتحركش. خالد (وهو بيقوم بصعوبة وبيمسح وشه): "الكل ينده على اسمه.. عايزين نعرف مين لسه صاحي. أنا خالد." زياد (بصوت مهزوز): "أنا زياد.. أنا هنا." ياسين وهالة: "إحنا هنا.. إحنا كويسين." أحمد وكريم ومريم: "موجودين." الكل بدأ يولع كشافاته، والدوائر البيضا بدأت ترقص على الرملة الرمادي. سارة كانت واقفة بعيد عنهم بحوالي 5 متر، كانت ماسكة الكاميرا وبتحاول تصور "السما البنفسجي" دي بذهول، وصوت الـ (Shutter) بتاع الكاميرا "تك.. تك.. تك.." كان هو الصوت الوحيد المسموع في المكان. خالد (بزعّيق): "أحمد، شيك على الأجهزة! إحنا فين؟ دي مش المغرب مستحيل!" أحمد (وهو بيخبط على شاشة التابلت): "يا خالد مفيش إشارة! الساعة واقفة عند اللحظة اللي لمست فيها العمود.. إحنا كأننا خرجنا بره الوقت!" كريم (وهو بيشد مريم وراه): "أنا مش مطمن للمكان ده.. مريم، الكتاب اللي في إيدك ده بيقول إيه عن السواد اللي إحنا فيه؟" مريم (بصوت بيترعش وهي بتبص في المخطوطة تحت نور الكشاف): "المخطوطة بتقول.. 'إذا سكن الهوا، فاعلم أن الحارس قد استيقظ'.. وبتقول لازم نفضل نتكلم.. السكوت هنا خطر!" زياد (بيحاول يلطف الجو): "يا مريم بلاش خرافات، سارة أنتي بتصوري إيه؟ وريني كدة الصور اللي طلعت معاكي." زياد مشي ناحية المكان اللي كانت واقفة فيه سارة. النور بتاع كشافه كان لسه جايب "ضهرها" وهي واقفة ثابتة مابتتحركش والكاميرا على عينها. زياد: "سارة؟ يا بنتي ردي عليا.. أنتي اتخضيتي ولا إيه؟" زياد مد إيده عشان يلمس كتفها.. بس إيده "عدت في الفراغ"! الكل وجه كشافاته مرة واحدة على مكانها.. سارة مكنتش موجودة. اللي كان واقف وموجه الكاميرا للسما مكنش سارة، ده كان "دخان كثيف" واخد شكل جسمها، وأول ما زياد لمسه اتبعثر في الهوا واختفى. هالة (بصراخ هستيري): "سارة فين؟! كانت واقفة قدامنا! أنا كنت سامعة صوت الكاميرا!" الكل جرى على المكان اللي كانت واقفة فيه.. لقى "كاميرا سارة" واقفة على "ترايبود" (حامل) ومنصوبة بدقة احترافية، لكن مفيش أثر لسارة نفسها. ولا حتى خطوة رجل واحدة على الرماد. خالد مسك الكاميرا وبص في الشاشة عشان يشوف هي كانت بتصور إيه.. ولما شاف الصورة، كشافه وقع من إيده من الرعب. الصورة الأخيرة اللي سارة صورتها مكنتش للسما.. كانت "ليهم هما الثمانية" وهما لسه واقعين على الأرض بيفوقوا، بس كان فيه "حاجة سودة" ضخمة وطويلة جداً واقفة وراهم ومادة إيديها اللي شبه الغصون فوق روسهم.. وسارة كانت باينة في طرف الكادر وهي بتصور، بس كانت "بتعيط دم". خالد (بهمس ميت): "سارة اتخطفت من قبل ما نفوق أصلاً.. اللي كانت واقفة بتصور دي مكنتش هي." وفجأة، طلع صوت "ضحكة بناتي" رفيعة من ورا صخرة ضخمة قدامهم.. ضحكة تشبه ضحكة سارة بالظبط، بس كانت باردة وبتنتهي بصوت "تزييق" عضم. السكوت اللي جه بعد ضحكة سارة كان ألعن من الصرخة. الكل اتسمّر في مكانه، والأنفاس بقت مسموعة لدرجة تخوف. الضوء البنفسجي الباهت اللي في السما بدأ يضلم أكتر، وكأن المكان "بيبلع" النور. زياد (بصوت مخنوق وكأنه هيعيط): "دي ضحكتها.. والله دي ضحكة سارة. يا خالد هي بتلعب معانا؟ سارة! اطلعي بلاش هزار ماسخ في الوقت ده!" زياد أخد خطوة ناحية الصخرة اللي طلع منها الصوت، بس خالد مسكه من قفاه بقوة ورجعه لورا. خالد (بزعيق مكتوم): "أنت مجنون؟ أنت ماشفتش الصورة؟ اللي ضحكت دي مش سارة.. سارة لو كانت هنا كانت نادت علينا." كريم (وهو بيشد مريم وراه وبيرجع بضهره): "خالد عنده حق. إحنا لازم نتحرك من هنا حالاً. المكان ده رمال متحركة، وكل ثانية بنقف فيها بنغرز أكتر. مريم.. المخطوطة قالت نمشي فين؟" مريم (إيدها بتترعش وهي بتقلب الصفحات تحت ضوء الكشاف): "مكتوب.. 'اتبع الظل المقلوب، ولا تنظر للخلف إن ناداك الراحلون'. يا جماعة، المخطوطة بتقول لو سمعنا صوت حد نعرفه بينادينا.. محدش يبص وراه!" فجأة، الأرض "اتنفضت" نفضة خفيفة، والرماد الرمادي اللي تحت رجليهم بدأ "يغلي". من ورا الصخور السودة، بدأت تظهر خيالات طويلة جداً، أطول من البني آدمين بكتير، كانت بتتحرك ببطء وتقرب منهم في دايرة. أحمد (وهو بيبص في جهازه اللي بدأ ينور أحمر): "يا جماعة.. فيه موجات صوتية 'تحت سمعية' بتبدأ تعلى.. دي بتدمر الأعصاب! لازم نتحرك دلوقتي!" خالد: "كله يمسك في شنطة اللي قدامه! هنعمل سلسلة.. أنا في الأول، وكريم في الآخر عشان يلم الصف. يلا!" بدأوا يمشوا بخطوات سريعة وسط الرماد. مريم كانت حاسة إن رجلها بتغرز لغاية الكاحل مع كل خطوة، والجو بقى ريحته "زناخة" كأن فيه جيفة قريبة منهم. وهم ماشيين، بدأ الهمس يعلى.. أصوات كتير، متداخلة، كلها بتنادي أساميهم بـ "نفس النبرة" الهادية المرعبة. صوت (شبه صوت سارة): "زياد.. استنى.. الكاميرا وقعت مني.. ساعدني يا زياد." زياد جسمه اتنفض، وكان لسه هيلتفت، بس كريم اللي كان وراه خبطه في ضهره بقوة: "اوعى تبص وراك! كمل مشي يا زياد!" وفجأة، هالة صرخت وصوتها اتقطع. الكل وقف وبص ناحيتها (من غير ما يلفوا لورا بالكامل). هالة كانت واقفة، بس "رجلها" كانت بتتسحب لتحت الرملة بسرعة مرعبة. ياسين كان ماسك إيدها بكل قوته وهو بيصرخ. ياسين: "خالد! إلحقني! الأرض بتبلعها! هالة بتغرق في الرملة!" خالد وأحمد جريوا عليهم ومسكوا هالة من كتافها، وبدأوا يشدوا "قصاد" الرملة. هالة كانت بتصوت من الوجع، لأنها كانت حاسة إن فيه "إيدين" تحت الرملة ماسكة رجلها وبتشدها لتحت. هالة (ببكاء هستيري): "فيه حاجة ماسكة رجلي! حاجة ضوافرها بتدخل في لحمي! يا سييييين سيبني وجع.. وجع قوي!" في اللحظة دي، مريم بصت للمخطوطة لقت كلام جديد بيظهر باللون الأحمر: 'الأرض لا تشبع إلا بالدم.. فدية الواحد تنجي الجماعة'. مريم رفعت عينها وشافت حاجة خلت قلبها يقف. ورا ياسين وهالة، وسط العتمة، شافت "سارة".. كانت واقفة، بس مكنش ليها وش، كان مكان وشها "فراغ أسود"، وكانت بتشاور لهالة بـ "باي باي" ببرود مستفز. مريم (بصراخ): "شدوها! بسرعة! متبصوش وراكم!" بأعجوبة، وبقوة يائسة، خالد وياسين شدوا هالة لبره. هالة طلعت وهي بتنهج، بس المنظر كان بشع.. البنطلون بتاعها كان متقطع، ورجلها من تحت مليانة "خربشة" زرقاء غامقة، كأن إيدين حديد كانت قافشة فيها. خالد (وهو بيقوم وبينهج): "محدش يقف! اللي هيقف الأرض هتبلعه! قدامنا ممر صخري هناك.. ده المكان الوحيد اللي أرضيته صلبة.. يلااااا!" جروا كلهم ناحية الممر الصخري، وهم بيسمعوا وراهم صوت "زحف" تقيل على الرملة، كأن فيه جيش من "الحاجات" دي بيجري وراهم. أول ما رجليهم لمست الصخر، الهزة وقفت، والهمس سكت مرة واحدة. وقفوا كلهم ينهجوا، وبصوا لبعض.. الكل كان وشه أصفر زي الليمون. كريم (بص لمريم اللي كانت بتعيط وبينهج): "أنتي كويسة؟" مريم هزت راسها وهي مش قادرة تنطق، بس عينها كانت لسه على الرماد اللي سابوه.. الرماد اللي بدأ "يتشكل" ويعمل شكل "وش" ضخم بيضحك عليهم. المجموعة كانت واقفة على "الممر الصخري" بتنهج نهجان هستيري، الصمت اللي ساد فجأة كان صمت تقيل لدرجة إنه بيصفر في الودان. هالة كانت مرمية في حضن ياسين وهي بتترعش ومنظر رجلها اللي مليانة خربشة زرقاء كان يقطع القلب. كريم (بصوت زي الرعد وهو بيبص لخالد): "عاجبك كدة؟ عاجبك اللي إحنا فيه ده يا خالد؟ سارة ضاعت وهالة كانت هتروح لولا الستر.. إيه المكان القذر اللي إنت جبتنا فيه ده؟" خالد (وهو بيمسح العرق والدم من على جبهته): "أنا مجبتش حد هنا يا كريم! إحنا كلنا كنا موافقين.. وبعدين إنت شايفني ماسك ريموت كنترول في إيدي؟ أنا إيدي لسه بتتحرق من لمسة العمود!" زياد (بصراخ وهو بيلف حوالين نفسه): "بس سارة موجودة! أنا سامع صوتها.. أنا لازم أرجع أجيبها، سارة متموتش كدة، سارة أقوى من كدة!" أحمد (بجمود وهو باصص في شاشة الجهاز): "محدش هيرجع.. اللي بيرجع في المكان ده مابيرجعش لينا يا زياد. بصوا وراكم كدة." الكل بص ناحية الرملة الرمادي اللي لسه سايبينها. الرماد كان "بيتموج" لوحده كأن فيه تعابين عملاقة ماشية تحته، وفجأة ظهرت "خيالات" سودة واقفة على حدود الممر الصخري.. خيالات ملهاش ملامح، بس ليها طول فظيع، واقفين صف واحد كأنهم حراس بيمنعوهم يرجعوا، والهمس بدأ يعلى تاني: "خالد.. مريم.. كريم.." مريم (بصوت مبحوح وهي ماسكة المخطوطة بقوة): "محدش يرد عليهم.. ومحدش يبص في عينيهم. المخطوطة بتقول إننا في 'ممر العبور'.. والممر ده مابيمشيش غير في اتجاه واحد. لو وقفنا هنا، الصخر ده نفسه هيتحول لرمال." كريم (بص لمريم بنظرة فيها استهزاء ممزوج بخوف): "يعني إيه يا ست مريم؟ يعني نفضل نمشي للأبد في الظلمة دي؟" مريم (قربت منه وبصت في عينيه، ولأول مرة صوتها مكنش فيه قساوة): "لازم نمشي يا كريم.. لازم نوصل لآخر الممر ده. المخطوطة بتقول فيه 'بوابة' تانية في الآخر، بس البوابة دي مابتفتحش غير بـ 'مفتاح'.. والمفتاح ده واحد مننا." الكلمة وقعت عليهم زي الصاعقة. "واحد مننا". الكل بدأ يبص لبعضه بشك، الرعب بدأ يتحول لـ "بارانويا". كريم قرب من مريم وخدها في حضنه بقوة، كأنه بيخبيها من نظراتهم، وهي لأول مرة مستسلمتش لدفعه، بل بالعكس، غرزت راسها في صدره كأنها بتدور على الأمان اللي كانت بترفضه. خالد (بحسم): "يلا.. مفيش وقت للشك. أحمد، كشافك يفضل قدام، ياسين، شيل هالة لو مش قادرة تمشي. إحنا هنمشي في الممر ده لغاية ما نشوف آخره." بدأوا يمشوا في الممر الصخري الضيق. الحيطان كانت مليانة بنقوش غريبة، صور لناس ملامحهم بتبكي، وصور لحيوانات ملهاش وجود. الهوا بدأ يبقى أبرد، وريحة "بخور" قديمة بدأت تظهر في الجو. فجأة، الممر وسع ووصلوا لـ "جسر" حجري قديم جداً، معلق فوق هاوية سحيقة مبيبانش ليها آخر. الجسر كان ضيق، ومفيش ليه سور، وتحته كان فيه "سحاب أسود" بيتحرك ببطء وصوت "عويل" طالع منه. هالة (بشهقة رعب): "أنا مش همشي على البتاع ده! إحنا هنقع! ياسين متخليهمش يمشونا هنا!" ياسين: "اهدي يا هالة.. أنا معاكي، مفيش حل تاني." وهم بيبدأوا يخطوا أول خطوة على الجسر، سمعوا صوت "خطوات" وراهم.. خطوات تقيلة ومنتظمة. الكل جمد مكانه. لما وجهوا الكشافات وراهم، شافوا "سارة".. كانت واقفة في أول الجسر، لابسة نفس لبسها، وماسكة الكاميرا، بس وشها كان "ممسوح" تماماً، وبدأت تمشي ناحيتهم ببطء وهي بتردد بصوت آلي: "استنوني.. أنا لسه مخلصتش تصوير.. استنوني.." زياد (بانهيار): "سارة؟ سارة أنتي رجعتي؟" خالد (بزعّيق): "دي مش سارة يا زياد! اجررررروا! الجسر بدأ ينهار!" فعلاً، الحجارة بتاعة الجسر بدأت تقع في الهاوية واحد ورا التاني من وراهم، والكيان اللي شبه سارة كان بيقرب بسرعة مرعبة وهو بيضحك ضحكة مريضة هزت الجسر كله. الجسر الحجري كان بيتهز تحت رجليهم كأنه وتر مشدود، وصوت انهيار الحجارة وراهم وهي بتقع في الهاوية كان بيعمل صدى "مرعب" يخلي القلب يقف. الضباب الأسود اللي تحت الجسر بدأ يطلع لفوق، ريحته كانت زي ريحة الورد الميت، حاجة بتدوخ وبتسحب الوعي. خالد (بزعيق وهو بيزقهم قدامه): "محدش يقف! اللي هيقف الجسر هياخده وينزل! أحمد، خد مريم وزياد في إيدك ويلا!" زياد (وهو بيبص وراه بذهول): "يا خالد دي سارة! والله دي هدومها.. بصوا على السلسلة اللي في رقبتها! سارة استني!" كريم (ضرب زياد قلم فوقه): "فوق يا روح أمك! اللي وراك دي لابة (كيان) واخدة شكلها عشان توقعنا! بص على رجليها وهي ماشية!" زياد بص وشهق.. الكيان اللي واخد شكل سارة مكنش بيمشي على الحجارة، كان "بيطير" فوقيها بملي مترات، ورجليه كانت عبارة عن "دخان أسود" متجمد، والحجارة اللي بيعدي عليها كانت بتتحول لرماد في ثانية. هالة (بصراخ وهي بتعرج وساندة على ياسين): "ياسين أنا مش قادرة! رجلي بتتحرق.. النار بتاكل فيا!" ياسين بص على رجل هالة، لقى الخربشة الزرقاء بدأت "تنور" وتطلع دخان، وكأن اللعنة اللي أصابتها في الرملة بدأت تنشط دلوقتي . هالة وقعت على ركبها في نص الجسر، والجسر بدأ يتشرخ تحتها. ياسين (بانهيار): "خالد! كريم! إلحقوني.. هالة وقعت!" خالد وكريم رجعوا بسرعة، كل واحد فيهم ماسك طرف من دراع هالة وبيحاولوا يرفعوها، بس هالة كانت "تقيلة" بشكل غير طبيعي، كأنها مربوطة في الأرض بحديد. مريم (وهي باصة في المخطوطة بذهول): "يا جماعة الجسر ده بيقرأ الخوف! كل ما تخافوا أكتر الحجر هيضعف! كريم.. خالد.. ارموا الخوف ورا ظهركم!" كريم (وهو عروق رقبته بارزة ومحمل على رجله بكل قوته): "امسكي في رقبتي يا هالة! ارفعي رجلك يا بنتي!" في اللحظة دي، الكيان اللي شبه سارة وصل عندهم. وقف على بعد مترين، ورفع الكاميرا بتاعته "المكسورة" ووجهها ليهم. صوت فلاش الكاميرا ضرب في عينيهم زي الصاعقة، نور أبيض عمى الكل لثانية، وفي وسط النور ده، سمعوا صوت "سارة" الحقيقي وهي بتهمس في ودانهم كلهم في وقت واحد: "ساعدوني.. أنا لسه جوه الصخر.. ساعدوني" زياد (فقد أعصابه تماماً): "سارة أنا جيلك!" زياد ساب إيد مريم وجرى ناحية الكيان. خالد صرخ فيه بس مكنش فيه فايدة. زياد نط على الكيان عشان يحضنه، بس أول ما لمسه، الكيان "اتبدد" وطلع مكانه "سواد" ملوش آخر، وزياد لقى نفسه بيحضن الهوا فوق الهاوية. أحمد (بصراخ): "زييييييياد!" زياد كان هيقع، بس في آخر لحظة، إيده شبكت في طرف حجرة بارزة من الجسر المنار. بقى متعلق في الهوا، وتحته الهاوية اللي بتطلع أصوات "جوع". كريم (ساب هالة لخالد وياسين ونط ناحية زياد): "هات إيدك يا غبي! هات إيدك!" كريم نام على بطنه على طرف الجسر المكسور، ومد إيده لزياد. مريم كانت واقفة ورا كريم، ماسكة في حزامه بكل قوتها وهي بتبكي بصمت، خايفة الجسر ينهار بيهم هما الاتنين. مريم (بهمس): "بالراحة يا كريم.. الجسر هيقع بيك.. بالراحة." كريم (وهو بيجز على سنانه): "مش هسيبه.. مش هنخسر حد تاني يا مريم.. امسكي فيا قوي!" كريم قدر يمسك إيد زياد، وبالفعل بدأ يرفعه، بس في اللحظة دي، هالة صرخت صرخة "مكتومة". ياسين وخالد بصوا وراهم، لقوا "إيدين" سودة كتير طالعة من شقوق الجسر، وبدأت تلف حولين وسط هالة وتسحبها لتحت الصخر نفسه، كأن الجسر "بيبلعها". خالد (بيضرب الإيدين دي بالكشاف): "سيبوها! يا ولاد الكلب سيبوها!" المشهد بقى فوضى: كريم بيحاول ينقذ زياد من الهاوية، وخالد وياسين بيحاولوا ينقذوا هالة من الجسر اللي بيبلعها، ومريم واقفة في النص بتحاول تسند كريم وهي شايفة "سارة" (الكيان) بتظهر تاني وراها بظبط، وبتحط إيدها "الساقعة" على كتف مريم. الكيان (بصوت سارة): "المخطوطة غلط يا مريم.. مفيش بوابة.. فيه بس جوع." مريم اتجمدت مكانها، وحست ببرد بينخر في عضمها، والضوء البنفسجي في السما اتقلب لـ "أسود" تماماً.. وفجأة، الجسر كله "مال" بزاوية 45 درجة. الجسر كان بيميل بزاوية انتحارية، وصوت طقطقة الحجر وهي بتنفصل عن بعضها كانت بتعمل صدى في الهاوية زي طلقات الرصاص. مريم كانت حاسة ببرودة إيد الكيان على كتفها، برودة خلت الدم يتجمد في عروقها، بس صرخة كريم وهو بيحاول يرفع زياد فوقتها من صدمتها. كريم (بصوت مخنوق وعروق رقبته هينفجر منها الدم): "مريم! امسكي في الحزام بقوة! الجسر بيسحبنا لتحت! مريم ردي علياااا!" مريم اتنفضت، وبدل ما تبص وراها للكيان، غمضت عينيها وضغطت على "المخطوطة" في صدرها وبدأت تشد في حزام كريم بكل قوتها وهي بتصرخ: مريم: "مش هتقع يا كريم! أنا مسكاك.. زياد ارفع إيدك التانية بسرعة!" في الناحية التانية، الوضع كان ألعن. هالة نصها التحتاني كان غطس جوه "لحم" الحجر بتاع الجسر، والإيدين السودة كانت بتلف حولين وسطها زي التعبان. ياسين كان بيشدها بهستيريا وهو بيبكي، وخالد كان بيضرب الصخر بـ "فأس" معدني صغير كان معاه في الشنطة. ياسين (بصرخة يأس): "خالد! الصخر بياكلها! هالة بتختفي قدامي!" خالد (وهو بيضرب بكل قوته): "مش هسيبها! أحمد.. هات مية النار اللي في شنطة الإسعافات! صبها على الإيدين دي!" أحمد طلع زجاجة كيماوية وصبها على الإيدين السودة اللي ماسكة هالة. أول ما السائل لمس السواد، طلع دخان ريحته "جيف" وصوت صرخة مكتومة طلعت من بطن الجسر. الإيدين سابت هالة لثانية، وفي اللحظة دي خالد وياسين نطروا هالة لبره بقوة خلتهم يقعوا هما الثلاثة لورا على الحتة الصلبة من الممر. في نفس اللحظة، كريم قدر ينطر زياد لفوق، وزياد رمى نفسه على الصخر وهو بيلهث زي اللي راجع من الموت. كريم (وهو بيقوم وبينهج وبيمسك إيد مريم): "اجري! الجسر هيقع كله!" بدأوا يجروا "جري الوحوش" على الحجارة اللي كانت بتنهار وراهم حرفياً. مريم كانت بتجري وهي شايفة الحجارة بتقع ورا كعب رجلها بمليمترات. الكل نط النطة الأخيرة ناحية "البوابة الصخرية" اللي في آخر الجسر، وأول ما رجليهم لمست الأرض الصلبة، الجسر كله انهار في الهاوية بصوت انفجار مهول، وطلع من الهاوية غبار أسود غطى المكان كله. ساد سكون مرعب، مفيش فيه غير صوت أنفاسهم العالية المتقطعة. ياسين (وهو بيحضن هالة اللي كانت فاقدة الوعي): "الحمد لله.. الحمد لله.. إحنا عدينا.. هالة؟ ردي عليا يا حبيبتي." خالد (وهو بيولع كشافه وبيمسح الدم اللي مالي وشه): "محدش يرتاح.. إحنا عدينا الجسر، بس دخلنا في 'قبر' جديد. أحمد.. الأجهزة قالت إيه؟" أحمد (وهو بيبص في التابلت اللي شاشته مكسورة): "الجهاز.. الجهاز بيقول إننا 'تحت الأرض' بمسافة 3 كيلومتر.. بس إحنا لسه شايفين غيوم بنفسجي فوقنا! ده مش منطق يا خالد! إحنا في مكان ملوش قوانين!" كريم ساب إيد مريم ببطء، وبص لها بصه طويلة، عينيه كان فيها "لوم" ممزوج بـ "خوف" فظيع عليها. مريم كانت لسه بتترعش، وبصت لإيدها لقت "علامة صوابع زرقاء" مكان إيد الكيان اللي لمسها على كتفها. كريم (بصوت واطي): "لمستك صح؟ الكيان اللي كان واخد شكل سارة.. لمسك يا مريم؟" مريم (بدموع محبوسة): "قالت لي المخطوطة غلط.. قالت لي مفيش بوابة.. فيه بس جوع." فجأة، هالة فتحت عينيها وصرخت صرخة "مكتومة" وهي بتبص لرجليها. الكل وجه الكشافات على رجل هالة، وانصدموا. الخربشة الزرقاء مقتصرتش على الجلد.. دي بدأت "تتحرك" تحت الجلد كأنها "ديدان" سودة بتمشي في عروقها، والجلد بدأ يسود وينكمش كأنه بيتحول لـ "خشب ميت". خالد (بهمس مرعوب): "اللعنة.. اللعنة بدأت تتنقل للجسم.. لو ملقيناش مخرج في خلال ساعة، هالة هتتحول لواحد 'منهم'." الممر بدأ يضيق أكتر، والحيطان بقت بتطلع صوت "نشيج" مكتوم، كأن الصخر نفسه بيعيط. الهوا بقى تقيل بريحة خنقة البيوت اللي مفيش فيها حب. فجأة، الحيطان اتحولت لمرايات بتعرض صور من "أوضة نومهم"، المكان اللي المفروض يكون أمان، بس مريم حولته لساحة حرب. مريم شافت نفسها وهي قاعدة على السرير، وكريم بيقرب منها بكلمة طيبة، فبترد عليه ببرود يجمّد الدم: "متقربش مني.. أنا هنا عشان أهلي غصبوني، مش عشان أنا عايزاك. أنت بالنسبة لي مجرد واحد بيصرف ويجيب أكل، غير كدة أنت مالكش وجود." وشافت نفسها وهي بتاخد منه الفلوس بزهق وبترميه بنظرة احتقار لما بيحاول يفتح موضوع "الخلفة": "أخلف منك أنت؟ عشان أربط نفسي بيك للأبد؟ انسى يا كريم.. أنا باخد حبوب منع الحمل من وراك من أول يوم، مش هسمح لحتة منك تعيش جوايا." كريم (وقف مكانه، وعينه وسعت بذهول مكنش قادر يخبيه المرة دي): "حبوب منع حمل من ورايا يا مريم؟ كنتي بتقتلي عيالي قبل ما يتولدوا؟" مريم (وقعت في الأرض وهي بتصرخ وبتحفر بأوافرها في الصخر): "كنت خايفة يا كريم! كنت حاسة إني لو حملت منك هبقى ملكك للأبد.. كنت عايزة أفضل حرة حتى لو الحرية دي هتدمرك.. أنا كنت شيطانة، كنت بشوفك بتبني في البيت وبتحلم بالطفل اللي هيملى علينا الدنيا، وكنت بضحك في سري وبقول 'عشم إبليس في الجنة'!" كريم بص لها بوجع ملوش آخر. هو كان عارف إنها مش طايقاه، وكان عارف إنها بتتعامل ببرود، وكان مستحمل وقايل "بكرة تلين"، لكن إنه يكتشف إنها كانت بتخطط وتكسر حلمه في "أب" وهو واقف بيتفرج.. دي كانت الطلقة اللي صابت قلبه بجد. كريم (بصوت مبحوح): "أنا كنت عارف إنك مغصوبة.. وكنت بقول حقها، وكنت بحاول أعوضك عن قسوة أهلك بحنيتي.. بس تطلعي غلك فيا بالمنظر ده؟ تحرميني من حلمي عشان تنتقمي من أهلك فيا أنا؟" هالة (بضحكة هستيرية ووشها بيسود أكتر): "شفت يا كريم؟ شفت اللي كنت بتحميها وبتفديها بضهرك؟ دي كانت بتقتلك بالبطيء كل يوم بليل وإنت نايم جنبها.. دي مش مراتك، دي 'السجان' بتاعك." مريم كانت بتشهق بدموع حارقة، وبدأت تشوف على الحيطان صور لكل "أعمالها السودة"؛ الخناقات اللي كانت بتفتعلها عشان تنام لوحدها، الكذب اللي كانت بتكذبه على أمها عشان تبين إن كريم هو اللي مقصر، والوجع النفسي اللي كانت بتغرسه في قلبه كل ما تشوفه فرحان بحاجة. فجأة، الأرض بدأت تتهز تحت رجليهم بقوة، والمرايات السودة بدأت "تتشرخ"، وطلع من الشقوق دي "أطفال صغار" ملهومش ملامح، بيزحفوا على الحيطان وهما بيصرخوا بصوت يشبه صوت مريم وكريم متداخلين. أحمد (بزعّيق مرعوب): "يا جماعة! الهلاوس بدأت تتجسد! المكان ده بيتغذى على 'الندم' اللي مريم بتطلعه! لو مخرجناش دلوقتي، العيال دي هتخنقنا كلنا!" خالد: "كريم! فوق! مريم عملت اللي عملته، بس لو فضلنا هنا كلنا هنموت.. شيلها ويلا!" كريم (بص لمريم نظرة أخيرة، نظرة واحد "عاف" اللي قدامه): "قومي يا مريم.. قومي بس عشان ممتش في مكان قذر زي ده. بس من هنا ورايح، أنتي بالنسبالي 'ولا حاجة'.. المغارة دي كشفت إن السجن اللي أنتي كنتي فيه، أنا اللي كنت مسجون جواه مش أنتي." كريم ممدش إيده ليها المرة دي، سابها تقوم لوحدها وهي بتترعش، ومشى قدامها بجمود. مريم حست في اللحظة دي إن "الخسارة" الحقيقية مكنتش في سارة ولا في هالة، الخسارة كانت في "كريم" اللي ضاع منها بجد في اللحظة اللي اعترفت فيها. الممر انتهى فجأة عند "هاوية" ملهوش آخر، وفي نص الهاوية كان فيه جسر من الضوء البنفسجي المهزوز واصل لبوابة حجرية عملاقة عليها نقش "العين الباكية". المكان كان بيتهز بعنف، وصوت صراخ الكيانات وراهم بدأ يقرب. هالة كانت في حضن ياسين، بس مبقتش هالة اللي يعرفوها؛ جلدها بقى عبارة عن "قشر شجر" ميت، والديدان السودة بدأت تخرج من عينيها بدل الدموع. خالد (بصوت يائس): "البوابة مقفولة! المخطوطة بتقول لازم حد يلمس 'قفل الدم' عشان الباقي يعدي.. بس اللي هيلمسه هيدوب في الصخر!" أحمد (بصراخ): "الحقوا! الكيانات وصلت!" الكيان اللي واخد شكل سارة ظهر من وسط الضلمة، وبدأ يمد إيده ناحية مريم وهو بيهم بصوت مريم القديم: "انتي مكاانك هنا يا مريم.. انتي شبهنا..". مريم اتجمدت من الرعب، وكريم شدها وراه وهو بيضرب الكيان بكشافه، بس الكيان مكنش بيتأثر. فجأة، هالة زقت ياسين بعيد عنها بقوة مش طبيعية. وقفت على رجليها اللي بقت عبارة عن خشب أسود، وبصت ليهم بنظرة أخيرة كانت فيها لسه "حتة" من هالة القديمة. هالة (بصوت مشروخ وغريب): "أنا كدة كدة ضعت يا ياسين.. اللعنة أكلت قلبي. عيش إنت.. واحكي للناس إن الشهرة والمنظر مكنوش يستاهلوا كل ده." ياسين (بصرخة بتقطع القلب): "لاااا يا هالة! متسيبنيش!" هالة مجاوبتش، جرت ناحية البوابة ورمت جسمها على "قفل الدم". أول ما لمسته، جسمها كله "نور" بلون أحمر قاني، وبدأت تصرخ صرخة هزت أركان المغارة، وجسمها بدأ "يتحلل" ويتحول لرماد أسود بيسد الفتحات اللي طالع منها الكيانات. البوابة اتفتحت ببطء وصوت تزييق عالي. خالد (وهو بيشد ياسين المنهار): "اجرررروا! تضحيتها هي فرصتنا الوحيدة!" كريم مسك إيد مريم بقوة وجرها وراه، مريم كانت بتبص لهالة وهي بتتحول لرماد، وشافت في عيون هالة "مراية" لكل القسوة اللي عاملت بيها كريم. حست إن هالة بتكفر عن ذنوب المجموعة كلها بوجعها. نطوا كلهم جوه البوابة في آخر ثانية قبل ما تتقفل. ووقعوا كلهم على أرض "رملية" باردة تحت سماء غريبة مفيش فيها شمس. ساد سكون قاتل. الكل مرمي على الأرض بيلهث. كريم قام ببطء، وبص لمريم اللي كانت بتعيط بهستيريا وهي بتبص لإيدها اللي لسه عليها "سواد" من لمسة الكيان. كريم (بصوت بارد وقاسي رغم النجاة): "هالة راحت يا مريم.. راحت عشان إحنا نعيش. تفتكري أنتي تستاهلي التضحية دي؟ تستاهلي إن إنسانة تانية تموت عشان واحدة زيك تعيش وتكمل في قذارتها؟" مريم رفعت عينها ليه، كانت عايزة تتكلم، بس صوتها ضاع. بصت حواليها لقت ياسين قاعد بيصرخ في الرملة، وخالد وأحمد وزياد مطفيين تماماً. وفجأة، ظهرت كتابة بالدم على المخطوطة اللي في إيد مريم: "واحد سقط.. والعد التنازلي للحقائق بدأ. الدور على مين؟" يتبع لو عحبك الفصل الاول متنساش تدعم حسابي وتسيب كومنت برايك 🖤⭐السماء فوقهم كانت بلون "الرصاص"، غيوم تقيلة مابتتحركش كأنها مرسومة بزيت أسود. الأرض تحت رجليهم مكنتش رمل، كانت "رماد" ناعم وساقع، كل ما حد يمشي خطوة، رجله تغرز وتطلع غبار ريحته زي ريحة "الورق المحروق". الخمسة اللي فاضلين (كريم، مريم، خالد، أحمد، زياد) ومعاهم ياسين اللي كان شبه الميت، كانوا مرميين في مساحة واسعة مفيش فيها غير "صخور" طالعة من الأرض زي السكاكين. ياسين (وهو بيحفر في الرماد بإيده بهستيريا): "هالة كانت هنا.. أنا لسه سامع صوت صرختها في وداني! يا خالد إحنا لازم نرجع.. البوابة لسه هناك، هالة ممكن تكون لسه عايشة!" خالد (وهو بيشده من كتافه بعنف عشان يفوقه): "فوق يا ياسين! هالة دابت.. هالة بقت هي المفتاح اللي فتح لنا السجن ده! لو رجعت مش هتلاقي غير الرماد اللي إنت واقفه عليه ده." أحمد (وهو بيبص في بوصلة قديمة كانت معاه): "يا جماعة.. البوصلة بتلف 360 درجة مابتثبتش.. مفيش شمال ولا جنوب هنا. إحنا في مكان 'خارج الحسابات'." في الناحية التانية، مريم كانت قاعدة بعيد، ضامة نفسها وبتبص لكريم اللي كان واقف مديها ضهره وباصص للفراغ. مريم كانت حاسة إن الرماد اللي تحتها بيسحبها،
يقولون إن للجبال ذاكرة، وأن بعض الفجوات الصخرية في جبال الريف المغربية ليست مجرد تجاويف طبيعية، بل هي "أفواه" تنتظر منذ أزمنة سحيقة من يجرؤ على إطعامها. هناك، حيث يمتزج الضباب بالصخر، تقبع مغارة "شيكر"؛ ثقبٌ أسود في خاصرة التاريخ، لا يدخله إلا مغامرٌ أو مجنون. ثمانية رفاق، جمعتهم صداقة العمر وروح المغامرة، انطلقوا من صخب "الدار البيضاء" بحثاً عن ليلة واحدة تحت النجوم، بعيداً عن أضواء الحداثة وزحام الحياة. لم تكن في حساباتهم خرائط الجن، ولا طقوس العبور المنسية. كانوا يظنون أن المغارة مجرد جدران صماء سيملؤونها بضحكاتهم وصورهم التذكارية، ولم يدركوا أن للجدار صوتاً، وللنقوش القديمة جوعاً لا يشبع. في اللحظة التي تلامست فيها يد "خالد" مع ذلك الرمز الغامض المحفور في قلب الظلام، لم يفتح مجرد بوابة، بل كسر الختم الذي يحفظ توازن العوالم. فجأة، لم تعد "شيكر" مجرد مغارة في إقليم تازة، بل تحولت إلى برزخٍ يربط بين أطراف الأرض الملعونة، من رمال الصحاري العطشى وصولاً إلى آبارٍ لا قاع لها يسكنها من طُردوا من الرحمة. هنا، تتوقف قوانين الفيزياء، ويصبح الوقتُ عدواً، والظلُّ كياناً يتربص بصاحبه. في