LOGINبقي الباب الحجري مفتوحًا نصف فتحة، وكأن المدينة لم تكن تدعوهم إلى الدخول بقدر ما كانت تختبر استعدادهم لذلك. كانت علامة الدائرة الناقصة محفورة في منتصفه، لكنها بدت مختلفة عن العلامات التي رأوها من قبل؛ فقد كان الجزء المفقود من الدائرة متجهًا نحو اليمين، وفي داخله خط صغير يشبه طرف سيف مكسور.وقف إيفان أمام الباب دون أن يقترب.قال كايرن: "قلت إنك تعرف أين بدأ بحثك."أجاب إيفان: "نعم.""أين؟"نظر إيفان إلى الباب."هنا."قال راين: "لكن هذا الباب لم يكن موجودًا قبل قليل.""لم أقل إن الباب كان هنا."تقدم سيلان قليلًا."إذن ماذا كان هنا؟"ظل إيفان صامتًا لحظات، ثم قال: "ممر."نظر إلى داريوس."ممر طويل تحت المدينة. دخلته وحدي في البداية."سألته إيلارا: "وماذا كنت تبحث؟"أجاب إيفان: "لم أكن أعرف الاسم. كنت أبحث عن شخص أخبرني أحدهم أنه يعرف الطريق إلى مكان لا يمكن الوصول إليه من داخل المدينة."قال إيريان: "ومن أخبرك؟"خفض إيفان عينيه."لا أتذكر."قال راين: "بدأنا نعود إلى الجملة نفسها مرة أخرى."رد إيفان: "لأنها الحقيقة."ثم دفع الباب.فتح ببطء، وكشف عن ممر حجري ضيق، لكن على عكس الممرات السابقة
بقيت القطعة المعدنية السوداء على الأرض، بينما ظلت الكلمة المحفورة عليها واضحة أمامهم."الأم."لم يقترب كايرن منها في البداية. كان يحدق فيها وكأن الكلمة لم تُكتب على معدن، بل ظهرت داخل رأسه. لم يكن يشعر بالخوف بقدر ما كان يشعر بشيء آخر يصعب وصفه؛ إحساس بأن هذه الكلمة كانت تنتظره منذ زمن طويل، وأن المدينة لم تذكرها إلا الآن لأنها أرادت أن يربط بينها وبين شيء آخر.قال راين بصوت خافت: "لا أعتقد أن هذه صدفة."رد سيلان: "لا أحد هنا يعتقد ذلك."أما إيلارا فكانت تنظر إلى إيفان. لم تكن مهتمة بالكلمة بقدر اهتمامها برد فعل أخيها، فقد لاحظت أنه عندما ظهرت، تغير وجهه كما لو أنه رأى شيئًا يعرفه.قالت: "إيفان."لم يرد."أنت تعرف هذه القطعة."رفع عينيه إليها."نعم."اقترب كايرن خطوة."من أين؟"قال إيفان: "كانت مع شخص رأيته في المدينة."سأل كايرن: "مع من؟"صمت إيفان قليلًا."لا أتذكر."ظهرت على وجه كايرن علامات الضيق."كل شيء هنا يعود إلى جملة واحدة: لا أتذكر."تدخل داريوس بهدوء: "لأن ذاكرتك وذاكرة إيفان لا تعودان بالطريقة نفسها."نظر إليه كايرن."وذاكرتي ماذا تريد مني أن أتذكر؟"لم يجب داريوس.رفع كا
بقي الصوت يتردد في الممر بعد أن نطق بكلماته الأخيرة، وكأن الجدران نفسها أعادت ترديدها قبل أن تبتلعها العتمة. "تأخرت يا إيفان." لم يتحرك إيفان في البداية، فقد عرف الصوت قبل أن يفكر في صاحبه، وشعر بأن السنوات التي قضاها بعيدًا عن المدينة انكمشت في لحظة واحدة. كانت إيلارا تقف إلى جواره، تراقب وجهه، بينما رفع كايرن سيفه قليلًا دون أن يخرجه من غمده، وراح راين وسيلان وإيريان يراقبون الممر بحذر.قالت إيلارا: "إيفان... من هذا؟"لم يجب.كرر الصوت من بعيد: "ألم تعد تتذكرني؟"أخذ إيفان نفسًا عميقًا."أتذكرك."جاء الرد سريعًا: "إذن لماذا تركتني أنتظر؟"شد إيفان قبضته.قال كايرن: "هل هو الشخص الذي كنت تبحث عنه؟"ظل إيفان يحدق في الظلام."لا أعرف."نظر إليه راين باستغراب. "كيف لا تعرف وأنت تقول إنك تتذكره؟"أجاب إيفان: "لأنني أتذكر صوته... لكنني لا أتذكر وجهه."تقدمت إيلارا خطوة."هل هو الشخص الثالث؟"لم يجب إيفان، لكن داريوس قال من خلفهم: "لا."التفت الجميع إليه.قال كايرن: "كيف عرفت؟""لأن الصوت ليس لمن خرج معهم."ساد الصمت.قال إيفان: "أنت متأكد؟""نعم.""كيف؟"تردد داريوس لحظة، ثم قال: "لأنني س
انغلق الطريق خلفهم بصوت حجري عميق، ثم ساد السكون من جديد. حاول راين دفع الحجارة التي أغلقت الممر، لكنها لم تتحرك حتى بقدر بسيط، بينما كان سيلان يتفحص الجدار بحثًا عن فتحة أخرى. أما كايرن فظل واقفًا أمام الطريق المظلم، يشعر بأن الصوت الذي سمعه قبل لحظات لم يأتِ من أمامهم فقط، بل من مكان داخل ذاكرته أيضًا.قال إيريان: "يبدو أننا أصبحنا داخل الطريق بدل أن نكون أمامه."رد راين: "كنت أفضل أن نبقى أمامه."قالت إيلارا وهي تنظر إلى إيفان: "أنت تعرف شيئًا عن هذا المكان."أجاب إيفان: "أعرف أنه لم يكن موجودًا عندما غادرت."تقدم داريوس بضع خطوات، ثم مرر يده على الجدار. ظهرت تحت أصابعه خطوط قديمة تشبه آثار سيف مر فوق الحجر مرات كثيرة.قال كايرن: "هل كنت هنا من قبل؟""لا.""لكنّك تعرفه."رفع داريوس عينيه إليه."أعرف العلامة."اقترب كايرن.كانت العلامة عبارة عن دائرتين ناقصتين متداخلتين، وفي منتصفهما خط صغير يشبه نصلًا مكسورًا.قال داريوس: "هذه ليست علامة باب. إنها علامة عهد."سأل إيفان: "أي عهد؟""عهد لا يكتمل إلا عندما يعود الطرفان."تجمد إيفان."الطرفان؟"أومأ داريوس."نعم."نظر إيفان إلى كايرن.
بقيت العبارة معلقة في الغرفة كأنها لم تُكتب على الورقة، بل كُتبت داخل ذاكرتهم جميعًا."خرج ثلاثة... وعاد اثنان."لم يسأل أحد في البداية من هو الثالث. كان السؤال أثقل من أن يُطرح بهذه السرعة، خصوصًا أن داريوس وقف أمام التمثال بلا وجه وكأنه يعرف أن الإجابة التي يبحثون عنها ليست شيئًا يمكن قوله في جملة واحدة.كان إيفان أول من كسر الصمت."أنا كنت أحد الاثنين."لم يجب داريوس.تابع إيفان: "وأنت كنت الثاني."رفع داريوس عينيه إليه."نعم."تقدم إيفان خطوة."إذن من كان الثالث؟"بقيت نظرات داريوس ثابتة عليه."لا أعرف."شد إيفان قبضته."أنت تكذب."لم يغضب داريوس، ولم يحاول الدفاع عن نفسه. قال بهدوء: "ربما."كانت الإجابة أغرب من الاعتراف نفسه.قال راين: "كيف يمكن لشخص أن يقول ربما وهو يتحدث عن شخص خرج معه من مدينة؟"أجاب داريوس: "لأنني أعرف أنه كان معنا، لكنني لا أعرف إن كان الشخص الذي خرج معنا هو نفسه الشخص الذي دخل المدينة."ساد الصمت.نظر سيلان إلى إيريان، ثم قال: "هذا أكثر شيء غامض قلته منذ بدأنا."رد إيريان: "وأعتقد أنه يقصد كل كلمة."اقترب كايرن من التمثال الثالث. وضع يده على سطحه البارد، لك
لم يبقَ في الغرفة سوى صوت أنفاسهم، بينما اختفى الضوء الذي كان يملأ النقوش القديمة، وغرقت التماثيل الثلاثة في ظلام جعل حدودها تبدو أكثر غموضًا من قبل. بقيت كلمات الطفل تتردد في أذهانهم: "أخيرًا... بدأت تتذكر لماذا أعطيته السيف." رفع كايرن يده نحو مقبض سيفه، لكنه لم يسحبه، فقد شعر أن الصوت لم يأتِ من خلف التمثال فقط، بل من مكان أقرب إليه بكثير، كأنه مرّ عبر الحجر ثم استقر في ذاكرته.قال راين بصوت منخفض: "لا أحب هذه المدينة عندما تبدأ بالكلام."رد سيلان: "وأنا لا أحبها عندما تصمت."قال إيريان: "إذن نحن متفقون على شيء واحد على الأقل."لم يلتفت إليهم أحد، لأن إيفان كان لا يزال واقفًا أمام التمثال بلا وجه. كان يحدق فيه وكأنه ينتظر أن تظهر ملامحه من تلقاء نفسها، لكن الحجر بقي فارغًا. تقدمت إيلارا نحوه وقالت: "قلت إنك تعرف الشخص. من هو؟"أجاب إيفان بعد صمت: "لا أعرف اسمه.""لكنّك تعرفه.""أعرفه... أو أظن أنني أعرفه."اقتربت إيلارا أكثر. "إيفان، هذه المرة لا تحاول حمايتي بإخفاء ما تتذكره."نظر إليها، ثم خفض عينيه."ليس الأمر متعلقًا بك."قالت بحزم: "أعرف."رفع رأسه.تابعت: "وهذا بالضبط سبب وجو