Share

الفصل الثالث

Author: بايغل
حين خرج فين، نسي هاتفه على البار.

أضاءت شاشة الهاتف. لمحتها من مكاني، فرأيت رسالة من أماندا تقول فيها: "إلى من كنت تنظر بتلك الحدة؟ هل كنت مستعجلًا لتثبت إخلاصك لحبيبتك العزيزة المثالية؟"

ثم جاءت رسالة أخرى تقول: "يا لك من ناكر للجميل! من الذي أخذك إلى سباقات الشوارع في المرآب لتفرّغ غضبك حين أفسدت صفقة العائلة وعاقبك العجوز؟"

مددت يدي، وأخذت الهاتف، وفتحته. لم تتغير كلمة السر. كانت لا تزال يوم ميلادي.

فتحت محادثته مع أماندا.

كان سجل الرسائل لا ينتهي. كانا يتحدثان كل يوم.

قالت: "طلبت لك صندوقًا كاملًا من الملابس الداخلية المثيرة. مقاس صغير جدًا، حتى تبدو أكبر مما أنت عليه. لعل ذلك يخفف شعورك بالنقص".

قال: "احشي صدريتك أولًا، يا مسطّحة الصدر".

قالت: "لم ترسل أحدًا اليوم ليفسد منطقتي. يبدو أنك كبرت أخيرًا"!

قال: "احمدي حظك. اعتبريها رحمة مني"!

كان كله كلامًا فارغًا لا معنى له، لكن فين كان يرد على كل رسالة.

إن لم يرد في اللحظة نفسها، رد بعدها بدقائق قليلة.

كان يلاقي كل استفزاز، ويدخل كل جدال.

كان الأمر مشحونًا حارًا ممتلئًا بالحياة.

أما محادثتي أنا، فكانت مدفونة في أسفل قائمة طويلة من الأسماء.

قبل يومين، أرسلت إليه صورة طبق المكرونة الذي صنعته.

قلت: "المكرونة التي أعددتها اليوم كانت رائعة. سأعدها لك حين تعود من العمل".

لم يرد. مرّرت الشاشة إلى الأعلى.

فهذه أغنية شاركتها معه ظنًّا مني أنها ستعجبه. وتلك صور للشروق والغروب التقطتها من نافذتنا. بل حتى رسالة بسيطة كتبت فيها: "أشتاق إليك كثيرًا هذه الليلة".

كل ذلك ذهب بلا جواب. ولا كلمة واحدة.

كان وقته ثمينًا جدًا. كان دائمًا في اجتماعات أو مناسبات أو مشغولًا بتسوية الخلافات، أو بإخماد حروب مناطق النفوذ.

كان مشغولًا إلى حدّ لا يجد معه وقتًا للنظر إلى هاتفه، إلا لمحات خاطفة يسرقها بين حين وآخر.

لم أشكُ قط. كنت أرجو فقط أن تمنحه هذه اللحظات البسيطة من يومي شيئًا من الراحة.

لم أتخيل يومًا أن لحظات فراغه القليلة كانت تذهب إلى أماندا. إلى الجدال معها.

كانت لإبقاء صلة كان يزعم دائمًا أنها "مزعجة إلى أقصى حد".

كانت أمواج الليل ترتطم بالصخور خارج النافذة، وتثير زبدًا أبيض كالشبح.

وذكّرني ذلك المشهد الجميل، على نحو غريب، بأنني أنا وهو التقينا أيضًا عند البحر.

كنت أعمل ليلًا في الأرصفة لأدفع مصروفات دراستي، وقد أنهكني نقل البضائع حتى كدت أعجز عن الوقوف.

رفعت رأسي، فرأيت رجلًا يجلس فوق صخرة كبيرة، يبتسم لي.

كانت ابتسامة فتى سيء السمعة، لكنها جعلت قلبي يخفق.

ظننتها يومها هدية من القدر. وحين أنظر الآن إلى الوراء، أرى كم كنت ساذجة.

انفتح الباب، وعاد فين. رأى أن الهاتف قد تغير مكانه، فتعثرت خطوته لحظة.

قال: "يبدو أنكِ فتشتِ هاتفي. يمكنك أن تطمئني الآن، أليس كذلك؟"

كان صوته عابرًا، يكاد يكون واثقًا من حقه، كأن لا خطأ في الأمر.

كأن رسائلي التي تُركت بلا جواب، ومناوشاتهما الملتهبة، وقلبي الذي قدمته إليه بحرص شديد، كل ذلك لا وزن له.

في تلك اللحظة، فهمت. ففي قلبه، لم تكن مشاعري ولا خيبتي شيئًا يكفي لأن يفزعه.

لم أجب.

اشتدّ حاجباه، واكتسى صوته حدّة خشنة.

قال: "هل ما زلتِ غاضبة بسبب ذلك الواقي؟ تعرفين كم هي مجنونة. وتعرفين طريقتي في الحياة".

اقترب، وأخرج هاتفه، ثم رفع أمامي مقطع فيديو.

قال: "هي التي دسّته بنفسها. كل شيء ظاهر في كاميرا الممر".

كان ينتظر رد فعلي. كان ينتظر أن أعود تلك الفتاة المتفهّمة التي اعتادها.

كان ينتظر أن أغلق الفيديو وأنكمش في حضنه وأعترف بأنني بالغت في التفكير.

لكنني اكتفيت بالنظر في عينيه، وقلت بصوت هادئ: "فهمت".

ضحك ضحكة باردة، ثم انتزع الهاتف وضغط زر التشغيل.

ظهرت أماندا على الشاشة وهي تدسّ ذلك الكيس الصغير في جيب سترته وهي تمر قرب علاقة الملابس.

قال: "أرأيتِ؟ هل رضيتِ الآن؟ لم أفعل شيئًا. لقد مضت سبعة أعوام يا كلوي. ألا تملكين لي هذا القدر اليسير من الثقة؟"

قلت: "نعم. فلننفصل إذًا".

تجمّد في مكانه، كأنه لم يستوعب ما سمع، أو كأنه ظن أن أذنه خانته.

وبعد صمت طويل، قذف الهاتف على الأريكة، وامتلأت عيناه بعروق حمراء غاضبة.

قال: "ماذا تريدين مني أكثر حتى ترضي؟ أنت المرأة الوحيدة في حياتي. أعطيتك الاسم والمكانة، وبطاقاتي بين يديك تستخدمينها متى شئتِ، ومنحتك أفضل حماية. ماذا تريدين بعد يا كلوي؟ هذا القلق الذي فيك يخنقني! ما المشكلة بيننا في رأيك؟ قوليها! ماذا تريدين؟ اطلبي فقط"!

وكنت على وشك أن أتكلم، حين اندفعت ميا إلى الغرفة، ووجهها شاحب.

قالت: "فين، أماندا...إنها في الطابق السفلي في البهو، تلعب بوكر التعري مع بعض رجالك. تخلع قطعة ملابس عن كل خسارة. وهي الآن...لم يبقَ عليها إلا ملابسها الداخلية المصنوعة من الدانتيل. ولا أحد يستطيع إيقافها".

اكفهرّ وجه فين في الحال. كان مستعجلًا إلى حدّ أنه لم يلتفت إليّ حتى بنظرة واحدة قبل أن يستدير مغادرًا.

كانت سترته لا تزال ملقاة على الأريكة. لم يأخذها حتى.

صفق الباب خلفه بدويّ ثقيل.

أرأيت؟ هذه هي المشكلة.

ستظل دائمًا المرأة التي يترك كل شيء من أجلها.

وسأظل دائمًا المرأة التي تُترك خلفه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أنهكني صخبهم طوال سبعة أعوام   الفصل العاشر

    بعد أعوام قليلة، وفي أحد فصول الشتاء، أخذت إجازة طويلة، وسافرت وحدي إلى الطرف الآخر من العالم.إلى جرف ساحلي شهير.جرف آخر.كان أبعد من ذلك الجرف الأول وأكثر انحدارًا، مكانًا لا يُبلغ إلا بعد رحلتين جويتين متصلتين.فكرت طويلًا في السبب الذي جعلني ما زلت أشعر بحاجة إلى المجيء إلى مكان كهذا.لعل الأشياء الثقيلة التي خلّفها الماضي كانت تحتاج إلى مشهد يشبهها، كي تُوارى فيه أخيرًا، وكي يُرسم بعدها خط واضح لا رجعة فيه.كان النهار مشرقًا على نحو باهر.وكان سطح البحر صفحة من ذهب ساطع يكاد يخطف البصر.مشيت وحدي إلى أعلى نقطة في الجرف، وتركت نسيم البحر يلامس وجهي.لم يكن في القمة إلا قليل من السياح، وكان المكان هادئًا جدًا.كانت الريح عنيفة، تعبث بذيل ثوبي وتضربه حول ساقيّ.تمسكت بالسور، وأخذت أنظر إلى الساحل الممتد بلا نهاية، ثم تنفست بعمق.جاءني صوت من خلفي: "كلوي"!التفتّ.كان هناك رجل يقف غير بعيد.كان يرتدي معطفًا داكنًا طويلًا ونظارة شمسية، وكان وجهه محجوبًا.خلع النظارة.كان فين.بدا أكبر سنًا مما بقي في ذاكرتي، وقد حفرت خطوط دقيقة موضعها حول عينيه.لكن عينيه العميقتين لم تتغيرا.قلت: "ما

  • أنهكني صخبهم طوال سبعة أعوام   الفصل التاسع

    في تلك الليلة، هبّت عاصفة. كنت أعمل متأخرة في المعرض.وحين غادرت المبنى، كان المطر لا يزال ينهمر، ولم أكن قد أحضرت مظلة.وقفت داخل الأبواب الزجاجية، أنتظر أن يهدأ المطر، حين توقفت سيارة مايباخ سوداء مصفحة عند الرصيف.انخفض زجاج النافذة، فظهر فين في المقعد الخلفي.كان كتفه الأيسر ملفوفًا بشاش كثيف، وسترة بدلته ملقاة على كتفيه، غير مزررة. وكانت بقعة حمراء داكنة قد تسربت إلى طرف الضماد.وخلف سيارته، كانت هناك سيارة أخرى، وعدة رجال ببدلات رسمية يقفون في الخارج حاملين المظلات، محافظين على مسافة.قال: "اركبي يا كلوي! سأوصلك إلى البيت".كان وجهه شاحبًا شحوبًا غير طبيعي، وشفتاه خاليتان من الدم.قلت: "لا بأس".قال: "المطر شديد جدًا. لن تجدي سيارة أجرة في هذا الجو".قلت: "أستطيع الانتظار".قال: "كلوي"!ثم دفع الباب وخرج من السيارة بنفسه.اندفع أحد الحراس فورًا نحوه بالمظلة، لكن فين أشار إليه أن يبتعد.ومشى نحوي، تاركًا المطر يغمره.سرعان ما تشبّع الضماد على كتفه بالماء، وراحت البقعة الحمراء تتسع في القماش الأبيض.قال: "هل يجب أن تكوني هكذا؟"قلت: "كيف؟"قال: "أن تدفعيني بعيدًا بهذه القسوة".قلت:

  • أنهكني صخبهم طوال سبعة أعوام   الفصل الثامن

    بعد أن استقررت في المدينة الجديدة، نجحت في الحصول على عمل في المعرض الفني.كان مكانًا صغيرًا، ومديره طيب، وساعات العمل فيه منتظمة.كانت زميلتي آنا تجلس في الجهة المقابلة لي. كانت فتاة مرحة كثيرة الكلام، لا تكاد تسكت.قالت: "هل أنتِ جديدة هنا؟ من أين أنتِ؟ أين كنتِ تعملين من قبل؟ هل دخلتِ في علاقة من قبل؟"وما إن سألت سؤالها الأخير، حتى هبط صمت قصير على نصف المكتب.أدركت زلّتها، فحكّت أنفها وقالت: "أنا أمزح".ابتسمت، لكنني لم أجب.مضى العمل بسلاسة.كنت أحضر في التاسعة، وأنصرف في السادسة.وأحيانًا كنت أبقى لوقت إضافي، أشارك أحد الزملاء وجبة جاهزة، ونتبادل حديثًا عابرًا لا يثقل القلب.كانت الحياة بلا أحداث كبيرة، لكنها كانت ثابتة.ولأول مرة منذ زمن طويل، لم أعد أشعر بأن عليّ أن أنتفض كلما اهتز هاتفي في منتصف الليل.في أحد الأيام، وبينما كنا نستعد لمعرض جديد، بقيت أعمل حتى الثامنة مساءً.لم يكن في المعرض غيري وغير آنا.مالت نحوي وسألت: "ما رأيك أن نذهب لتناول وجبة خفيفة في آخر الليل؟"قلت: "حسنًا".وحين انفتحت أبواب المصعد، تجمدت في مكاني.كان فين واقفًا في الداخل.كان يرتدي بدلة سوداء مفص

  • أنهكني صخبهم طوال سبعة أعوام   الفصل السابع

    كان الغسق قد هبط في اليوم التالي حين عدت إلى مسقط رأسي.كانت أمي في الفناء تسقي أزهارها. فلما سمعت صرير البوابة الحديدية، التفتت.قالت: "لماذا عدتِ فجأة؟ ألم تكوني في إجازة على جزيرة؟ كيف..."ثم وقعت عيناها على الحقيبة في يدي، فانقطع صوتها.قلت: "أمي"!قالت: "نعم"!قلت: "أنا وفين انفصلنا".تجمدت مكانها ثانيتين.ثم اقتربت، وأخذت حقيبتي من غير كلمة، وحملتها إلى داخل البيت.قالت: "لا بد أنك جائعة. سأعدّ لك شيئًا ساخنًا".قلت: "حسنًا".جلست على الأريكة، أراقب البخار يتصاعد في المطبخ، وشعرت أن ذلك التوتر الكامن في داخلي بدأ يرتخي.اهتز هاتفي مرات متتابعة فجأة.كانت بعض التنبيهات الإخبارية."مصدر: استبدال الشريك في مشروع التجارة بالساحل الشرقي على نحو مفاجئ، وإقصاء العائلة الأصلية من الصفقة".ألقيت عليها نظرة عابرة، ثم قلبت الهاتف على وجهه فوق الطاولة.رنّ جرس الباب على غير انتظار.نادت أمي من المطبخ: "من الطارق؟"قلت: "سأرى".نهضت وفتحت الباب.كان الواقف في الخارج هو فين، بقامته الطويلة وهيبته الطاغية.كان يرتدي ثيابًا سوداء بسيطة، وعلى غير عادته، لم يكن خلفه أي حراس. ومع أن شعره كان مصففًا

  • أنهكني صخبهم طوال سبعة أعوام   الفصل السادس

    أمسكت أماندا بذراعه.قالت: "لم تعد تريدك يا فين".كان في صوتها وضوح قاسٍ لا رحمة فيه. قالت: "لو كانت تهتم بك، لما قالت. ما قالته ثم إن فتاة مدلّلة محمية مثلها لا يمكن أن تعيش في عالمك".قال فين: "اتركيني"!قالت: "لن أفعل".وتشبثت أماندا بثيابه، والدموع تنحدر على وجهها.قالت: "لن أتركك أبدًا هذه المرة"!لم ألتفت.كان الحصى يتكسر تحت قدمي مع كل خطوة، وكان صوته يشبه شيئًا ثقيلًا في أعماقي يتحطم تحطمًا كاملًا.حين عدت إلى الفيلا، كانت خالية.دخلت الجناح الرئيسي، ووقفت عند طرف السرير، أنظر إلى الحقيبة المفتوحة.كانت ثياب فين مختلطة بثيابي. وعلى منضدة الزينة، كان كوبان يقفان جنبًا إلى جنب.سبعة أعوام.كانت أشياؤنا قد امتزجت منذ زمن بعيد.أخرجت متعلقاتي القليلة، وأغلقت حقيبتي، ثم جررتها خارج الغرفة.عند نهاية الممر، اقترب مني رجلان يرتديان بدلتين سوداوين.قال أحدهما: "سيدتي! أرسلنا الرئيس لنرافقك".قلت: "لا حاجة إلى ذلك".التففت حولهما، ولم يمنعاني.كان عند الرصيف قارب سريع صغير، من القوارب المخصصة للضيوف. جررت حقيبتي إليه بنفسي.وما إن بدأ محرك القارب يدور، حتى اندفع زئير سيارة رباعية الدفع

  • أنهكني صخبهم طوال سبعة أعوام   الفصل الخامس

    "لا أقبل".كانت الريح تعوي فوق قمة الجرف، وكانت الأمواج في الأسفل تتحطم على الصخور.وبعد أن تكلمت، سقط العالم في صمت مفاجئ، صمت ميت.ذهل الجميع.ظل فين راكعًا على الصخر الصلب، رافعًا علبة الخاتم. وانتقلت ملامحه من الترقب إلى الحيرة، كأنه لا يستطيع أن يفهم ما قلته لتوي.قال: "ماذا... قلتِ؟"كان صوته يرتجف قليلًا وهو يسأل مرة أخرى، مشحونًا بالشك.نظرت إليه من علٍ.كان قد طال ركوعه، حتى علق الغبار والتراب بركبته.قال: "كلوي"!ثم ابتلع ريقه بصعوبة، وأضاف: "لا تمزحي في أمر كهذا يا كلوي. عائلتانا تشاهدان..."وخلفه، خمد ضحك ميا والآخرين الصاخب شيئًا فشيئًا.قلت: "قلت إنني لا أقبل".هذه المرة نطقت كل كلمة على حدة.تغيّر وجه فين.لم يكن غضبًا، بل حيرة عميقة.حيرة رجل ظن أنه فعل كل شيء كما ينبغي، ثم عجز عن أن يفهم ما يمكن أن أريد بعد ذلك.قال: "كلوي! أعرف أن لديّ عيوبي، لكن..."وقبل أن يكمل، جاء صراخ حاد من الطريق الصاعد إلى الجرف."فين"!التفتت الرؤوس كلها في ذلك الاتجاه.كانت أماندا قد صعدت في لحظة لا أدري متى بدأت. كان صدرها يعلو ويهبط من شدة اللهاث.كانت ترتدي رداء حمّام من الفيلا، وقد ابتل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status