ANMELDENتزوجتُ الدون ماتيو في الخفاء. وكان، كلما خلا بحبيبة طفولته، يعود إليّ بوعد جديد: زفاف مشهود لا مثيل له، تقوم له العائلات الخمس. خمسة أعوام كاملة، وماتيو يعدني تسعًا وتسعين مرة. وكان يتركني عند المذبح وحدي في كل مرة. في المرة الأولى، نفقت قطة سيسيليا الفائزة في المعرض. فأجّل الزفاف ثلاثة أشهر ليواسيها. وقفتُ وحدي عند المذبح، وعيناي محمرتان، أحاول أن أطفئ ثورة كبار العائلة. وفي المرة الثانية، ثارت سيسيليا في أحد الكازينوهات، وحطمت مزهرية أثرية تبلغ قيمتها مئة مليون دولار. فغير مسار الطائرة الخاصة المعدّة لزفافنا، وانطلق ليلًا ليجمع شتات ما أفسدته. وفي كل مرة، قبيل زفافنا بقليل، كانت حبيبة طفولته تُصاب بطارئ لا يخطئه التوقيت. بكيت وصحت، وبلغ بي الأمر مرة أن وجهت المسدس إلى رأسه. لكن في كل مرة، كان يثبتني إلى الحائط، ويخرس غضبي بقبلة باردة جامدة. ثم يقول: "إنها لهو عابر. أما أنتِ، فأنتِ زوجتي المستقبلية. فاحفظي مقامك". وبعد المرة التاسعة والتسعين، انتهى كل شيء. دفعتُ بالأوراق على الطاولة. وكان الحبر لم يجف بعد، وختم عائلة فالكوني مطبوعًا في أسفلها. وقلت: "زواجنا... وتحالفنا... كلاهما انتهى".
Mehr anzeigenقال جيمس عبر الهاتف، وقد ظهر الوهن في صوته: "انتهى ماتيو فالكوني".وضعت التقرير المالي من يدي، وأسندت ظهري إلى المقعد.قلت: "ماذا تعني؟"قال: "انهارت إمبراطوريته".ثم سكت لحظة، كأنما يجمع ما تفرق من أفكاره.وقال: "بعد أقل من شهرين على رحيلك، بدأت السيولة تجف في عروق عائلة فالكوني".ولم يكن ذلك مفاجئًا لي.فالأعمال الشرعية التي كنت أديرها له كانت تمد شبكته الإجرامية بما يزيد على مليار دولار سنويًّا من التدفق النقدي.ومن دون ذلك، لم تكن إمبراطوريته إلا جثة بلا دم.قلت: "ثم ماذا؟"قال: "أخذته الريبة. صار لا يثق بأحد. بل إنه تخلص حتى من رجال كانوا معه منذ عشر سنين. وكان في صوته أثر من خوف. ثم بدأ يتخذ قرارات مجنونة".فرأيت في خيالي ماتيو، وحيدًا في قصر عائلة فالكوني، يمضي إلى الجنون خطوة خطوة.قال جيمس: "والضربة القاضية كانت تبادل النار في الصيف الماضي. كان الروس في الجهة الشرقية يريدون الاستيلاء على أرصفة الميناء. وفي العادة، يكون هذا النوع من الاحتكاك أمرًا يُعالَج بالتفاوض".قلت: "لكن"!قال: "لكن ماتيو اختار الحرب". ثم أطلق زفرة طويلة. "أرسل خمسين رجلًا ليغيروا على مستودع روسي. فوقعت ال
في الليلة التي وُقّع فيها المرسوم، ظهر ماتيو عند بوابات قصر عائلة روسي.كان يقود سيارته الكاديلاك السوداء التي عُرف بها وحده.تأهّب حرّاس القصر، وهبطت أيديهم إلى مواضع المسدسات.فقلت من شرفة الطابق الثاني: "دعوه يدخل... لكن وحده".تقدّم ماتيو نحو الباب الرئيسي ببطء. وكان وجهه، تحت ضوء القمر، شاحبًا كشحوب الموتى.قال، وهو يرفع بصره إليّ في الشرفة: "ناتاليا... لدي عرض".قلت: "هاتِ ما عندك".قال: "أعطيكِ نصف أصول عائلة فالكوني، على أن تعودي إليّ".وكان صوته واضحًا في سكون الليل على نحو يبعث القلق.ثم تابع: "سأعطيكي الأرصفة والكازينوهات وشركات العقار... أعطيكِ كل شيء. فقط عودي".فنظرت إليه، ونهض في نفسي شيء من الازدراء.يريد أن يمنحني الأشياء الآن!لم يكن هذا قوله يوم تزوجني قبل خمسة أعوام.قلت، وصوتي هادئ، لكنه يبلغ سمعه بلا عناء: "ماتيو! ما الذي يحملك على الظن أنني أحتاج إلى شيء تمنحني إياه؟"فتجمد في مكانه.ثم قلت: " لا أحتاج أن تمنحني شيئًا يا ماتيو. أنا آخذ ما أريد".فرأيت الدم ينسحب من وجهه.قال: "ماذا تعنين؟"قلت وأنا أستدير عنه: "أعني أن مشكلاتك لم تعد مشكلاتي".فزمجر من أسفل: "نات
غرفة تجارة شيكاغو، الطابق السابع والعشرون.عند الساعة التاسعة وخمسٍ وخمسين دقيقة صباحًا، ظهر ماتيو عند باب قاعة الاجتماع.كانت تلك أول مرة لا يتأخر فيها.كان كبار العائلتين قد أخذوا أماكنهم في الداخل.جلس كبار عائلة روسي الخمسة إلى أحد جانبي الطاولة الطويلة، وجلس كبار عائلة فالكوني الأربعة إلى الجانب الآخر.أما أنا، فكنت في مقعد أبي القديم، أقلب الأوراق بوجهٍ لا يبدو عليه شيء.ولما دخل ماتيو، تحولت إليه الأبصار جميعًا.كان يبدو في حال يُرثى لها.لم يحلق لحيته منذ ثلاثة أيام، واسودّ ما حول عينيه، وتجعدت بدلته. ذلك الدون الذي كان يومًا مثال الأناقة والهيبة، بدا الآن رجلًا ضائعًا مكسورًا.قال بصوت خافت مبحوح: "ناتاليا..."فرفعت بصري إليه لحظة، ثم عدت إلى أوراقي.قال جوزيبي، كبير عائلة روسي، وهو يشير إلى المقعد المقابل: "تفضل بالجلوس، دون فالكوني"!لكن ماتيو لم يجلس. بل مضى نحوي مباشرة.وقال: "أريد أن أتحدث إليك يا ناتاليا على انفراد".فقلت، وصوتي ساكن كماء لا تموّج فيه: "لا شيء بيننا يدعو إلى الحديث. اجلس، ولنبدأ".قال فجأة: "انتظري"! ثم هبط على ركبتيه أمامي.وساد القاعة صمت مطبق.وحدق في
في صباح اليوم التالي، هزّ الخبر الذي تصدّر الصفحة الأولى من شيكاغو تريبيون المدينة هزًّا.زواج دون المافيا السري... وخيانتهوقد نُشر الخبر مقرونًا بصورة عالية الدقة لماتيو وهو يطلب يد سيسيليا في لاس فيغاس.وفصّل المقال طريقته في إخفاء زواجه خمسة أعوام كاملة، وتباهيه بعشيقته في وجه زوجته، واستمراره في نكث وعوده بزفافه كلما اقتضى الأمر أن يرضي عشيقته.غير أن أخطر ما في الخبر لم يكن الصورة، بل التسجيل الصوتي.كان صوت سيسيليا في النادي الخاص واضحًا لا لبس فيه: "تلك الحمقاء تظن أن ماتيو يحبها. ما كانت إلا بيدقًا في رهاننا".وجاء رد فعل العائلات الخمس سريعًا.فكانت عائلة مارتينو أول من تحرك، فأعلنت وقف جميع أوجه التعاون مع عائلة فالكوني.ثم تبعتها عائلة داليسيو، فسحبت دعمها لأرصفة ميناء الجهة الشمالية.حتى عائلة فيتالي، التي عُرفت دائمًا بحيادها، أصدرت بيانًا تشكك فيه بصلاحية ماتيو للقيادة.أما الأسوأ من ذلك كله، فهو أن الروس بدأوا بالتحرك.لقد شمّوا رائحة الدم.وفي قصر عائلة فالكوني، كان ماتيو واقفًا في وسط غرفة الجلوس.ولم يكن من عادته أن يشرب في بيته، لكنّه في تلك الليلة أغرق نفسه في الشر