LOGINكان حبيبي فين رجلًا من رجال المافيا، غير أنه كان يقضي أكثر أيامه في خصام لا ينقطع مع صديقة طفولته، أماندا. في عيد ميلادي، جاءتني بهزّاز صغير، وقالت وهي تناوله إليّ: "خذي هذا. خذيه احتياطًا للجولة الثانية. فأنا أعرف قدرته أكثر من أي إنسان". فما كان من فين إلا أن قذف إليها بزجاجة كريم أساس شاحب، وقال: "ضعي منه المزيد. فلعل أحدًا يجد في نفسه رغبة في الاقتراب منك". ثم خرجا يتدافعان ويتزاحمان، وأغلقا الباب خلفهما بعنف. وبقيت وحدي عند مائدة الطعام، أنظر إلى شموع الكعكة وهي تأكل نفسها حتى انطفأت. وفي أول عشاء رسمي جمع بين عائلتينا، ابتسمت أماندا ودسّت في يده زجاجة صغيرة من المزلّق، وقالت: "خذها! حتى لا تُعذّب الفتاة المسكينة". فتجهّم وجهه، وقال: "خير من أن تبكي أنتِ في الليل، وأنت تحتضنين وسادة على هيئة جسد". أما هذه المرة، فقد رتّب فين رحلة إلى جزيرة خاصة. وكان صديق مشترك قد أسرّ إليّ في هدوء أنه ينوي أن يتقدّم لخطبتي فوق جرف صخري عند الغروب. وبعد سبعة أعوام طويلة، كأنها سباق لا ينتهي، قلت في نفسي: ها قد بلغنا الغاية. ها هو خط النهاية يلوح أمامي أخيرًا. تأنّقت بعناية، وارتديت أغلى أثوابي، ثم مضيت إلى مهبط المروحية. فتحت باب المروحية. كانت أماندا قد سبقتني إلى مقعد مساعد الطيار. رفعت حاجبها ونظرت إليّ. قالت: "أتيتِ أخيرًا يا كلوي! أنا أضيق بالأماكن المغلقة، فلا تمانعين أن أجلس في الأمام، أليس كذلك؟" وكان فين يمسك بأدوات القيادة، فالتفت إليّ بنظرة خاطفة من رأسه إلى قدميه. قال: "اجلسي في الخلف يا كلوي. أخشى أن تصاب بنوبة فزع، فتبدأ في الخدش والعضّ، وتفسد علينا الجو". وقبل أن أجد كلمة أقولها، كانت أماندا قد اشتبكت معه في جدال جديد. قالت: "وما معنى هذا؟ أتظنني عبئًا عليك؟" قال: "ليست هذه أول مرة يخطر لي فيها ذلك. لماذا تبالغين في الدراما اليوم؟" كان أخذهما وردّهما محفوظًا كأنه مشهد تدرّبا عليه ألف مرة. وفي تلك اللحظة، شعرت بتعب الأعوام السبعة كلها دفعة واحدة. وللمرة الأولى، أدركت أنني لم أعد أريد أن أقول نعم لعرض زواجه.
View Moreبعد أعوام قليلة، وفي أحد فصول الشتاء، أخذت إجازة طويلة، وسافرت وحدي إلى الطرف الآخر من العالم.إلى جرف ساحلي شهير.جرف آخر.كان أبعد من ذلك الجرف الأول وأكثر انحدارًا، مكانًا لا يُبلغ إلا بعد رحلتين جويتين متصلتين.فكرت طويلًا في السبب الذي جعلني ما زلت أشعر بحاجة إلى المجيء إلى مكان كهذا.لعل الأشياء الثقيلة التي خلّفها الماضي كانت تحتاج إلى مشهد يشبهها، كي تُوارى فيه أخيرًا، وكي يُرسم بعدها خط واضح لا رجعة فيه.كان النهار مشرقًا على نحو باهر.وكان سطح البحر صفحة من ذهب ساطع يكاد يخطف البصر.مشيت وحدي إلى أعلى نقطة في الجرف، وتركت نسيم البحر يلامس وجهي.لم يكن في القمة إلا قليل من السياح، وكان المكان هادئًا جدًا.كانت الريح عنيفة، تعبث بذيل ثوبي وتضربه حول ساقيّ.تمسكت بالسور، وأخذت أنظر إلى الساحل الممتد بلا نهاية، ثم تنفست بعمق.جاءني صوت من خلفي: "كلوي"!التفتّ.كان هناك رجل يقف غير بعيد.كان يرتدي معطفًا داكنًا طويلًا ونظارة شمسية، وكان وجهه محجوبًا.خلع النظارة.كان فين.بدا أكبر سنًا مما بقي في ذاكرتي، وقد حفرت خطوط دقيقة موضعها حول عينيه.لكن عينيه العميقتين لم تتغيرا.قلت: "ما
في تلك الليلة، هبّت عاصفة. كنت أعمل متأخرة في المعرض.وحين غادرت المبنى، كان المطر لا يزال ينهمر، ولم أكن قد أحضرت مظلة.وقفت داخل الأبواب الزجاجية، أنتظر أن يهدأ المطر، حين توقفت سيارة مايباخ سوداء مصفحة عند الرصيف.انخفض زجاج النافذة، فظهر فين في المقعد الخلفي.كان كتفه الأيسر ملفوفًا بشاش كثيف، وسترة بدلته ملقاة على كتفيه، غير مزررة. وكانت بقعة حمراء داكنة قد تسربت إلى طرف الضماد.وخلف سيارته، كانت هناك سيارة أخرى، وعدة رجال ببدلات رسمية يقفون في الخارج حاملين المظلات، محافظين على مسافة.قال: "اركبي يا كلوي! سأوصلك إلى البيت".كان وجهه شاحبًا شحوبًا غير طبيعي، وشفتاه خاليتان من الدم.قلت: "لا بأس".قال: "المطر شديد جدًا. لن تجدي سيارة أجرة في هذا الجو".قلت: "أستطيع الانتظار".قال: "كلوي"!ثم دفع الباب وخرج من السيارة بنفسه.اندفع أحد الحراس فورًا نحوه بالمظلة، لكن فين أشار إليه أن يبتعد.ومشى نحوي، تاركًا المطر يغمره.سرعان ما تشبّع الضماد على كتفه بالماء، وراحت البقعة الحمراء تتسع في القماش الأبيض.قال: "هل يجب أن تكوني هكذا؟"قلت: "كيف؟"قال: "أن تدفعيني بعيدًا بهذه القسوة".قلت:
بعد أن استقررت في المدينة الجديدة، نجحت في الحصول على عمل في المعرض الفني.كان مكانًا صغيرًا، ومديره طيب، وساعات العمل فيه منتظمة.كانت زميلتي آنا تجلس في الجهة المقابلة لي. كانت فتاة مرحة كثيرة الكلام، لا تكاد تسكت.قالت: "هل أنتِ جديدة هنا؟ من أين أنتِ؟ أين كنتِ تعملين من قبل؟ هل دخلتِ في علاقة من قبل؟"وما إن سألت سؤالها الأخير، حتى هبط صمت قصير على نصف المكتب.أدركت زلّتها، فحكّت أنفها وقالت: "أنا أمزح".ابتسمت، لكنني لم أجب.مضى العمل بسلاسة.كنت أحضر في التاسعة، وأنصرف في السادسة.وأحيانًا كنت أبقى لوقت إضافي، أشارك أحد الزملاء وجبة جاهزة، ونتبادل حديثًا عابرًا لا يثقل القلب.كانت الحياة بلا أحداث كبيرة، لكنها كانت ثابتة.ولأول مرة منذ زمن طويل، لم أعد أشعر بأن عليّ أن أنتفض كلما اهتز هاتفي في منتصف الليل.في أحد الأيام، وبينما كنا نستعد لمعرض جديد، بقيت أعمل حتى الثامنة مساءً.لم يكن في المعرض غيري وغير آنا.مالت نحوي وسألت: "ما رأيك أن نذهب لتناول وجبة خفيفة في آخر الليل؟"قلت: "حسنًا".وحين انفتحت أبواب المصعد، تجمدت في مكاني.كان فين واقفًا في الداخل.كان يرتدي بدلة سوداء مفص
كان الغسق قد هبط في اليوم التالي حين عدت إلى مسقط رأسي.كانت أمي في الفناء تسقي أزهارها. فلما سمعت صرير البوابة الحديدية، التفتت.قالت: "لماذا عدتِ فجأة؟ ألم تكوني في إجازة على جزيرة؟ كيف..."ثم وقعت عيناها على الحقيبة في يدي، فانقطع صوتها.قلت: "أمي"!قالت: "نعم"!قلت: "أنا وفين انفصلنا".تجمدت مكانها ثانيتين.ثم اقتربت، وأخذت حقيبتي من غير كلمة، وحملتها إلى داخل البيت.قالت: "لا بد أنك جائعة. سأعدّ لك شيئًا ساخنًا".قلت: "حسنًا".جلست على الأريكة، أراقب البخار يتصاعد في المطبخ، وشعرت أن ذلك التوتر الكامن في داخلي بدأ يرتخي.اهتز هاتفي مرات متتابعة فجأة.كانت بعض التنبيهات الإخبارية."مصدر: استبدال الشريك في مشروع التجارة بالساحل الشرقي على نحو مفاجئ، وإقصاء العائلة الأصلية من الصفقة".ألقيت عليها نظرة عابرة، ثم قلبت الهاتف على وجهه فوق الطاولة.رنّ جرس الباب على غير انتظار.نادت أمي من المطبخ: "من الطارق؟"قلت: "سأرى".نهضت وفتحت الباب.كان الواقف في الخارج هو فين، بقامته الطويلة وهيبته الطاغية.كان يرتدي ثيابًا سوداء بسيطة، وعلى غير عادته، لم يكن خلفه أي حراس. ومع أن شعره كان مصففًا