Masukبعد رحيل نور، شعرت رندة بفراغ كبير ووحدة خانقة في بيتها الواسع. ولتهرب من هذا الشعور، ولكي توفر المال لمخدراتها ولقططها، عادت رندة لفتح تطبيقات المواعدة السرية لاصطياد الزبائن. لم يمر وقت طويل حتى عثرت على زبون جديد. كانت صورته تظهر رجلاً وسيماً، أنيقاً، ويبدو عليه الثراء. تبادلا الرسائل، واتفقا على مبلغ كبير مقابل ليلة كاملة في شقتها. في المساء الموعود، بدأت رندة تجهز نفسها باحترافية. أخذت حماماً دافئاً، وتعطرت بعطرها المثير، وارتدت قميص نوم قصير جداً من الدانتيل الأسود الشفاف، وفوقه روب من الحرير الأحمر الناعم، تاركة إياه مفتوحاً ليبرز مفاتنها بوضوح. في تمام الساعة العاشرة، طُرق الباب. مشت رندة بدلال، وفتحت الباب بابتسامة مغرية. كان الرجل يقف هناك، يرتدي سترة جلدية أنيقة، وملامحه وسيمة تماماً كما في الصورة. بمجرد أن دخل وأغلق الباب خلفه، لم يضيع وقتاً في الكلام. اقترب منها بسرعة، سحبها من خصرها بقوة نحوه، وطبع على شفتيها قبلة رومانسية حارة وعميقة. استجابت رندة للقبلة بشغف، وأغمضت عينيها مستمتعة بهذه البداية الحماسية. لكن فجأة، قطع الرجل القبلة وابتعد عنها قليلاً. نظر
مرت الأسابيع الثلاثة سريعة وهادئة، عاشت فيها نور في شقة أدهم أجمل أيام حياتها. كانت تنام في أمان، وتستيقظ على رائحة القهوة، وتحظى بحب ورعاية لم تتخيل يوماً أنها قد تحظى بها. لكن هذا الهدوء كان يسبق عاصفة اليوم الموعود؛ يوم الجلسة الأولى في محكمة الأسرة. في صباح ذلك اليوم، كانت أروقة المحكمة مزدحمة ومكتظة بالناس. أصوات المحامين تختلط بأصوات الجدال والنقاش في الممرات، ووجوه النساء تحمل هموماً ثقيلة. وسط هذه الفوضى، كانت نور تجلس على مقعد خشبي طويل خارج قاعة الجلسات، تتوسط أدهم من جهة، والمحامي "كمال" من جهة أخرى. أتقنت نور دور الزوجة المرعوبة ببراعة تستحق جائزة أوسكار. كانت ترتجف بشكل ملحوظ، وتفرك يديها ببعضهما بتوتر شديد، وتتلفت يميناً ويساراً بعينين واسعتين وقائمتين، وكأنها تتوقع أن ينشق الجدار في أي ثانية ويخرج منه "منصور" بضخامته ووجهه القبيح ليهاجمها وسط الناس. لاحظ أدهم رعبها الشديد، فاقترب منها ووضع ذراعه القوية حول كتفها، وسحبها لحضنه ليطمئنها. قال بصوت دافئ وواثق: "لا تخافي يا نور، اهدئي أرجوكِ. أنا بجانبكِ، ومسدسي في حزامي. دعي عينيكِ في عيني ولا تنظري حولكِ. أقسم لكِ
استقرت نور في حضن أدهم على الأريكة، وكان جسدها ما زال يرتجف ارتجافاً خفيفاً من أثر التوتر والخوف الذي عاشته قبل قليل. رفع أدهم وجهها برفق بين كفيه الدافئين، ونظر في عينيها العسليتين بحنان بالغ، يتأمل ملامحها الجميلة التي سحرت قلبه منذ اللحظة الأولى. طبع أدهم قبلة دافئة ورقيقة على شفتيها، لم تكن قبلة عابرة، بل كانت عميقة ومملوءة بالشوق والرغبة الصادقة. بدأت شفاهه تتحرك بنهم ولطف في آن واحد، وكأنه يحاول أن يمتص بهما كل آلام ماضيها وكل القسوة التي رأتها في حياتها. أغمضت نور عينيها، وشعرت بقشعريرة دافئة تسري في كامل جسدها. لأول مرة في حياتها كلها، لم تشعر بالاشمئزاز الذي كان يقتلها كلما اقترب منها رجل. تذكرت لثوانٍ معدودة كيف كان منصور يهاجمها بوحشية في غرفة النوم كحيوان مفترس قبل أن تطعنه بسكينه الحاد وتتخلص من جثته مع رندة، وتذكرت قذارة زبائن الليل الذين كانوا يدفعون المال مقابل جسدها. لكن أدهم كان مختلفاً تماماً؛ لم يكن يرى فيها مجرد جسد جميل، بل كان يعاملها كملكته الخاصة، بلمسات تقطر حناناً ورقة ورعاية. تسللت يد أدهم ببطء ناعم من تحت بلوزتها الرقيقة، وتحسست بشرة ثدييها الممتل
ترددت دقات الباب الواثقة في أرجاء الصالة الهادئة، فارتجف جسد نور بالكامل. نظرت إلى أدهم الجالس بثبات على الكرسي الخشبي وفي يده المسدس الأسود الموجه نحو الباب. أشار أدهم لها بيده بحركة خفيفة، وأمرها بنظرة حازمة من عينيه أن تطالب الطارق بالدخول. ابتلعت نور ريقها، وخرج صوتها مرتجفاً ومكتوماً: "سامر.. ادخل، أنا هنا." انفتح الباب فوراً، ودخل سامر وهو يبتسم بطفولية وغرور، ويتحرك بلهفة وعجلة. كانت يداه مشغولتين بفك حزام بنطاله وأزراره وكأنه لا يطيق الانتظار ليبدأ. لكن خطواته تجمدت فجأة في منتصف الغرفة، وتلاشت ضحكته فوراً عندما وقعت عيناه على الرجل الجالس أمامه. كان أدهم يجلس ببرود تام، ويصوب فوهة مسدسه الميري الأسود إلى صدر سامر مباشرة. قال أدهم بصوت عميق وبارد كالجليت: "ارفع يديك إلى الأعلى.. وادفع الباب بقدمك لإغلاقه." ارتعش سامر من الصدمة، ورفع يديه المرتجفتين بسرعة فوق رأسه، ثم دفع الباب الخشبي بقدمه ليرتد ويغلق تماماً. ولأنه كان قد فك حزامه وأزرار بنطاله للتو، سقط البنطال فجأة إلى الأسفل حتى كاحليه بمجرد أن رفع يديه، ليبقى واقفاً في منتصف الصالة بملابسه الداخلية فقط. و
عاد أدهم ونور إلى الشقة بعد موعد غرامي بسيط وجميل. تناولا العشاء في مطعم هادئ، ومشت نور بجانبه في الشارع وهي تشعر لأول مرة في حياتها بأنها فتاة طبيعية، لا تختبئ من أحد، ولا تخاف من شيء. في تلك الأثناء، وفي الجانب المظلم من المدينة، كانت رندة تجلس وحدها في بيتها الكبير. كان الجو كئيباً، إلى أن رن هاتفها برسالة من "سامر"؛ ذلك المراهق الثري والمدلل الذي كان يدفع مبالغ طائلة ليقضي ليالي صاخبة معها ومع نور. طلب سامر موعداً لليلة مماثلة، لكن رندة ردت عليه ببرود: "نور لم تعد تعمل معي، لقد تركت هذا الطريق. أنا وحدي الآن." أزعج هذا الرد سامر، الشاب الذي اعتاد أن يحصل على كل شيء بماله ونفوذ عائلته، فقرر أن يتجاوز رندة، وبحث عن رقم نور في هاتفه ليتواصل معها مباشرة. في شقة أدهم، كانت الأجواء دافئة ومريحة. جلست نور بجانب أدهم على الأريكة في الصالة، يشاهدان فيلماً على التلفاز كعادتهما المسائية. فجأة، اهتز هاتف نور في يدها. فتحت الشاشة، ورأت رسائل متتالية من سامر على الواتساب. كان يطلب منها المجيء، ويعرض عليها ضعف المبلغ المعتاد. ردت نور بسرعة وتوتر: "أنا تركت هذا العمل، امسح رقمي ولا تراسلني
في مساء اليوم التالي، رن جرس باب الشقة. تحرك أدهم بسرعة وفتح الباب ليرحب بصديقه المحامي "كمال". كان كمال رجلاً في منتصف الثلاثينيات، يرتدي بدلة رسمية أنيقة، ويحمل حقيبة جلدية سوداء، وعلى وجهه ملامح الجدية والذكاء التي تميز المحامين المحترفين. دخل كمال إلى الصالة، وصافح نور باحترام شديد بعد أن قدمه أدهم لها. جلسوا جميعاً حول الطاولة الزجاجية، وفتح كمال حقيبته ليخرج منها دفتر ملاحظات كبيراً وقلماً فضياً، استعداداً للبدء في العمل. قال كمال بنبرة عملية وهادئة: "أهلاً بكِ يا أخت نور. أدهم حكى لي باختصار عن وضعكِ، وأنا هنا اليوم لنبني ملفاً قانونياً قوياً لا يترك أي ثغرة. أريدكِ أن تجيبي على أسئلتي بصراحة تامة، ولا تخافي من شيء، السرية هنا مضمونة بالكامل، والقانون سيكون في صفكِ." أومأت نور برأسها، وتصنعت التوتر وهي تفرك يديها ببعضهما، بينما جلس أدهم بجوارها ووضع يده على كتفها ليمنحها الأمان. بدأ كمال بطرح الأسئلة الروتينية الأولى: "أولاً، أحتاج إلى الاسم الثلاثي لزوجك، وعنوان سكنه بالضبط، وعنوان مكان عمله إن وجد." ردت نور بصوت خافت لكنه واضح: "اسمه منصور عبد الخالق محمود رضوا







