LOGINساد الصمت المريب أروقة قصر ، حيث التفتت الجدران العتيقة حول اجتماع مغلق نُسجت فيه خيوط مكيدة جديدة. كان هنريش يجلس في منتصف القاعة مستقراً على كرسيه المتحرك، ملامحه الصارمة لا تجود بأي تعبير، وعيناه النافذتان تتأملان الفراغ بقسوة يمتزج فيها الغضب بالكبرياء الجريح. على الجانب الآخر، كانت إيفا تتنقل بخطوات متزينة يملؤها الخيلاء، بينما وقف كارل يستند إلى حافة الطاولة الخشبية، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة تترقب الإشارة. نطق هنريش بصوت حاد كالحديد الصدئ: — «خسارة صوفيا وانحيازها لإريك ومارغريت لن تمر دون ثمن.. إليزابيث وفالكن نجوا من التهمة المالية، لكن العائلة لم تستعد هيبتها بعد، ويجب أن نعيد الجميع إلى حجمهم الطبيعي أمام مجتمع برلين.» اتسعت ابتسامة كارل، وخطا خطوة نحو هنريش قائلاً بنبرة ملؤها الشغف والدهاء: — «أوافقك الرأي تماماً يا عمي! للرد على هذه الوقاحة، يجب أن نقيم حدثاً يتحدث عنه الجميع.. ما رأيك في تنظيم مزاد علني ضخم لبيع الآثار والقطع الفنية النادرة؟ سنجمع فيه كبار أصحاب الشركات، الدبلوماسيين، والأغرياء في ألمانيا.» أومأت إيفا برأسها بثقة وشماتة، متدخلة بصوت ناعم مسموم: — «
كان نسيم البحر العليل يداعب الرمال الذهبية على شاطئ برلين الهادئ، حيث جلست ليليان بجوار فيدريتش الذي ارتدى زيّه العسكري الجديد بعد ترقيته الرسمية إلى رتبة جنرال. كانت عيناها تتألقان بشوق وفخر، بينما امتدت يده لتمسك بكفها الحنون. نطقت ليليان بنبرة دافئة يملؤها الحب: — «مبروك لك يا فيدريتش.. هذه الترقية لم تكن مجرد رتبة عسكرية، بل استحقاق لكرامتك وشجاعتك. لقد انتظرنا هذه اللحظة طويلاً.» ابتسم فيدريتش برزانة، وانحنى نحوها لينظر في عمق عينيها، هامساً بنبرة مشحونة بالشغف: — «لم تكن الرتبة تهمني يا ليليان بقدر ما كان يهمني أن أعود إليكِ سالماً.. الأيام الماضية في بولندا كانت جحيماً، لكن أملكِ بي كان طوق نجاتي.» اقترب منها أكثر، ولحمت شفتاه بشفتيها في قبلة عميقة طويلة، أذابت كل مرارة الغياب وحسرة الأحداث الأخيرة. وعندما ابتعدت قليلاً لتلتقط أنفاسها، تنهد فيدريتش بنبرة تتسم بالمسؤولية: — «أعلم أننا اتفقنا على الخطبة الرسمية هذا الأسبوع، لكن ظروف العزاء وفاجعة الخال فيكتور، وما تمر به عائلة إيلينا وماريا، تجعل من الصعب إقامة أي مراسم الآن.. سنؤجل الأمر قليلاً يا حبيبتي.» أومأت ليليان بر
خيّم السواد التام على أروقة الفيلا، وغطت الكآبة كل زاوية فيها بعد أن شاع خبر الفجيعة. كانت إيلينا تجلس على طرف السرير في حالة وجوم صامت، ترتدي ثوباً أسود قاتماً، وعيناها مثبتتان على الفراغ بدموع متحجرة يأكلها القهر. دنا منها إريك بجسده المنهك، وجلس بجوارها ليعانقها بذراعيه بقوة، حاضناً إياها نحو صدره بدفء عارم في محاولة لترميم انكسار روحها، وهمس أمام أذنها بصوت مبحوح يفيض بالحنان والدعم: — «ابكي يا إيلينا.. لا تكتمي هذا الوجع في صدركِ. أنا هنا بجانبكِ ولن أترككِ تتألمين وحدكِ أبداً.» دفنت إيلينا وجهها في صدره وأجهشت بدموع حارقة تتساقط على قميصه، ونطقت بصوت مخنوق يمزقه الأسى: — «لقد رحل خالي يا إريك.. خالي فيكتور الذي لم يتبقَ لي من ريح والدتي غيره! كيف يستطيع ذلك السفاح أن يحرمنا منه بهذه البشاعة؟» شدد إريك قبضته حولها محتضناً إياها بأسى، وهو يشعر بغليان يقطع أحشاءه غضباً على ما آل إليه حال زوجته والعائلة. وفي هذه الأثناء، فُتح باب الغرفة ببطء، ودخلت لين بمفردها، ترتدي ثوب العزاء وتتوشح بالوشاح الأسود. تقدمت بخطوات هادئة ونظرت إلى إيلينا بعينين تفيضان بالتعاطف الصادق، ثم جلست عل
انتقلت إليزابيث برفقة الجنرال فالكن إلى الفيلا تحت فرض الإقامة الجبرية المشددة، حيث انتشر عناصر الحراسة المسلحون عند المنافذ والأسوار في انتظار استكمال التحقيقات العسكرية. كانت الصحف والجرائد الورقية في برلين تتداول التكهنات السياسية حول الفضيحة المالية والتهم الموجهة إليهما، وتصدرت صورهما المطبوعة عناوين الأخبار وسط حالة من الذهول والاستياء العام في الشارع. سادت أجواء من الاحتفال والشماتة المطلقة. كان هنريش يجلس في صالونه العريض يرتشف نبيذه العتيق، وحوله كارل وإيفا، وعلامات النصر الزائف مرتسمة على وجوههم. نطق كارل بنبرة مليئة بالاستهزاء والاستعلاء: — «أخيراً سقط العرش يا عمي! إليزابيث وفالكن انتهيا رسمياً، ولن تقوم قائمة لإريك بعد اليوم!» ضحكت إيفا بشر ومكر مستتر، وقالت بثقة: — «إريك بات بلا سند ولا نفوذ.. حان الوقت ليستوعب حجم خطئه ويعلم من هي المرأة التي تستطيع حمايته ورعايته بحق.» رد هنريش ببرود قاطع ونبرة تسكنها القسوة: — «دعوهما يذوقان مرارة الانكسار.. التهمة المنسوبة إليهما نُسجت بذكاء، والادعاء العسكري لن يرحم أحداً.» في هذه الأثناء، كان مقر الشركة ينبض بالتو
احتشد العشرات من الصحفيين والمصورين أمام بوابة فيلا إليزابيث والجنرال فالكن منذ ساعات الصباح الأولى. كانت عدسات الكاميرات تومض بلا توقف، وأصوات المذيعين ترتفع عبر الأثير بنبرات شاحبة تنقل الخبر العاجل الذي هز أركان العاصمة: — «فضيحة مالية وتهم تجسس تتصدر المشهد في برلين! اتهام رسمي للسياسية إليزابيث فونشتاين والجنرال فالكن بالتورط في تحويلات مالية مشبوهة لصالح جهات حظرها الجيش الألماني!» توقفت سيارة الشرطة العسكرية وهيئة الادعاء المالي أمام المدخل الرئيسي. خرجت إليزابيث برفقة فالكن وسط حراسة مشددة، وعيناهما تنطقان بالصدمة والذهول من حجم الضربة المسبوكة بدقة في الخفاء. اندفع الصحفيون نحوهم بالأجهزة والميكروفونات، وصرخ أحدهم بوقاحة: — «سيدة إليزابيث! هل هذه التحويلات هي السبب الحقيقي لثرائكِ المفاجئ؟ سيادة الجنرال! كيف تفسر وجود اسمك كضامن لهذه الصفقة الحظرية؟» في هذه اللحظة، وصلت سيارة إريك وإيلينا إلى المكان. ترجل إريك وعيناه تشتعلان بغضب عارم، وحاول الاندفاع نحو عناصر الادعاء لولا أن إليزابيث أوقفته بنظرة حاسمة وصوت متماسك: — «اهدأ يا إريك! لا ترتكب أي حماقة عسكرية يزيدون بها ا
«تظنين أنكِ ستُحرقينني يا إيلينا؟ أنا محترق بكِ وبحبكِ منذ اللحظة الأولى.. وسأحرقكِ معي الليلة!» نطقها إريك بصوت مبحوح يفيض بالشغف العنيف، مبتسماً بابتسامة حادة ومظلمة أمام شفتيها المرتجفتين. وقبل أن تنبس بحرف، انحنى بجسده وحملها بين ذراعيه رغماً عنها، واندفع بها نحو الغرفة ليغلق الباب بقدمه متملكاً المكان كلياً. ألقاها على السرير الوفير واندفع فوقها بلا مهلة، ممتصاً غضبها بكبرياء عاشق لا يرحم. تحولت محاولات إيلينا للمقاومة إلى عناق ملتهب، وتداخلت أنفاسهما الحارقة في العتمة. جردها من رداءها بجرأة شاعرة جاذبة، متلمساً تفاصيل جسدها بشغف وحرارة انصاعت لها جوارحها كلياً، ليتلاشى الجفاف والخصام تحت سطوة العاطفة المشتعلة، وينصهرا معاً في ليلة أذاب فيها اللهيب كل جدران الكبرياء. ومهما اشتدت النزاعات بينهما واختلفت الآراء، فإن ملجأهما الوحيد والنهاية الحتمية لكبريائهما هي الذوبان داخل أحضان بعضهما. وفي ظهيرة اليوم التالي، في قصر هنريش المظلم، كان يجلس خلف مكتبه العريض وبرفقته كارل، يراجعان وثائق تحويلات مالية ضخمة. نطق هنريش بنبرة خبيثة تسكنها القسوة: — «إليزابيث وفالكن يظنان أن الميدان







