Masukفي شتاء عام 1941، وبينما كانت الحرب العالمية الثانية تلتهم أوروبا، لم تكن إيلينا تحارب من أجل وطنها، بل من أجل البقاء. بعد أن فقدت والدها وأصبحت المعيل الوحيد لوالدتها وشقيقها الصغير، لم يعد في حياتها متسع للأحلام. في إحدى الليالي، تقودها الصدفة إلى العثور على ضابط ألماني مصاب ينتمي إلى جيش العدو. كان تسليمه يعني إنقاذ عائلتها من الجوع، أما إخفاؤه فكان خيانة قد تكلّفها حياتها. لكنها تختار أن تمنحه فرصة للعيش. ومع مرور الأيام، تكتشف أن الحرب لا تقتل البشر بالرصاص وحده، بل بالحقائق أيضًا. فهو ابن الرجل الذي كان سببًا في تدمير قريتها، بينما يحمل هو سرًا قد يغيّر كل ما كانت تؤمن به. بين الثلوج، والمدن المدمرة، وصفارات الإنذار، تنشأ علاقة لم يكن لها أن تولد في زمن الحرب. لكن عندما يصبح الحب عدوًا للواجب، ويصبح الانتقام أقوى من الغفران، سيكون على كل منهما أن يختار: هل يتبع قلبه، أم يترك الحرب تحدد مصيره؟ رواية رومانسية تاريخية تدور أحداثها خلال الحرب العالمية الثانية، حيث يلتقي الحب بالخوف، والأمل بالفقد، وتصبح النجاة أغلى من أي حلم.
Lihat lebih banyakوووووووووو
مزّقت صفارات الإنذار سكون قرية فيرينوفا حتى بدا الشتاء نفسه يرتجف. تجمّدت إيلينا آل دوبو في مكانها. كانت تحمل قطعة خبز صغيرة قسّمتها للتو بين عائلتها، فسقطت من أصابعها المرتخية على الأرض. رفع ميخائيل رأسه مذعوراً: — «إيلي… ماذا يحدث؟» لم تجب. قلبها كان يخفق بعنف بينما اهتزت النافذة مع الصفارة الثانية والثالثة. في الخارج صرخ رجل يركض بين البيوت: — «الطائرات الألمانية! إلى الملجأ… بسرعة!» أسرعت إيلينا إلى والدتها ماريا التي انحنت تكتم سُعالاً مؤلماً. لفّت حولها معطفاً صوفياً قديماً، ثم انحنت أمام أخيها وأغلقت أزرار سترته. وضعت كفّيها على وجنتيه: — «لا تترك يدي مهما حدث. مفهوم؟» أومأ الصغير بسرعة. نهضت الجدة كاتارينا مستندة إلى عصاها، ونظراتها ثابتة رغم السنين: — «افتحي الباب.» اندفعت الريح الجليدية إلى الداخل مع رائحة الدخان وصوت الفوضى. نساء يركضن بأطفالهن، رجال يصرخون بأسماء عائلاتهم، خيول مذعورة، وكلاب تنبح بجنون. أمسكت إيلينا بيد ميخائيل وأسندت والدتها: — «ابقوا قريبين مني.» شقّ هدير ثقيل السماء. ظهرت طائرات سوداء تقترب بسرعة. صرخ أحدهم: — «اركضوا!» دوّى الانفجار الأول. اهتزت الأرض، تناثر الثلج، تحطّم الزجاج، وتصاعد الدخان. تعثّر ميخائيل فجذبته إيلينا: — «لا تنظر خلفك!» لكنه التفت ورأى منزلاً تلتهمه النيران وامرأة تصرخ وسط الدخان. وصلوا إلى الملجأ الحجري وسط التدافع. دفعت إيلينا والدتها أولاً ثم ساعدت الجدة على النزول. الهواء داخل الملجأ خانق تختلط فيه الرطوبة بالدخان والخوف. اشتد سُعال ماريا حتى انحنت. ربّتت إيلينا على ظهرها. همست الأم: — «أنا بخير… اهتمي بميخائيل.» كانت حرارتها مرتفعة منذ أيام، والأدوية اختفت من القرية. جلس ميخائيل صامتاً يحدّق في الأرض. جثت إيلينا أمامه وابتسمت محاولةً الطمأنة: — «انظر إليّ. لن أسمح لأي شيء أن يحدث لك.» سأل بصوتٍ بالكاد يُسمع: — «هل سنموت؟» هزت رأسها بحزم: — «لا.» ثم همس: — «هل كان أبي يخاف أيضاً؟» تسلّلت الجدة وجلست إلى جواره، ووضعت يدها على كتفه: — «كل إنسان يخاف يا صغيري. ذهب إلى الحرب لأنه اعتقد أن حماية عائلته تستحق أن يواجه خوفه.» سأل: — «وهل نجح؟» ابتسمت رغم الدموع: — «نحن ما زلنا معاً… أليس كذلك؟» اهتز الملجأ فجأة بانفجار هائل. تساقط الغبار وصرخت الأطفال. أمسكت إيلينا بأخيها وضمّت والدتها. انتظروا في صمتٍ خانق: إما أن ينتهي القصف أو ينهار السقف. ثم ساد الصمت. تقدّم أحد الرجال وفتح الباب بحذر. رفع رأسه نحو السماء وقال بصوتٍ متعب: — «لقد رحلوا…» خرج القرويون مترددين. توقفت إيلينا عند أول خطوة خارج الملجأ. الدخان يتصاعد من منازل كثيرة، سقف المخبز منهار، الحظيرة القريبة من النهر محترقة بالكامل، وحصان نافق يرقد فوق الثلج بجانب عربة مقلوبة. شدّت على يد ميخائيل: — «لا تنظر.» أطاعها هذه المرة. ساروا نحو المنزل. كل خطوة تكشف دماراً جديداً: نافذة محطمة، سور ساقط، شجرة تفاحٍ اقتلعت من جذورها. وصلوا أخيراً. الباب نصف مخلوع والنافذة محطمة، لكن الجدران صمدت. همست إيلينا: — «ما زال قائماً…» أشعلت المصباح الزيتي وساعدت والدتها على الجلوس قرب المدفأة. أضافت حطباً. غلب النوم ميخائيل تحت البطانية. ربّتت الجدة على شعره ثم نظرت إلى إيلينا: — «اذهبي لترتاحي.» — «لا أستطيع.» — «أعرف.» جلست إيلينا أمام ماكينة الخياطة. مرّرت أصابعها على المعطف الصوفي الذي لم تكمله، كان مخصصاً للعم ياكوب مقابل كيس دقيق ورغيفين. قبل سنوات كانت تحلم بمتجر خياطة صغير. الآن أصبح الخبز نفسه انتصاراً. اتجهت إلى النافذة المكسورة. الغابة تغرق في ظلام كثيف والعالم ساكن أكثر مما ينبغي. أغمضت عينيها. ثم سمعته. أنيناً خافتاً. ظنّته خيالاً في البداية، ثم عاد أوضح: أنين شخص يتألم. أمسكت الفانوس. سألتها الجدة: — «إلى أين؟» — «هناك أحد في الخارج.» قالت كاتارينا بصوتٍ منخفض ثقيل بسنوات الحرب: — «تذكّري يا إيلينا… في زمن الحرب ليس كل من يطلب النجدة بريئاً.» قبضت إيلينا على مقبض الباب. كانت تعلم أن جدتها محقّة، لكنها لم تستطع تجاهل الصوت. فتحت الباب. لفح البرد وجهها. رفعت الفانوس وخطت فوق الثلج نحو الغابة المظلمة. لم تكن تعلم أن الرجل الذي ينتظرها هناك… سيصبح أكبر أعدائها…وأعظم حبّ في حياتها.وسط الرخام المكسور وشظايا الأثاث المتناثرة في صالون الفيلا المظلم، كانت "إيلينا" تجلس على الأرضية الخشبية الباردة. تتأمل يدها الملتفة بالضمادة، ثم تنظر إلى قطرات الدم الجافة على يد "إريك". رفعت ورقة الجدة كاترينا المتهالكة بين أصابعها المرتجفة، وقبل أن تتنهد بعمق، انطلقت منها ضحكة ساخرة ومصدمة شقت سكون الخراب. التفت إليها إريك بملامح متفاجئة وهو يضغط على جرح يده النزيف، لتنظر إليه إيلينا بعينين بنيتين تلمعان بين الذهول والضحك المرير: — "تخيل فقط يا إريك.. من خياطة فقيرة معدمة لا تملك ثمن قطعة خبز وتقتات على أوهام النجاة، إلى امرأة تتكئ على رسالة تُثبت أن إمبراطورية فونشتاين بأكملها بأسهمها وقلاعها.. هي ملك خالع لدمائها! هذا جنون يافع!" ارتسمت على شفتي إريك ابتسامة باردة ومتهكمة، وجلس على الأرض قبالتها غير أبه بالزجاج الرخامي الذي يطحن تحت حذائه العسكري، وقال بنبرة هادئة ومبطنة بالسخرية: — "إذن فالوضعية انقلبت كلياً يا سيدة إيلينا.. اتضح أنكِ الثرية الحقيقية والسيدة الأولى هنا، وأنا مجرد قائد ألماني يعمل تحت مظلة ثروة عائلتكِ المسروقة!" ضحكت إيلينا بمرارة وهي تشير إلى يديه المددتي
في الصالون الدافئ لفيلا فيدريتش ببرلين، كانت الأجواء هادئة قبل أن يكسر رنين الهاتف الرخيم سكون المكان. أسرعت "ليليان" بلهفة لترفع السماعة، ليتأتى لها صوت "فيدريتش" العميق عبر الخطوط الممتدة من بولندا. تنفست ليليان الصعداء وهتفت بصوت متهدج: — "فيدريتش! أهذا أنت؟ طمئن قلبي أرجوك، كيف هي الأوضاع لديكما؟" جاءها صوت فيدريتش دافئاً ومطمئناً في البداية: — "هدئي من روعكِ يا حبيبتي.. أحمل لكِ خبراً طيباً؛ لقد تمكن إريك من تحرير إيلينا بنجاح، وهي الآن بأمان معه." تنهدت ليليان براحة حقيقية، لكن نبرة الحزن والتردد الخفية في صوت فيدريتش جعلتها تنقبض وتسأل بوجل: — "فيدريتش.. صوتك لا يطمئن، ما الذي تخفيه عني؟ هل هما بخير حقاً؟" صمت فيدريتش لثوانٍ، قبل أن يهمس بنبرة ثقيلة ومحملة بالأسى: — "الأوضاع بينهما قاسية جداً يا ليليان.. المشاحنات لا تتوقف منذ اليوم الأول، والأصعب من ذلك... أن إيلينا فقدت جنينها وهي في طريقها إلى بولندا." شهقت ليليان ووضعت يدها على فمها، وانهمرت دموع الصدمة والحزن من عينيها. اعتصر قلبها ألعماً على إيلينا وما مرت به من فاجعة، وقالت بصوت مكسور يملؤه التوسل: — "يا إلهي!
تردد صدى إغلاق الباب الخشبي الثقيل للفيلا في أرجاء الصالون المظلم. ساد صمت شاحن ومحمل بالشرار، بينما كان "إريك" يقف بجانب الطاولة، يخلع قفازه الجلدية بأسنان يديه، والدم ينزف من جرحه ببطء ليقطر على السطح الرخامي الثقيل. توقفت أقدام الحراس عند العتبة الخارجية بذهول، قبل أن يأتيهم صوت إريك القاطع والزاجر ليكسح أي محاولة للتدخل: — "ابتعدوا جميعاً! لا أريد أن أرى ظلاً لأحدكم قرب هذه الفيلا!" في منتصف الصالون، كانت "إيلينا" تقف كحصن يرفض الانكسار. ملامحها شاحبة، وعيناها تشتعلان بغضب جريح. رفعت يدها المرتجفة، وبحركة واحدة جارفة، دفعت تحفة رخامية ثقيلة موضوعة على الطاولة! هوت التحفة الرخامية على الأرض لتهتشم إلى ألف قطعة، ويدوي صوت انكسارها المروع في أرجاء المكان. لم يطرف لإريك جفن. اقترب منها بخطوات ثقيلة فوق الرخام المكسور، ولم يأبه بحذائه العسكري الذي يطحن الشظايا، ثم امتدت يده السليمة ليرفع إطاراً زجاجياً كبيراً ذو حواف رخامية من على رف المكتبة ويطرحه أرضاً بقوة جعلت إيلينا ترتد خطوة للوراء! صرخت إيلينا بصوت مبحوح يحمل طعنات خيبة الأمل: — "لا تقترب مني! كيف تطلب مني أن أثق برجل يخ
ساد الصمت الموحش في زوايا المخبأ المظلم عقب الاعتراف الشديد الذي انتزعه الواقع من شفاه "إريك". كانت عينا "إيلينا" المشتعلتان بالبرود والازدراء تخترقان ملامحه الصارمة كأنها نصل جليلي يثقب درعه العسكري. توقع "ليون" في تلك اللحظة أن يرى شقيقه ينكسر أو يتراجع خطوة إلى الخلف تحت ثقل خطيئته، لكن إريك لم يكن من الرجال الذين يطأطئون رؤوسهم عند المواجهة! انطفأت شرارة التوسل في عيني إريك فجأة، وحلت محلها قسوة فولاذية أشد ضراوة من صقيع الغابة بالخارج. خطى خطوة واسعة أذابت المسافة بينه وبين إيلينا، وقبل أن تتراجع، قبض على معصمها بيده السليمة بضغط حاسم لا يرحم. تصاعدت أنفاس إيلينا وصارعت قبضته بكبرياء جريح: — "اتركني! لا تلمسني بيديك الملطختين بالأكاذيب!" انحنى إريك نحوها حتى صار وجهه على بعد بضع بوصات من وجهها الشاحب، وقال بنبرة هادئة، لكنها أشد خطورة من صليل السيوف: — "يمكنكِ محاكمتي على الماضي كما تشائين يا إيلينا.. ويمكنكِ أن تكرهينني حتى آخر رمق في حياتكِ.. لكن ليس هنا! وليس تحت رحمة سلاح شقيقي المأجور، ولا أوهام المقاومة!" ردت إيلينا ببرود حاد وهي تحدق في عينيه المظلمتين: — "أنا لست






Peringkat
Ulasan-ulasanLebih banyak