LOGINكانت شقة جوليان تقع في الطابق الثامن عشر من برج سكني أنيق يطل على المدينة بأكملها، مكان يعكس شخصيته بدقة: أثاث بسيط لكنه فاخر، ألوان محايدة، ومساحات واسعة تكاد تكون خالية من أي أثر شخصي حقيقي، وكأن الشقة نفسها كانت تُبقي أسرارها كما يُبقي صاحبها أسراره.
حين دخلا معاً، لم يشعل الأضواء الرئيسية، بل ترك إضاءة خافتة واحدة قرب النافذة الكبيرة، تسمح لأضواء المدينة البعيدة أن تتسلل عبر الزجاج وتضيء المكان بتوهج ناعم لا يشبه أي إضاءة اصطناعية أخرى. وقفت صوفيا قرب النافذة، تنظر إلى المدينة الممتدة أمامها، وقد شعرت بتوتر غريب يسري في جسدها كله، مزيج من الترقب والتساؤل الداخلي عما تفعله بالضبط في هذا المكان، مع رجل التقت به قبل ساعات قليلة فقط. اقترب منها ببطء شديد، دون عجلة، ووقف خلفها على مسافة قريبة لكنه لم يلمسها بعد. "ما زلت تفكرين بشكل قانوني بحت، أليس كذلك؟" قال بصوته المنخفض قرب أذنها، بنبرة تحمل ابتسامة خفية. "تزنين الإيجابيات والسلبيات في رأسك حتى الآن." استدارت لتواجهه، وقد فاجأتها دقة ملاحظته مرة أخرى. "وكيف عرفت ذلك بالضبط؟" "لأن عينيك لم تتوقفا عن التفكير منذ خرجنا من المطعم، بينما جسدك يقول شيئاً مختلفاً تماماً." كانت هذه الجملة كافية لتشعرها بأن كل دفاعاتها المهنية المعتادة، تلك التي تستخدمها يومياً في قاعات المحاكم لتفكيك حجج خصومها، أصبحت عاجزة تماماً أمام رجل يقرأها بهذه الدقة المخيفة. مد يده ببطء شديد، ولمس بأطراف أصابعه خصلة شعر سقطت على وجهها، ثم انزلقت أصابعه ببطء لتلامس خط فكها برفق شديد، لمسة خفيفة لم تدم أكثر من ثانيتين، لكنها كانت كافية لتغلق عينيها لا إرادياً وهي تشعر بقشعريرة قوية تسري في جسدها بالكامل من تلك اللمسة البسيطة في ظاهرها فقط. "صوفيا،" همس اسمها بطريقة لم يسبق لأحد أن نطقه بها من قبل، ثقيلة ودافئة في آن واحد. فتحت عينيها لتجده قريباً جداً منها الآن، وجهه على بعد سنتيمترات قليلة من وجهها، وكانت أنفاسه الدافئة تلامس بشرتها بينما كانت هي تحاول، بصعوبة متزايدة، أن تتذكر لماذا كان من المفترض أن تتردد في هذه اللحظة بالذات. لم يقبّلها فوراً. بقي على تلك المسافة الصغيرة لثوانٍ طويلة، وكأنه يمنحها فرصة أخيرة للتراجع إن أرادت، بينما كانت يده الأخرى تستقر برفق على خصرها، لمسة خفيفة لكنها كافية لتشعرها بأن كل عصب في جسدها أصبح واعياً بحضوره الطاغي. حين قبّلها أخيراً، كانت القبلة بطيئة في بدايتها، مترددة بشكل مقصود، قبل أن تتصاعد تدريجياً وهي تجيبه بنفس القدر من التوتر المكتوم الذي كان يحمله هو أيضاً رغم هدوئه الظاهري. انتقلا معاً، بخطوات بطيئة متعثرة أحياناً بسبب القبلات المتواصلة، نحو غرفة النوم في الطرف الآخر من الشقة، حيث كانت النافذة الكبيرة هناك أيضاً تسمح لأضواء المدينة بالتسلل عبر الستائر الرقيقة نصف المسدلة. في تلك الغرفة، لم تكن هناك عجلة من أي نوع. كان جوليان يتقن فن الانتظار والتمهل أكثر من أي شيء آخر تعلمه في حياته، يترك التوتر يتصاعد بصمت محسوب حتى تصبح كل لمسة عابرة، كل نظرة مطولة، أثقل وأكثر إثارة من أي كلمة ممكن أن تُقال في تلك اللحظة. شعرت صوفيا بيده تنزلق ببطء على طول ذراعها العارية، من كتفها حتى معصمها، بلمسة خفيفة كالريشة تركت أثراً من القشعريرة في طريقها بالكامل. كانت أنفاسها قد تسارعت بشكل واضح لا يمكن إخفاؤه، بينما حافظ هو على ذلك الهدوء المدروس الذي بدا وكأنه يستمتع بكل لحظة من هذا التصاعد البطيء أكثر من استعجاله نحو أي شيء آخر. الضوء الخافت من المدينة كان يرسم ظلالاً ناعمة على الجدران، والوقت نفسه بدا وكأنه توقف تماماً عند تلك اللحظة الفاصلة بين التردد الأخير المتلاشي والاستسلام الكامل الذي كانت تشعر به يقترب بثبات. ما حدث بعد ذلك، في تلك الساعات الطويلة التي تلت، بقي محفوظاً بينهما فقط، خلف تلك النافذة المطلة على مدينة نائمة لا تعرف شيئاً عما يدور خلف زجاجها، في ليلة لم تشعر فيها صوفيا بمرور الوقت إطلاقاً، وكأن كل حواسها قد استيقظت فجأة بعد سنوات طويلة من الخدر التدريجي الذي لم تكن تعي حتى وجوده. حين فتحت عينيها أخيراً بعد ساعات، كانت أضواء المدينة قد بدأت تخفت تدريجياً مع اقتراب الفجر، وكان جوليان نائماً - أو يتظاهر بالنوم - بجانبها، بينما كانت هي مستيقظة تماماً، تحدق في السقف، تحاول أن تفهم بالضبط ما الذي حدث لها في هذه الليلة الغريبة، وما الذي سيحدث الآن بعدها. لم تكن تعرف بعد أن السؤال الحقيقي لم يكن "ماذا سيحدث بعدها"، بل كان: هل ستحدث "بعدها" أصلاً؟وقف جوليان أمام باب توماس ثلاث دقائق كاملة قبل أن يضغط الجرس.كان يحمل في يده اليمنى علبة شوكولاتة اشتراها من ثلاثة محلات قبل أن يقتنع بها، وفي يده اليسرى دمية دب صغيرة لا يعرف لماذا اشتراها. لم يدخل بيتاً عائلياً حقيقياً، غير بيت مايا، منذ سنوات طويلة، وكان يشعر بأنه على وشك أن يقف أمام لجنة امتحان لا يعرف موادها.فتح الباب توماس بمريلة مطبخ مبقعة بالطماطم، وابتسامة عريضة لم يحاول إخفاء دهشتها. "جئت فعلاً! سارة، ادفعي لي المبلغ الذي راهنتِ به، الرجل جاء.""لم أراهن على العكس،" جاء صوت من الداخل، ثم ظهرت سارة، زوجة توماس، امرأة في مثل عمره، بشعر مجعد مربوط بمنديل وعينين ذكيتين. لم تصافحه، بل عانقته عناقاً سريعاً دافئاً كأنها تعرفه منذ الأزل، وهمست في أذنه: "شكراً لأنك جئت. هو يتحدث عنك كل أسبوع."قبل أن يجيب، انفجر الممر بصوتين صغيرين. ركضت الفتاتان التوأم، لينا وميرا، في السابعة من عمرهما، وتوقفتا أمامه بصمت مفاجئ، تتفحصانه بجدية عالمين صغيرين."أنت العم جوليان؟" سألت لينا."هذا ما يقولونه.""أبي يقول إنك طبيب للناس الحزينين.""وإنك تعرف كل الأسرار،" أضافت ميرا بعينين متسعتين.جثا جو
لم يكن جوليان يقبل أن يراه أحد في حالته تلك، إلا رجلاً واحداً في العالم.كان توماس يملك مفتاح شقته منذ عشرين سنة، منذ أيام السكن الجامعي حين كانا شابين يقتسمان غرفة ضيقة وأحلاماً أكبر منها. وفي مساء خميس ماطر، بعد أسابيع من ناتالي، فتح توماس الباب بمفتاحه دون أن يطرق، ووجد صديقه جالساً في العتمة على الأرض، ظهره إلى الأريكة، وأمامه زجاجة ماء لم يفتحها."ثلاثة أسابيع لم ترد فيها على مكالماتي،" قال توماس وهو يعلّق معطفه المبلل. "فقلت لنفسي: إما أنه مات، وإما أنه وقع في الحب. وكلاهما يستحق زيارة.""لا أنا ميت ولا عاشق.""طبعاً." أشعل توماس الضوء دون أن يستأذن، وأطلق صفيراً قصيراً وهو ينظر إلى وجه صديقه. "بل تبدو كمن يخوض حرباً أهلية في رأسه. اجلس يا رجل، سأصنع لنا شيئاً نأكله. وأنت ستحكي."كان توماس في الثانية والأربعين، مهندساً معمارياً ببطن صغيرة وابتسامة دافئة وخاتم زواج لا يخلعه. تزوج من حب جامعي، وله ابنتان توأم يتحدث عنهما بعينين تلمعان. كان الرجل الوحيد الذي يعرف كل شيء عن جوليان: الليالي، والأسماء، والقاعدة الحديدية. وكان الوحيد الذي لا يحكم عليه، مع أنه لم يوافقه يوماً.في المطبخ
مرت أيام بعد رحيل ناتالي، وظن جوليان أن الأمر انتهى كما ينتهي كل شيء في حياته. أغلق ملفها ووضعه في الأرشيف، وأحاله رسمياً إلى الدكتورة نادية بمذكرة مقتضبة، وعاد إلى مرضاه ومقالاته وجدول مواعيده الذي يملؤه بالتفاصيل كي لا تبقى فيه فجوات. حاول أن ينساها كما ينسى كل النساء، بالتقنية نفسها التي أتقنها طويلاً: أن يمنح الذاكرة عملاً كثيراً حتى لا تجد وقتاً لتؤلمه.لكن الأمر لم يكن كذلك.لأول مرة في حياته، لم يكن يتذكر امرأة لأنه فاز بها، بل لأنه لم يفعل. لم تكن هناك ليلة، ولا رحيل صامت، ولا انتصار يضيفه إلى سجله الطويل. كانت هناك فقط جملة قالتها عند الباب، وسؤال عن قاعدته لم يعرف كيف يجيب عنه، ورائحة عطر لم تفارق ذاكرته، وصوت يتردد في رأسه كلما أطفأ الأنوار: *ما الذي يبقيك مستيقظاً في الليل؟*وفي ليلة ما، اكتشف أنه هو أيضاً لا ينام. جلس على الأريكة في العتمة حتى الفجر، تماماً كما وصفت هي مطبخها، ينظر إلى السقف ويحصي أصوات المبنى: أنبوب ماء يتنهد، مصعد بعيد يصعد ويهبط، جار يسعل. لم يستطع أن يقرر إن كان ذلك مصادفة أم عدوى، وأيقن أن الفرق بين الأمرين لا يهم.في الأسبوع الثاني، وصله ظرف صغير إل
وافق جوليان على جلسة أخيرة. قرر أن يكون واضحاً وحازماً، أن ينهي الأمر في لقاء رسمي داخل العيادة، مع مساعدته في الغرفة المجاورة والباب غير مغلق تماماً، كما تقتضي الأصول المهنية. قضى الليلة السابقة يعد ما سيقوله، جملة جملة، كما يعد المحامي مرافعته، وكان يعرف أن هذا الإعداد نفسه علامة على أنه لم يعد يثق بعفويته أمامها.دخلت ناتالي بلا فستان أسود ولا عطر هذه المرة. عادت إلى معطفها الرمادي وإلى وجهها الخالي من الزينة، امرأة متعبة تبدو أصغر سناً وأهش مما عرفها في الجلسات الأولى. جلست على الأريكة وأبقت حقيبتها في حجرها كدرع صغير، وظلت صامتة لحظات طويلة تنظر إلى الأرض، ثم رفعت عينيها إليه."أنا لست ما تظن،" قالت قبل أن يبدأ. "لن أخدعك بعد الآن. كل ما قلته وفعلته كان صحيحاً، وكان مدروساً أيضاً. قرأت عن التحويل قبل أن آتي إليك، وعرفت أي الجمل تؤثر فيك، وجربتها كلها واحدة بعد الأخرى. جئت بنية أن أختبر ما إذا كان أحد قادراً على مقاومتي.""لماذا؟" سألها بصوت هادئ، وقد وضع دفتره جانباً دون أن يشعر."لأن حياتي كلها كانت اختباراً لهذا: أن أرى إن كان أحد يبقى حين أكشف عن نفسي." نظرت إلى يديها المتشابك
وافق جوليان على جلسة أخيرة. قرر أن يكون واضحاً وحازماً، أن ينهي الأمر في لقاء رسمي داخل العيادة، مع مساعدته في الغرفة المجاورة والباب غير مغلق تماماً، كما تقتضي الأصول المهنية. قضى الليلة السابقة يعد ما سيقوله، جملة جملة، كما يعد المحامي مرافعته، وكان يعرف أن هذا الإعداد نفسه علامة على أنه لم يعد يثق بعفويته أمامها.دخلت ناتالي بلا فستان أسود ولا عطر هذه المرة. عادت إلى معطفها الرمادي وإلى وجهها الخالي من الزينة، امرأة متعبة تبدو أصغر سناً وأهش مما عرفها في الجلسات الأولى. جلست على الأريكة وأبقت حقيبتها في حجرها كدرع صغير، وظلت صامتة لحظات طويلة تنظر إلى الأرض، ثم رفعت عينيها إليه."أنا لست ما تظن،" قالت قبل أن يبدأ. "لن أخدعك بعد الآن. كل ما قلته وفعلته كان صحيحاً، وكان مدروساً أيضاً. قرأت عن التحويل قبل أن آتي إليك، وعرفت أي الجمل تؤثر فيك، وجربتها كلها واحدة بعد الأخرى. جئت بنية أن أختبر ما إذا كان أحد قادراً على مقاومتي.""لماذا؟" سألها بصوت هادئ، وقد وضع دفتره جانباً دون أن يشعر."لأن حياتي كلها كانت اختباراً لهذا: أن أرى إن كان أحد يبقى حين أكشف عن نفسي." نظرت إلى يديها المتشابك
حاول جوليان طوال الأسبوع التالي أن يقنع نفسه بأن كل شيء طبيعي. ألغى موعدها القادم، وطلب من مساعدته أن تخبرها أنها ستُحال قريباً إلى زميل آخر، وانغمس في جدول مزدحم من المرضى والاجتماعات والمقالات المؤجلة. لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة. وصلته يوم الأربعاء رسالة على هاتفه الشخصي، لا على عنوان العيادة الرسمي، وهو ما أربكه أكثر من مضمونها: "لا أطلب منك شيئاً. فقط أريد أن أخبرك أنني لم أنم منذ ثلاث ليالٍ. لا تقلق، لن أؤذي نفسي. أنا فقط أفكر." لم يعرف كيف حصلت على رقمه الشخصي ولا يعرف كيف يتعامل معها ومع ارقها الذي تحول الى هوس به . قضى نصف ساعة يحدق في الشاشة، والطبيب فيه يصرخ بأن يرد ويطمئن على مريضته، والرجل فيه يصرخ بالعكس. وفي النهاية لم يرد. في اليوم التالي، رسالة ثانية: "أعرف أنك لن ترد. هذا أيضاً جزء من احترامي لك." كانت الرسائل هادئة، خالية من أي اتهام أو ضغط ظاهر، ولذلك بالذات كانت أشد وطأة. لم تكن تهدد، ولا تتوسل، بل تترك أثراً خفيفاً في حياته يوماً بعد يوم، كقطرة ماء تسقط على حجر ببطء لا يُلاحظ. وكان جوليان، الرجل الذي فعل ذلك بعشرات النساء دون أن يشعر بشيء، يكتشف الآن معنى أ







