เข้าสู่ระบบعندما رأى الجدّ والجدّة حفيدَهما اغرورقت أعينُهما بالدموع من شدّة الفرح، ولم يشبعا من احتضانه، حتى إن كلماتِهما خرجت متقطّعةً.قالت السيدةُ البردي بلهجةٍ مرتعشةٍ من فرط الانفعال: "يا سالم، انظر! إنه نسخةٌ طبق الأصل من سهيل وهو صغير! يا للروعة، الشبهُ كبيرٌ جدًّا!"ولم يكن السيدُ سالمُ البردي أقلَّ تأثّرًا؛ ظلّ يحدّق في الطفل مليًّا ثم قال: "يشبهه فعلًا، لكنه يبدو أذكى ممّا كان سهيلٌ في طفولته."اعترض سهيل بلهجةٍ غير راضية: "أنتم متحيّزون للأحفاد، ترون كلَّ شيءٍ أجمل!"ابتسمت السيدةُ البردي وتقدّمت بلطفٍ وهي تلاطف الصغير: "حبيبي، أنا جدّتك، هل تسمح لي أن أحملك قليلًا؟"كان حمودي قد عاد معي للتوّ، ورأى خلال اليومين الماضيين وجوهًا كثيرةً غير مألوفةٍ، فبدت عليه الحيرةُ، والتفت إليَّ هامسًا: "ماما…"تتبّعت السيدةُ البردي نظرةَ الطفل حتى وقعت عليّ، وكأنها انتبهت إليَّ للمرّة الأولى، فتغيّرت ملامحُها قليلًا وخفّ وهجُ فرحتها.انتهز سهيل الفرصة وقال: "أمي، تحدّثي قليلًا مع جيهان، وبعدها العبي مع الطفل."أومأت السيدةُ البردي وأشارت إليَّ بلباقةٍ: "جيهان، نلتقي مرّةً أخرى، تفضّلي بالجلوس."ابتسم
عبست الخالة وقالت: "ما معنى هذا؟ أيمكن أنهم سيقبلونكِ؟"قلتُ: "مستحيل..." وهززتُ رأسي؛ كان حدسي يخبرني أن الأمر ليس كذلك.لو كان من السهل أن ترتفع مكانةُ الأم بفضل طفلها، فما معنى أنني انفصلتُ عن سهيل بكل ذلك الألم؟لم أكن أعرف ماذا تنوي عائلة البردي، لكن سهيل لم يمنحني فرصةً للتهرّب.بعد نصف ساعةٍ جاء إلى المستشفى ورآنا أنا والطفل.ولأنهما لعبا معًا أمسِ، تذكّر حمودي هذا "العم"، فعندما مدّ سهيل يده ليحمله رفع الصغير ذراعيه واندفع إليه فورًا.شعرتُ بشيءٍ من الغيرة.إن رابطةَ الدم عجيبةٌ حقًّا.حتى وإن لم يعيشا معًا قط، بدَوَا منذ اللقاء الأول قريبين، ويتقبّلان بعضهما بسرعة.حمل سهيل ابنه بيدٍ وفتح باب السيارة بالأخرى، وقال: "اصعدي."ما زلتُ أقاوم: "هل يجب أن أذهب؟ يمكنك أن تأخذ الطفل وحده."فقال وهو ينظر إليّ: "أتريدين مني أن أقيّدكِ؟"التزمتُ الصمت...وبلا حيلةٍ صعدتُ إلى السيارة.في الطريق سألته عن قصد والديه.فقال: "لا أعلم أنا أيضًا، لكنهما حين عرفا أنكِ أنجبتِ طفلًا اختلطت مشاعرهما. هذا الصباح قالا لي: عندما آخذ الطفل، آخذكِ معه."ظللتُ أفكر مليًّا، أبحث عن طريقةٍ أتعامل بها مع ال
كنتُ أهدئ الصغير وأمسك بيده لأخفف من انفعاله.ولحسن الحظ كانت شخصية ابني مرِحةً وشجاعةً؛ فما إن وعدته خالتي باللعب وبشيءٍ لذيذٍ، حتى هدأ وتوقف عن المقاومة.دخلنا الغرفة وكانت الجدة مستيقظةً.وحين رأت حفيدها الصغير ابتسمت بفرحٍ رغم وهنها، ورفعت يدها تشير إلينا أن نقترب.حملت خالتي الطفل واقتربت من السرير، فأمسكت الجدة النحيلة بيد الصغير البيضاء الناعمة.كان مشهدًا يمسّ القلب، كأنه صورةٌ لتعاقب الحياة واستمرارها.وأنا أنظر شعرتُ بوخزةٍ في أنفي.بقينا في الغرفة نؤانس الجدة طويلًا، لكن صحتها تضعف يومًا بعد يوم؛ لم تمضِ ساعةٌ على يقظتها حتى بدأت طاقتها تخور.قلتُ لها برفقٍ، كأنني أخاطب طفلًا: "جدتي، نامي قليلًا، وحين تستيقظين نلعب مجددًا، ما زال أمامنا وقتٌ طويل."عندها أومأت الجدة، ونظرت إلى الصغير بأسًى، ثم غفت.وكانت خالتي قد اشترت حقًّا الكثير من الألعاب والأطعمة.جلس حمودي جانبًا يفتح الألعاب ويتفحّصها بنفسه.التفتت خالتي إليّ وربّتت على كتفي وسألت برفقٍ: "ماذا قال لكِ سهيل أمس؟ هل حاول أن يأخذ الطفل؟"هززتُ رأسي وقلتُ: "لا، هو دائمًا رجلٌ مهذّبٌ ولا يفعل ذلك. لكن الشيخ الأكبر لعائلة ا
عندما غادر سهيل كان يغادر على مضض.عانق ابنه مرةً أخرى وقبّله، وظل يلاطفه بكلماتٍ رقيقةٍ طويلًا.ولم يغادر إلا بعد أن عادت سلمى ولينا.سألت لينا بفضولٍ وهي تضع العشاء الذي أحضرته لي: "ما الوضع؟ كيف جرى حديثكما؟"ابتسمتُ بهدوء وقلتُ: "لا بأس؛ بدا أنه لا ينوي منازعتي على حضانة الطفل، لكنه طلب أن يأخذ حمودي لزيارة الشيخ الأكبر لعائلة البردي، بعد أن أزور جدتي به غدًا."أومأت سلمى وقالت: "وهذا منطقيٌّ؛ فالطرفان من كبار السن كانا يتمنّيان أن تؤسسا أسرةً ويكون لكما وريثٌ، والآن تحقق ما أراداه."سألت لينا: "وماذا عنكِ أنتِ؟ ألا يظهر أي نيةٍ تجاهكِ؟"قلتُ: "وأي نيةٍ تتوقعينها؟"قالت: "تعرفين ما أعني! الطفل وُلد؛ ألا ينبغي أن يكون هناك موقفٌ واضح؟ متى تعودان لبعضكما، بل ومتى تتزوجان؟ أليس من حق الطفل أن ينشأ في بيتٍ مكتمل؟"نظرت إليّ لينا تنتظر الرد.لكنني هززتُ رأسي: "لم أفكر في ذلك."بصراحة، ما زلتُ أحب سهيل.لكنني لم أعد أشعر برغبةٍ في امتلاكه أو تقييده.أفكر فقط: إن أراد أن نعود، فلا بأس، وإن لم يرد، فلا أريد أن أضغط عليه بالزواج أو بالوعود.دع الأمور تسير بهدوءٍ كما يشاء الله، المهم ألا نؤذ
بينما كنتُ أُعد الحليب، وأُحكم إغلاق الرضّاعة وأهزّها، نظرتُ إليه وقلتُ: "الأسئلة التي تطرحها لا أستطيع أن أجيب عنها إلا هكذا.إذا كنت ستلومني لأنني لم أخبرك، فلا أعرف كيف أشرح، لكن في ذلك الوقت لم يكن بإمكاني أن أخبرك."وتابعتُ: "ثم عندما عرفتُ أنني حامل، كانت حالتي الصحية سيئةً؛ كنتُ قد تناولتُ أدويةً بسبب مرض، وقال الأطباء إنهم لا يضمنون سلامة الجنين.كنتُ أنوي أن أُبقي الحمل، ثم نراقب الأمر عبر الفحوصات اللاحقة، فإن ظهرت مشكلة خطيرة اضطررنا إلى إسقاطه، وربما إلى تحريض الولادة.ومن أجل هذه الاعتبارات لم أخبرك."بعد أن انتهيتُ، ناولتُ الرضّاعة لابني، ثم قلتُ لسهيل: "اجلس، لا تتجول، دعه يشرب حليبه."جلس سهيل في غرفة الجلوس وهو يحمل الطفل، ولأنني لا أريد أن أبقى أحدق فيه، بدأتُ أرتّب الحقائب.عندما شبع الصغير وهدأ قليلًا، كان علينا أن نغسله ونبدّل ملابسه المتسخة استعدادًا للنوم.كان سهيل يرمقني بين حينٍ وآخر وأنا منشغلة.سأل: "كم كنتِ تنوين البقاء بعد عودتكِ؟"قلتُ: "جدتي مريضة جدًا، وأردتُ أن أكون معها في أيامها الأخيرة، لكنني لم أحدد مدة بقائي."فأنا أحمل إقامةً دائمةً في مملكة السحا
كان الصغير يلف ذراعيه حول عنقي ويشهق بالبكاء.كان سهيل متوترًا وحائرًا، وقال: "لماذا يبكي هكذا؟ هل يتألم؟"نظرتُ إليه، فرأيتُ أن القلق والارتباك قد أزالا حدته السابقة، وفكرتُ أنه مسكينٌ فعلًا، ليس إلا أبًا يرى طفله لأول مرة.تبدّل موقفي أيضًا، وشرحتُ له بهدوء: "الأطفال حين يستيقظون من النوم يكونون هكذا، وبعد قليل يهدأ."أومأ برأسه، وبقي واقفًا إلى الجانب، وعيناه معلقتان بالصغير.بعد مدة هدأ الطفل، ورفع رأسه عن كتفي لينظر حوله.المكان غريبٌ، والوجوه غريبةٌ.دار حمودي ببصره في الغرفة، وفي النهاية توقفت عيناه على سهيل.كانت دموعه ما تزال تلمع، وفمه مزمومًا قليلًا، لكن ملامحه هدأت حين رآه، وثبتت نظراته عليه.وبقي سهيل على حاله، يتأمله دون أن يرمش، وتبادلا النظر صامتين.لا أعرف ما الذي كان يدور في رأس ابني، لكنني رأيتُ في عينيه ألفةً فطريةً.ربما لا يفهم معنى القرابة، لكنه كان يشعر في قرارة نفسه بأنه يحب هذا "العم" أمامه.لم يكن في قلبي حقدٌ على سهيل، ففراقنا كان بسبب ظروفٍ قاهرةٍ من الخارج.كما أنه لم يفعل يومًا ما يسيء إليّ.لذلك لم أرغب في منع اعترافهما، فقلتُ برفقٍ وأنا أداعب ابني: "حمو







