LOGINباعتبارها عشيقة سرية لأنس، بقيت لينا معه لخمسِ سنواتٍ. ظنت أنَّ السلوكَ الطيب والخضوع سيذيبان جليد قلبه، لكنَّها لم تتوقع أن يهجرها في النهاية. كانت دائمًا هادئةً ولم تخلق أيَّ مشاكل أو ضجةً، ولم تأخذ منه فلسًا واحدًا، ومضت من عالمهِ بهدوء. لكنَّ— عندما كادت أن تتزوج من شخصٍ آخر، فجأةً، كالمجنون، دفعها أنس إلى الجدار وقبَّلها. لينا لم تفهمْ تمامًا ما الذي يقصده السيد أنس بتصرفهِ هذا؟
View Moreكانت الأشجار المتساقطة على الجبل الثلجي أشبه بخشبة مهترئة تفصل بين عالمين. وكان أنس ينوي أن يتخطى الجذع في البداية، لكنه جلس ببطء بجانبه لسببٍ ما.تبعه رعد ورآه يجلس، ففتح مظلته وتوجه نحوه.انحنت حافة المظلة لتحجب الثلج المتساقط، فارتجفت رموش أنس الطويلة قليلاً، لكنه لم يلتفت. بل مدّ يده الكبيرة الخشنة وربت برفق على الجذع الذابل بجانبه."اجلس."خاف رعد أن يتبلل والده بالثلج، فجلس بجانبه تاركًا المظلة مفتوحة. ثم ثنى ركبتيه وأسند مرفقيه على فخذيه، والمظلة مائلة إلى جانب والده.بدا والده مختلفًا اليوم. كان يرتدي معطفًا أسود ووشاحًا أبيض حول عنقه. كانت ملابسه كما هي، لكن وجهه المُهندم بعناية أوحى بشعورٍ خفيّ بالفراق."أبي!"نادى رعد، لكنه لم يعرف ماذا يقول. بدا وكأنهما قد قالا كل ما كانا بحاجةٍ لقوله لبعضهما، ولم يبقَ شيءٌ ليُقال، ومع ذلك شعر أنه لم يقل شيئًا على الإطلاق، تاركًا شعورًا عميقًا بالندم...حوّل أنس نظره قليلًا إلى رعد الذي كان يرتدي سترةً خفيفةً فقط، ثم خلع معطفه ولفّه حول كتفيه بشكلٍ عفويّ. رفض رعد محاولًا سحبه، لكنّ زوجًا من الأيادي الطويلة النحيلة ضغطت عليه."الآن، لم يعد ب
في يوم احتفال رعد ببلوغه سن الرشد، تساقطت ثلوج كثيفة، تمامًا كما حدث يوم استيقظت لينا من غيبوبتها، فوقفت أمام النافذة شاردة، ونسيت أن تنزل.خرج أنس من غرفة الملابس بعد أن بدّل ملابسه، فرآها واقفةً بلا حراك عند النوافذ الفرنسية. ولم يسعه إلا أن يتوقف هو الآخر.تأمل تلك القامة المنقوشة في عظامه، فبدا له كأنه عاد شابًا، وهي تمشي نحوه تحت الضوء، شعرها يتطاير وعيناها تلمعان، كجمرة وُسم بها قلبه.كانت تلك الصورة هي الأكثر رسوخًا في ذاكرته، وكان يخشى أن ينساها يومًا في هذه الحياة. ومع ذلك، فبينما قد تطول أعمار الآخرين، أما عمره فلم يبلغ الخمسين حتى بدأ كل شيء يُسحب منه...لم يلم القدر على هذا؛ إنما عجز عن فراق لينا؛ غير أن جسده لم يعد يحتمل كل ذلك الحب المتدفق وكل التعلّق العميق وكل الشوق الذي كان يتمنى أن يحمله إلى حياة أخرىابتسم أنس بعجز، ثم أجبر نفسه على العودة إلى غرفة الملابس وأحضر معطفًا ناعمًا، ولفّه حول لينا من الخلف.أفاقت لينا من شرودها وهي ممسكة بالمعطف وأغلقت رموشها الطويلة ونظرت إلى اليدين المحيطتين بخصرها. وبشكل غريزي وضعت أصابعها فوقهما."يداك أبرد من المعتاد اليوم.""الجو يزد
لم يكن أمر تطويره للروبوت خافيًا على سعيد، فقبل أن يصل أنس، كان يعمل بجدٍّ على الآلة، يُعدّل وظائفها باستمرار.ومن خلال الزجاج، راقب أنس سعيد وهو يكتب الشيفرة بسرعة، بينما كان الروبوت بجانبه يتحدث كشخص حقيقي تحت سيطرته، فارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي أنس."سعيد..."عند سماع صوت سعيد، توقف عما كان يفعله والتفت لينظر إلى أخيه الثاني. ففي السنوات الأخيرة، تحمل أخوه الثاني الكثير من الألم، وعمل بلا كلل ليلًا ونهارًا لتطوير هذا الروبوت.ولم يستطع سعيد تحمل رؤيته، فعرض المساعدة. على الرغم من أن قدراته كانت أقل بكثير من قدرات أخيه الثاني، إلا أنه بفضل جهوده المتكررة، اكتملت الخطوة الأخيرة أخيرًا."أخي الثاني، متى نُريه لزوجتك؟"أبعد أنس يد سامح ووقف مستقيمًا، ثم تقدم نحو الروبوت وفعّل المفتاح خلف رأسه، ولما سمع صوته مطابقًا لصوته تمامًا، ابتسم من جديد."بهذه الطريقة، لن تشعر بالوحدة بعد رحيلي..."لم تكن الشريحة التي صنعها قاتلة، بل كانت تسجّل كلماته، كلمات تكفي لعشر أو عشرين سنة.إذا أرادت لينا سماع كلماته، فعليها أن تبقى على قيد الحياة؛ وإلا فلن تتمكن من سماعها. فعل أنس ذلك لأنه كان يعلم أن
أطفأ رعد النور، واستلقى على جنبه في سريره وانكمش على نفسه غير مصدقٍ ما يحدث. فمنذ لحظة ولادته، كان والده يتحمّل الألم بصمت ويلازمه كأن لا شيء به، يرافقه حتى يكبر يومًا بعد يوم...وتذكّر كيف كان في صغره متهوّرًا يتجاهله أحيانًا، فاستحضر أفعاله الطائشة، ورفع يده وصفع نفسه بقوة...بعد أن ضرب نفسه، غطى الصبي الذي لم يذرف دمعة من قبل وجهه بلا سيطرة، ودفن نفسه في الأغطية وبكى بكاءً مريرًا، كطفلٍ على وشك الهجر، ينتحب بلا انقطاع...لم يفهم رعد معنى الموت من قبل، لكن الآن وقد اقترب الموت منه، شعر بعمق كم كان يحب والديه. حتى أنه أمضى الليل كله يقرأ الكتب الطبية، باحثًا عن طريقة لإزالة الشريحة...في ليلة واحدة، فتش في كل كتاب طبي متعلق بجراحة فتح الجمجمة، واتصل بشكري وجورج وجميع الأطباء المشهورين الذين يعرفهم، لكن النتيجة كانت واحدة: لا سبيل.لم يستطع أي طبيب إزالة الشريحة مع منع تفشي الفيروس في الوقت نفسه، فجلس رعد عاجزًا في غرفته طوال الليل.كانت الغرفة مظلمة تمامًا، لا يخترقها حتى شعاع ضئيل من ضوء القمر، فضلًا عن أي ضوء يهتدي به في طريقه المجهول...لم ينم رعد لحظة واحدة تلك الليلة. وفي اليوم ا
"لا"هزت لينا رأسها نفيًا، مقارنة بالإصابة التي لا تزال تنزف في مؤخرة رأسه، لم تكن إصابة ظهرها شيئًا يُذكر."إن إصابتك خطيرة، فلنذهب إلى المستشفى."كانت يداها مغطتان بدمائه، وذكرها ذلك اللون الأحمر الصارخ رغمًا عنها بالحادثة التي تعرضت لها قبل خمس سنوات.وزاد ذلك من شعورها بالذنب. في المرتين، أُصيب
في عينيها، لم يكن هناك سوى صفاء ورجاء، لا أثر فيهما لأي مشاعر تجاهه سوى طلب الرحمة.ذلك النقاء الذي لم يُبْقِ فيه موطئًا لأمل، جعل الدم يتجمّد في عروق أنس الفاروق.تلك الطمأنينة التي شعر بها حين لمسها... تلاشت في لحظة واحدة.كأنّ صدره شُقّ بسكين بارد، جرحٌ طويل عميق، جعل جسده كله يتلوّى بالألم، حتى
لاحظ باسل أنها تحدق في ناطحة السحاب بذهول، فدفعها برفق."آنسة لينا، تفضلي معي."عندها فقط استعادت لينا وعيها وتبعته إلى داخل إحدى المباني ذات التصميم المعلق المستقبلي.نظام الأمن في مجموعة الفاروق صارم للغاية، حيث يتوجب على الزوار الخارجيين التحقق من هوياتهم قبل الدخول، وإلا فلن تفتح الأبواب.بينما
عندما رأى سامح أنس بهذه الحالة، شعر فجأة بالقلق.رئيسه كان دائمًا ماهرًا في السيطرة على مشاعره، لكن بسبب الآنسة لينا، خرج عن السيطرة عدة مرات."سيد أنس، أنت..."أراد سامح أن يقول بما أنهما قد انفصلا، فليتركها، فهذا أفضل له وللآنسة لينا.لكن هذه الكلمات علقت في حلقه، ولم يعرف كيف يعبر عنها، شعر أن قو
Ratings
reviewsMore