Home / الرومانسية / ترانيم الجدران الصامتة / الفصل الرابع: نبض تحت الأنقاض

Share

الفصل الرابع: نبض تحت الأنقاض

Author: إيلا
last update publish date: 2026-03-06 22:09:23

كان الممر السري الذي انزلقا إليه ضيقاً ورطباً، يفوح منه عبق الأرض البكر الممزوج برائحة الكبريت القديم. نزلا درجات حجرية لولبية بدت وكأنها لا تنتهي، حتى وصلا إلى ردهة تحت الأرض، كانت أشبه بمختبر علمي عتيق يجمع بين فخامة العصر الفيكتوري وبدايات التكنولوجيا الحديثة. كانت الجدران هنا مغطاة بصفائح نحاسية ضخمة، تتصل بأسلاك معقدة تشبه العروق في جسد عملاق.

"آدم، انظر إلى هذا المكان.." همست ليان وهي ترفع كشافها لتضيء الزوايا. "هذا ليس مجرد سرداب، إنه قلب المحرك الذي تحدث عنه أجدادنا."

كان آدم يتجول بين الآلات بذهول، يمرر يده على التروس الصدئة والمولدات الضخمة. "هذه تقنية توليد الطاقة الجيوحرارية.. لكنها متطورة جداً بالنسبة للأربعينيات! جدي كان يسبق عصره بقرون، وليان.. يبدو أن القصر بأكمله مبني فوق ينبوع مائي كبريتي حار، وهذه الآلات تحول تلك الحرارة إلى طاقة لا تنفد."

توقف آدم أمام لوحة تحكم مركزية، كان يتوسطها تجويف على شكل قلب محفور في الرخام الأسود. "اجتماع الدمين.." تمتم آدم وهو يتذكر وصية أجدادهما. "ليان، هل تدركين ما يعنيه هذا؟ هذا النظام لن يعمل إلا بكلمة سر بيولوجية، أو ربما شيفرة جينية تركوها لنا."

اقتربت ليان منه، وكان التعب قد بدأ يظهر على ملامحها الرقيقة، لكن عينيها كانتا تلمعان بإصرار غريب. "آدم، قبل أن نفعل أي شيء، انظر إلى تلك الشاشة الزجاجية." أشارت إلى صندوق عرض زجاجي يحتوي على مذكرات مفتوحة.

كانت المذكرات مكتوبة بخطين مختلفين، يتناوبان في كتابة الأسطر كأنهما حوار مستمر. قرأت ليان بصوت مرتجف: "إلى ليان وآدم.. نحن نعلم أنكما هنا الآن. لم نترك لكما هذا الإرث لتصبحا أغنياء، بل لتعيدا للعالم ما سلبته منه شركات الجشع. لقد طاردونا، وحاولوا قتل حلمنا، لكننا وجدنا في صداقتنا -وفي حبنا لعائلاتنا- القوة لنخفي هذا السر حتى يحين الوقت المناسب."

توقفت ليان عن القراءة وشعرت بغصة في حلقها. التفتت إلى آدم لتجده ينظر إليها بعمقٍ لم تألفه. "آدم، هل تعتقد أننا سننجو من هذا؟ أولئك الأشخاص الذين حبسونا في الأعلى.. لن يتركونا نخرج بهذه المعلومات."

خطا آدم نحوها، وأمسك بيديها بين كفيه القويتين. في تلك اللحظة، وسط الآلات الصدئة والظلام الدامس تحت الأرض، لم يكن هناك مكان للخوف. "ليان، اسمعيني جيداً. طوال حياتي كنت أؤمن بالأعمدة والخرسانة لأنها ثابتة ولا تخون. لكنني اليوم اكتشفت أن هناك شيئاً أقوى من الفولاذ.. وهو هذا الشعور الذي يشدني إليكِ منذ أول لحظة رأيتكِ فيها أمام تلك اللوحة."

انحنى آدم قليلاً ليلامس جبينه جبينها. "أعدكِ، لن يلمسكِ سوء وأنا أتنفس. نحن لسنا مجرد أحفاد يحملون سراً، نحن الآن شركاء في مصير واحد.. وقصة حب بدأت بين جدران صامتة، لكنها ستصرخ في وجه كل من يحاول إطفاء نورنا."

كانت لحظة من السكون المطلق، كأن الزمن توقف ليمنحهما فرصة لالتقاط الأنفاس قبل العاصفة. تلاقت شفاههما في قبلة سريعة وخاطفة، كانت بمثابة عهد مكتوب بالنبض لا بالحبر.

قطع هذا السكون صوت اهتزاز عنيف في السقف، تبعه دوي انفجار بعيد. "لقد بدأوا باستخدام المتفجرات لفتح الباب الحديدي!" صرخ آدم وهو يسحب ليان نحو لوحة التحكم. "يجب أن نفعل النظام الآن، إنه المخرج الوحيد. إذا اشتغلت الطاقة، ستفتح الأبواب الهيدروليكية آلياً."

"ماذا نفعل؟" سألت ليان بذعر.

"الميدالية!" قال آدم. "ضعي ميداليتكِ في الجانب الأيسر، وسأضع ميدالية جدي في الجانب الأيمن. يجب أن نديرها في نفس اللحظة."

وضع كلاهما الميداليات في التجاويف المخصصة. عدّ آدم بصوت مرتجف: "واحد.. اثنان.. ثلاثة!"

دارت الميداليات، وفجأة، انبعث صوت أزيز كهربائي من تحت أقدامهما. بدأت الأنابيب النحاسية تتوهج بلون أزرق سماوي مبهر، واهتزت الأرض بقوة أكبر. لكن النور لم يكتمل، بدأت الأضواء تومض باللون الأحمر.

"هناك خطأ ما!" صرخ آدم وهو يتفحص العدادات. "النظام يحتاج لضغط يدوي مستمر من جهتين متباعدتين ليفتح صمام الأمان.. ليان، يجب أن تذهبي إلى تلك الرافعة في أقصى الغرفة، وأنا سأبقى هنا."

"لكن هذا يعني أننا سننفصل!" صرخت ليان وهي ترفض ترك يده.

"فقط لعشر ثوانٍ! اذهبي يا ليان، ثقي بي!"

ركضت ليان نحو الرافعة البعيدة، وقلبها يكاد يخرج من صدره. بمجرد أن سحبتها، انطلق شعاع من النور غمر المكان بالكامل، وانفتح باب ضخم خلف المولدات يؤدي إلى نفق واسع. لكن في تلك اللحظة، انهار جزء من السقف الصخري بينها وبين آدم، ليفصل بينهما ركام من الحجارة والغبار.

"آدم!!!" صرخت ليان وهي تحاول جرف الحجارة بيديها العاريتين.

"ليان! أنا بخير!" جاء صوته مكتوماً من خلف الركام. "اخرجي من النفق، إنه يؤدي للحديقة الخلفية! سأجد طريقاً آخر، اذهبي واطلبي المساعدة!"

"لن أتركك!" بكت ليان وهي تحفر بأظافرها في الصخر. "لقد وعدتني أننا سنبقى معاً!"

"ليان، اسمعيني.. السر في يدكِ الآن، أنتِ تحملين مذكراتهم. اذهبي لكي لا يضيع تضحيتهم هباءً. أنا أحبكِ.. اذهبي الآن!"

كانت ليان في صراع مرير بين قلبها الذي يأمرها بالبقاء، وعقلها الذي يدرك أن بقاءها يعني نهايتهما معاً. وفجأة، سمعت صوت تحطم الباب العلوي ووقع أقدام الحراس يقتربون من السرداب. مسحت دموعها بإصرار، وأخذت المذكرات، وهمست بكلمة واحدة: "سأعود لأجلك يا آدم.. أقسم أنني سأعود."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ترانيم الجدران الصامتة   الفصل السادس: إرث الجبال الشمالية

    ​شقت السيارة الرياضية الفاخرة ضباب الجبال الشمالية الكثيف مع اقتراب ساعات الفجر الأولى. كان المطر الغزير الذي رافقهما طوال الليلة الماضية قد بدأ يخف تدريجياً، ليفسح المجال للنور الفضي الخافت ليشِع وينبعث بجمال ساحر من بين الغيوم الدكناء المبتعدة. كان الطريق الجبلي الوعر يتصاعد بحدة ونقاط خطرة نحو قمة الجبل الشاهقة، حيث تقف قلعة أثرية قديمة ومجهولة، شُيدت حجارتها السوداء منذ عقود طويلة لتقف شاهدة على أسرار دُفنت في القمم. أخيرًا، توقفت السيارة عند نقطة مرتفعة ومطلة على الوادي الفسيح والساحر، حيث تتشابك أشجار الصنوبر المبتلة مع الضباب. خفت صوت المحرك القوي ليحل محله هدوء الليل الأخير، وساد السكون المحيط بالكوخ الجبلي القريب، ذلك المكان الذي ألمح إليه والده بوضوح في المذكرات المذهبة.​ترجل أحمد وسارين بهدوء من السيارة. كان أحمد ينفض قطرات المطر العالقة عن شعره المتمرد بلمسة عفوية، ويمسك بيده بثبات الجهاز الكريستالي الذي بدأ ينبض وينبعث منه ضوء فضي دافئ وساحر. كان هذا الضوء يتفاعل بشكل مذهل مع القلادة الفضية الأثرية التي ترتديها سارين حول عنقها، ومع الرمز المحفور بدقة على كتفه الأيسر، وكأ

  • ترانيم الجدران الصامتة   الفصل الخامس: المطر والمواجهة

    ​​تطاير الغبار العالق والحجارة الصغيرة من سقف الغرفة السرية نتيجة شدة الانفجار المفاجئ الذي هز المكان بأكمله وأربك لحظة اكتشافهما للسر. انقبضت ملامح سارين بسرعة وسحبت خنجرها الفضي بقوة وهي تلتفت يمنة ويسرة، قائلة بصوت مرتفع يحمل القلق والتحذير: "لقد وجدوا المكان بأسرع مما توقعت! رجال المنظمة تتبعوا أثرنا بالتأكيد عبر شفرة التتبع الإلكترونية الدقيقة التي كانت مدمجة بذكاء شديد داخل مقبض المظلة السوداء!" التفت أحمد بسرعة ونظرة حادة كالشفرة نحو المظلة الملقاة عند الباب المفتوح، ودرك بذكائه الفطري وسرعة بداهته فوراً أن المقبض العاجي الفاخر لم يكن مجرد نقش جمالي عابر، بل كان يحوي جهاز تتبع صغير ودقيق أدى بخصومهم المطاردين مباشرة إلى هذا المكان السري والمخفي تحت الأرض. لكن بدلاً من الشعور بالخوف أو التراجع للخلف كما يفعل الآخرون، ارتسمت على وجه أحمد المتمرد ابتسامة تحدٍ واسعة ومستفزة، وكانت عينيه تشتعلان حماساً وإثارة وكأنه يخوض منتصف سباق حاسم لا مجال فيه للخسارة.​"ممتاز جداً..." قال أحمد بنبرة واثقة ورجولية وهو يمتد بيده يمسك المذكرات الجلدية والجهاز الكريستالي ويضعهما داخل سترته الجلدية

  • ترانيم الجدران الصامتة   الفصل الرابع: الفتح في العتمة

    ​لم ينتظر أحمد كثيراً ليقبل هذا التحدي الجديد والمثير، بل كان قلبه يبتسم حماساً قبل شفتيه. التقط الخنجر الفضي الصغير من على الطاولة الخشبية ونظر إلى نصله الصقيل بفضول ودقة، ثم رفعه بثبات ونظر إلى سارين بنظرة ملؤها الجرأة الاستثنائية التي طالما واجه بها أصعب السباقات والمواقف: "أنا لا أتظاهر بالشجاعة يا سارين... أنا أعيشها في كل لحظة من حياتي اليومية. دليلي الآن إلى هذا الصندوق الخشبي المغلق، وستتأكدين بنفسكِ من صدق قولي وصحة ثقتي." خرج كلاهما فوراً من المنزل القديم تحت العاصفة المطرية الشديدة التي زادت حدتها وقوتها في تلك اللحظات. قادتهما سارين بخطوات سريعة وحذرة عبر زقاق ضيق وخلفي يقع خلف الدار العتيقة، يؤدي مباشرة إلى سرداب سفلي قديم ومستتر تحت الأرض. كان السرداب مظلماً ورطباً للغاية، وتفوح من جنباته الحجرية رائحة الطين والنعناع البري المبتل بقطرات المطر.​نزلا الدرج الحجري المتهدم والمتآكل بحذر، وكان أحمد يسير أمامها بثبات ليتقصى الطريق ويضمن لها الحماية الكاملة بجسده الرياضي القوي دون أن يعترف بذلك صراحة أو يتكلم برومانسية مكشوفة. في نهاية السرداب المظلم، وصلا إلى باب حديدي ضخم لل

  • ترانيم الجدران الصامتة   الفصل الثالث: أسرار حي النحاسين

    ​اخترق أحمد حبات المطر المترامية والغزيرة وهو يسير بهدوء بين جدران الحي العتيق المتآكلة. كان الصوت الوحيد الذي يسمعه في هذا الظلام الدامس هو وقع خطوات حذائه الجلدي على الحصى المبتل والأرضية الحجرية. وصل أخيراً إلى منزل قديم ومتهدم ذي باب خشبي ضخم مزين بنقوش نحاسية عتيقة. كانت الإشارات والبيانات الموجودة على الخريطة الحرارية تؤكد بوضوح أن هذا المبنى بالذات هو المكان المطلوب الوصول إليه. لم يتردد أحمد أو ينتظر طويلاً؛ دفع الباب الخشبي بكتفه القوي والصلب، فانفتح الباب فوراً بصرير حاد ومزعج هز سكون المكان الموحش. دخل ببطء إلى باحة الدار الداخلية المفتوحة. كانت الرائحة الزكية تفوح بعبق الياسمين المبتل الممزوج برائحة الخشب القديم والتراب المبلل، وعلى عكس الظلام الذي يلف الشارع الخارجي بالكامل، كان هناك ضوء قنديل زيتي خافت ينبعث بوضوح من غرفة جانبية تقع في الطابق الأرضي.​توجه أحمد نحو مصدر الضوء بخطوات هادئة وحذرة تشبه حركات الفهد المنتظر. أخرج يده اليسرى من جيب سترته الجلدية وقبض بثبات على القفل النحاسي للمظلة السوداء ليستخدمه كأداة صلبة للدفاع عن نفسه إن تطلب الأمر ذلك. وقف بثبات عند باب

  • ترانيم الجدران الصامتة   الفصل الثاني: أثر تحت المطر

    كان السكون الذي خيّم على الشارع المظلم أشبه بالعدم. صوت المطر وهو يضرب الأرضية الأسفلتية بانتظام صاخب كان الصوت الوحيد الذي يخترق الذهول الذي أصاب أحمد في تلك اللحظة المفاجئة. وقف مكانه لثوانٍ معدودة، وعيناه تتنقلان بدهشة بين الزقاق الخالي تماماً والمظلة السوداء الملقاة عند قدميه، والتي بدأت حبات المطر الممتدة تمسح الآثار الطفيفة لأقدامها بسرعة فائقة. لم يكن أحمد من النوع الذي يتجمد أو يتردد أمام المفاجآت، بل كان تمرده وطبعه الجريء يغذيان الغضب والتحدي داخل قلبه كلما حاول أحدهم ممارسة الألغاز عليه أو استدراجه. انحنى ببطء وثبات، والتقط المظلة السوداء بيده القوية المبتلة. كان المقبض العاجي الفاخر للمظلة يلتف حوله نقش يدوية ناعم وصغير لم يلاحظه في البداية تحت قطرات المطر الشديدة: حرفان متداخلان باللغة اللاتينية تم نحتهما بدقة متناهية (S.A)."تبخرتِ؟" همس لنفسه بابتسامة سخرية حادة ارتسمت على شفتيه الجذابتين، بينما كانت عينيه تشتعلان برغبة عارمة في الكشف عن هويتها الحقيقية وطبيعة سرها. "حيلة جيدة ومتقنة يا حلوة... لكنكِ لا تعرفين مطلقاً مع من تلعبين." قبض بحزم على المغلف الجلدي بيده الأخرى

  • ترانيم الجدران الصامتة   الجزء الثاني الفصل الأول: إرث المطر والتمرد

    كانت السماء تصب جام غضبها على المدينة، والمطر يغسل الشوارع بانتظام صاخب. لكن في أحد المنعطفات النائية، لم يكن صوت المطر هو الأعلى، بل كان زئير المحركات. وسط الضباب، وقفت سيارته السوداء كالفهد المستعد للانقضاض. وفي الداخل، كان أحمد يجلس بخلفية مسترخية لا تشبه خطورة الموقف. ملامحه الحادة، وعيناه اللتان تحملان مزيجاً من الذكاء الحاد والجرأة، كانت تلمع مع انعكاس أضواء لوحة القيادة. وسامته لم تكن من النوع الهادئ، بل كانت وسامة واثقة، مستفزة، تجعل كل من حوله يلتفت إليه رغماً عنه. "أحمد، الرهان خطير هذه المرة، والشرطة ليست بعيدة،" جاء الصوت عبر اللاسلكي من صديقه المقرب. ابتسم أحمد ابتسامة جانبية ساخرة، وعدّل مرآة الرؤية الخلفية وخصلات شعره المبتلة بالطبع تمرداً على خوذة السباق التي رفض ارتداءها. قال بنبرة هادئة ومليئة بالتحدي: "الخطر هو الجزء الممتع في الليلة يا صديقي. ألم تحفظ درسي بعد؟ القواعد وُجدت لتُكسر." ومع إشارة البدء، انطلق كالسهم، يتلاعب بالمنعطفات الخطرة وسط المطر وكأنه يراقص الموت. لكن، في نهاية السباق، وبعد أن حسم الفوز لصالحه وسط حماس الحشود، لفت انتباهه شيء غير متوقع. خلف ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status