Masukتسعون يوماً فقط تفصل سيدة الأعمال القاسية "كارما" عن الظلام الأبدي بفعل مرض سري يلتهم ذاكرتها. وفي اللحظة التي يكتشف فيها زوجها المستشار "سامر" هذا السر القاتل ويتراجع عن فكرة الانفصال، تُسرب مسودة طلاق قديمة بفضل مؤامرة قذرة، لتهدم الجدار الأخير للثقة بينهما. بين فرار "كارما" السرّي إلى ثلوج سويسرا للتلاشي بألم، وسباق "سامر" المستميت ضد الوقت لردع الخونة وإعادة عرشها المسلوب... هل يسبق الحبُّ الموتَ قبل أن يبتلع الظلام ما تبقى من ذكرياتها؟
Lihat lebih banyakتوقفت سيارة الروزرايس السوداء أمام المدخل الرئيسي لمول "القمة". نزل سائق ببدلة رسمية لفتح الباب، لكن كارما لم تنتظر. خطت بحذائها الكعب العالي فوق البلاط الرخامي، والهدوء الصارم يسبق خطواتها. على جانبي الممر، وقف مدراء الأقسام بصفوف منتظمة، رؤوسهم منحنية في تحية لم تنظر إليها حتى.
خلال ثوانٍ، كانت تقف أمام مكتب الشؤون القانونية في الطابق العلوي. فتحت الباب دون إشعار، ليقع نظرها على "سامر القابع خلف مكتبه، الخرائط القانونية والأوراق تحيط به من كل جانب. لم تبتسم. لم تلمس يديه. اكتفت بنظرة خاطفة نحو ساعته الذرية المثبتة على الجدار. «تأخرت دقيقتين عن اجتماع مجلس الإدارة يا سامر.» رفع سامر رأسه. عيناه الغائرتان تحكيان قصة ثلاث سنوات من الأرق المكتوم. صحح وضع نظارته الطبية، وصوته يخرج هادئاً كالعادة، متزناً لكنه مثقل بجهد لا يُرى: «كنت أراجع ملف الاستحواذ الجديد بناءً على طلب والدكِ. التفاصيل تحتاج تدقيقاً لحماية أملاك القمة.» اقتربت خطوتين، وأسندت كفيها على طرف المكتب، حانية جسدها بإطار هائل من الهيبة: «والدي يطلب، وأنت تنفذ. هذا عملك ككبير المستشارين. لكنك زوجي أيضاً أمام وسائل الإعلام، والتأخير يمنح الصحافة فرصة للتكهن.» استقام سامر في جلسته، يلملم أوراقه ببطء. لم يكن يبحث عن مشاجرة، فالمشاجرة تتطلب طرفين يهتمان بالنتيجة، بينما كان هو قد وصل منذ أشهر إلى مرحلة الخدر التام. في وقت متأخر من تلك الليلة، كان القصر العائلي لمجموعة "القمة" يغط في صمت ثقيل. القصر الذي أطلقت عليه الصحافة "قلعة الأحلام"، لم يكن لسامر سوى زنزانة فاخرة بمساحة آلاف الأمتار المربعة. في جناح الطبيب النفسي التجاري المعتم بأطراف المدينة، جلس سامر على الأريكة الجلدية، يشبك أصابعه المرتجفة. «أنا لا أستطيع التنفس يا دكتور... أحصل على الأدوية، أرتدي أفضل البدلات، وأملك مكتباً يطمح له أي محامٍ في البلد، لكنني أموت كل يوم ألف مرة. سأله الطبيب بنبرة هادئة: «هل تتعرض للضرب؟ للتهديد؟ ضحك سامر ضحكة مكتومة ملؤها المرارة: الضرب أهون بكثير! عائلة "القمة" لا تضرب... إنهم يمحون وجودك. يحددون متى تتكلم، متى تبتسم، وكيف تجلس على طعام العشاء. صهرهم يُعامل كخادم بدرجة مستشار قانوني. وإذا قررت الرفض؟ يلوحون بتدمير عائلتي البسيطة في "قرية النخيل" بضغطة زر قانونية واحدة. توقف سامر، ونظر إلى السقف بذهول: «وحتى كارما... المرأة التي ظننت أنني أحببتها يوم كانت تتصنع البساطة في فترة التدريب... أصبحت جداراً من الجليد الصلب. لا تنظر إليّ إلا كقطعة أثاث ملحقة بالشركة. أخرج سامر من جيبه الداخلي مظروفاً أبيض سميكاً، وضعه على الطاولة. «هذا وثيقة الطلاق. أعددتها بنفسي... تنازلت فيها عن كل حظوة، كل سهم، وكل قرش. أريد حريتي فقط. سأعود إلى قريتي وأفتح مكتباً صغيراً للفقراء. حذره الطبيب: «عائلة القمة لن تسمح بالطلاق بسلام. قد يدمرون مستقبلك المهني بالكامل. وقف سامر وهو يزر بدلة عمله بثبات لم يعهده في نفسه من قبل: البقاء هنا يقتلني بالبطيء... الدمار المفاجئ أفضل ألف مرة.» عاد سامر إلى القصر عند الساعة الثانية صباحاً. كانت أضواء جناح كارما الخاص لا تزال مضاءة. سار في الممر الطويل، يده داخل جيبه تعتصر المظروف الأبيض. صرير خطواته كان الصوت الوحيد في الجناح الملكي. كل مشهد من السنوات الثلاث الماضية مرّ أمام عينيه كشريط سريع: نظرات الاحتقار من والدها، الأوامر التعسفية في اجتماعات العائلة، وصمت كارما الجاف وهي تشاهد تسليمه المهام الشاقة دون أن تدافع عنه بكلمة واحدة. وقف أمام باب غرفتها. أخذ نفساً عميقاً، وشعر بدقات قلبه تقرع قفصه الصدري كطبول الحرب. "الليل، سأنتهي من هذا الكابوس الليلة." طرق الباب مرتين. «ادخل.» جاء صوتها ناعماً، صارماً، وخالياً من أي انفعال. فتح الباب. كانت تجلس أمام المرآة الرخامية، تزيل أقراطها الماسية بتمهل. انعكس وجهها الجميل في المرآة، لكن عينين باردتين التقتا بعينيه عبر الزجاج. «أردت الحديث معكِ في أمر هام يا كارما،» قالها سامر، ويده تتجه بثبات لنزع المظروف من جيبه الداخلي. التفتت إليه ببطء. لم تظهر عليها علائم المفاجأة، لكنها أرسلت تنهيدة قصيرة وأشارت بيدها كي يتوقف. «قبل أن تتكلم يا سامر... هناك شيء يجب أن تعرفه أولاً.» توقف سامر، وأسرعت أنفاسه وهو يعصر أوراق الطلاق داخل جيبه. وضعت كارما القرط على الطاولة الصقيلة، ونظرت إليه مباشرة بنظرة لم يسبق له أن رأى مثلها في عينيها؛ نظرة مجردة من الكبرياء، محمّلة بظل قاتم وسحيق. قالت بصوت نزل عليه كالصاعقة: «ذهبت إلى المستشفى هذا الصباح... الأطباء أبلغوني أنني مصابة بمرض نادر للغاية في الدماغ. ساد صمت مرعب في الغرفة. لم يستطع سامر أن يتحرك أو يرمش. تابعت كارما بنفس النبرة الهادئة التي تشبه نعي حتمي: «قالوا إن العلاج لا ينفع معي... ولم يتبقَّ لي في هذه الحياة سوى ثلاثة أشهر فقط. تجمّدت الدماء في عروق سامر. اختفت كلمة "الطلاق" من حلقِه، ويده داخل الجيب تشبثت بالمظروف الأبيض كأنه جمرة تحترق... بينما كانت عينا كارما المظلمتان تتطلعان إليه تبحثان عن أول رد فعل!كانت خطوط المطر الغزير تضرب نوافذ السيارة المتسارعة على الطريق السريع المؤدي إلى العاصمة كسهام زجاجية متتابعة. في المقعد الخلفي، كان سامر يجلس بجمود تام، وعيناه الشاخصتان تعكسان أضواء الشوارع الخافتة والظلام المخيم على أفق المدينة. بين يديه الثقيلتين، كان يمسك بالحقيبة الجلدية السوداء التي تحتوي على كافة التوكيلات الاستثمارية القديمة، وسجلات العقود العقارية لمشروع القمة تاون، والوثائق الحصرية الموقعة من مراد بك قبل مرضه.كانت الساعة في معصمه تشير إلى مرور ثلاث ساعات ونصف على بدء جلسة العلاج الصدمي لكارما في مشفى زيورخ. كان جسده هنا في العاصمة، يتهيأ لخوض معركة قانونية ومالية حاسمة، لكن عقله وروحه كانا هناك... معلقين خلف جدار قاعة العلاج التجريبي، يراغبان يد كارما الباردة ونبضات قلبها المنهك تحت رحمة الأجهزة الدماغية المعقدة.اهتز الهاتف في جيبه، فرفعه فوراً ليجد صوت المحامي نبيل يأتيه من الطرف الآخر مشحوناً بنبرة استنفار حاد وسباق مع الزمن:"سامر! أين أصبحت؟ زياد يسيطر على القاعة الرئيسية بالطابق الخمسين بالكامل! لقد جلب معه كبار الدائنين وأقنعهم بأن المجموعة تتجه نحو الإفلاس الوشيك ب
بعد دقائق مرت كأنها دهور من التطهير العاطفي وإعادة بناء الثقة، استعادت كارما بعض أنفاسها المتقطعة، لكنها لم تبتعد عن حضن سامر؛ كانت تتمسك بمعطفه كأنه طوق النجاة الوحيد لها في هذا العالم الموحش. كانت نبرة صوتها حين تحدثت هذه المرة خالية من كل قسوة وكبرياء، مملوءة بخوف طفولي نقي وعجز إنساني صادق:"سامر... أنا خائفة جداً. أنا أفقد ذاكرتي تدريجياً. بالأمس في اجتماع مجلس الإدارة لم أتعرف على وجوه كبار المستثمرين الذين أتعامل معهم منذ سنوات، وسقط القلم من يدي لأن عقلي توقف عن استيعاب المكان. الطبيب يقول إن الورم يضغط على الشرايين الرئيسية في قاع الدماغ، وإن العلاج التجريبي هنا قد يثبت حجم الورم ويمنع نموه، ولكنه في نفس الوقت قد يسلبني ذكرياتي الأخيرة كلياً بسبب الصدمات الكهربائية... أنا خائفة من أن أصحو في يوم قريب فلا أتعرف عليك، ولا أتذكر حتى اسمي أو حبي لك."مسح سامر دموعها بإبهامه بحنان بالغ وهو ينظر في عمق عينيها بثبات قاطع لا يتزعزع:"إن نسيتِ اسمكِ، سأكون أنا صوتكِ الذي يذكركِ به كل صباح عند شروق الشمس. وإن نسيتِ وجهي، سأحبكِ من جديد كل يوم وأتودد إليكِ وكأننا نلتقي للمرة الأولى في ه
تردد صوت تحطم الكأس الزجاجي في أرجاء الشرفة العالية كصرخة مكتومة شقت سكون الجليد المخيم على بحيرة زيورخ. تناثرت الشظايا البلورية على الأرضية الخشبية المكسوة بطبقة رقيقة من الثلج، لكن كارما لم تتحرك من مكانها أنشاً واحداً. كانت يداها الشاحبتان متجمدتين في الهواء، وعيناها اللتان اتسعتا لفرط الصدمة ترتقبان ذلك الظل القابع تحت شجرة الصنوبر الكثيفة في الأسفل.كانت ندف الثلج المتساقطة تتراكم ببطء على كتفي المعطف الأسود الذي يرتديه ذلك الرجل، لكن ملامحه، ووقفته، والطريقة التي كان يرفض بها الانحناء أمام البرد القارس؛ كل شيء فيه كان يصرخ باسم واحد زلزل أركان روحها المنهكة: سامر.تراجعت كارما إلى الخلف بخطوات غير متزنة، وضغطت بيدها المرتجفتين على صدرها تحاول كبح ضربات قلبها المتسارعة التي هددت بالخروج من بين أضلعها. لم يكن هذا الدوار الذي يعصف بها في هذه اللحظة ناتجاً عن الورم المستقر في قاع دماغها، بل كان نوبة ذهول عارمة شلت تفكيرها كلياً. كيف وصل إلى هنا بهذه السرعة؟ كيف استطاع أن يخترق نظام السرية المحكم الذي فرضته على حركات سفرها؟ والأهم من ذلك كله... لماذا ينحني رجل بكبريائه وكرامته ليتتبع
هبطت الطائرة الخاصة في مطار زيورخ الدولي وسط أجواء سويسرية باردة، حيث كانت ندف الثلج الخفيفة تتساقط على مدارج المطار كغبار أبيض ناعم. خرجت كارما من صالة الكبار وهي تلف جسدها النحيل بمعطفها الأسود الثقيل، تحيط بها هالة من الصمت والجفاء الذي يعكس جليد المدينة.كان في استقبالها طبيب خاص وسائق ينتميان لمشفى ألكسندر المتخصص في جراحة الأعصاب التجريبية. صعدت كارما إلى السيارة السوداء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعيناها الشاخصتان تتطلعان عبر النافذة المظللة إلى جبال الألب المغطاة بالبيوض، بينما كان هاتفها الصغير ينبض بالرسائل الملغاة والمكالمات المتكررة من والدها مراد بك ومكتب الشركة الرئيسي.أغلقت كارما الهاتف كلياً ووضعته في قعر حقيبتها، ثم أخذت نفساً عميقاً متقطعاً وهي تمسح وجهها المجهد. كانت تعلم أن غيابها دون إذن مجلس الإدارة سيعطي فرصة ذهبية للمتربصين بها في العاصمة، لكنها لم تكن تملك خياراً آخر؛ فالطبيب أكد لها في رسالته الشديدة أن نوبات الفقدان المؤقت للذاكرة ستتكرر بشكل أسرع وأقسى إذا لم تبدأ بجلسات المحفزات الدماغية الصدمية فوراً.وصلت السيارة إلى مبنى المشفى الراقي التابع على حافة إحد





