LOGINوصف الرواية في الخامسة عشرة من عمرها، شاهدت نور أمّها تُساق إلى السجن بتهمة سرقة أموال عائلة الشرقاوي، ولم تخرج أمّها منه حيّةً. بعد اثني عشر عامًا، تعود نور إلى البيت الذي سحقهم دون اسمها ولا ملامحها المعروفة: تدخل باسم مستعار موظفةً لترتيب أرشيف المجموعة القديم، وفي جيبها وعدٌ واحد قطعته على قبر أمّها؛ أن تُخرج الحقيقة من تحت الغبار. لكنّ البيت الذي ظنّته قلعةً من الجشع يخبّئ ما هو أعقد. فبطلها الظاهر، يوسف الشرقاوي، رجلٌ قاسٍ يعيش على ذكرى زوجةٍ ماتت وطفلٍ قيل إنه لم ينجُ. وشقيقه كريم، الأنيق الودود، يبتسم كثيرًا ويصمت أكثر. وجدّتهما وداد هانم تحرس أبواب البيت كما تحرس أسراره. وفي جناحٍ مغلق، يضحك طفلٌ في الليل. كلما اقتربت نور من الحقيقة، اقتربت من يوسف أيضًا؛ من رجلٍ لم تكن تنوي أن ترى فيه إلا خصمًا، فإذا به يعامل الأرشيف كما يعامل الجرح، ويحدّثها بما لم يحدّث به أحدًا. وبين قلبٍ بدأ يميل إلى من يجب أن تكرهه، وأخٍ يعرف من هي ويملك مفتاح نصف الحكاية، تدرك أن الانتقام لم يعد الخيار الأصعب. بين أرشيفٍ يحفظ ثلاثين سنةً من الأوراق، ومكتبةٍ لا يجرؤ أحدٌ على فتح رفوفها، وطفلٍ لا يعرف أن له أبًا، تتشابك خيوط الجريمة القديمة مع حكاية حبٍّ لا تبدأ إلا بالكذب. وفي عالمٍ تُقاس فيه الثروة بما يُخفى لا بما يُعلن، من يملك حقّ العدالة؟ ومن يملك حقّ الغفران؟ وحين يعلم يوسف ما لم يُقدَّر له أن يعلم، هل يكفي الحبّ لإنقاذ ما تبقّى؟ أم أن بعض الجروح لا تلتئم إلا بقطع اليد التي أحدثتها؟ رواية عن الأسماء التي نُخفيها والأبناء الذين يُخفَون، وعن سؤالٍ لا مهرب منه: ماذا يحدث حين تحبّ من ستهدم بيته... وحين يحبّك دون أن يعرف من أنتِ؟
View Moreوقفتُ أمام بوابة مجموعة الشرقاوي الزجاجية العالية، وأنا أشدّ على مقبض حقيبةٍ جلديةٍ قديمة كانت لأمي، وأردّد في سرّي الاسم الذي تدرّبتُ عليه أسابيع: ندى مراد، ندى مراد. لم يكن الاسم ثقيلًا على لساني، لكنه كان ثقيلًا على قلبي؛ فأنا أدفن به اسمًا آخر، اسمًا سُحق تحت أقدام أصحاب هذا البرج نفسه.
قال لي حارس الاستقبال دون أن يرفع عينيه عن الشاشة: «الأستاذ كريم بانتظارك في الطابق الثاني عشر». ركبتُ المصعد، ورأيتُ وجهي في مرآته المصقولة: امرأةٌ في السابعة والعشرين، شعرها مشدودٌ إلى الخلف، ونظاراتٌ طبّيةٌ لا حاجة لي بها، وقد اخترتُها لأنها تُخفي نصف ملامحي. كانت أمي تقول إنني أشبهها في العينين، ولذلك كنتُ أتحاشى أن تطول النظرات إليهما.
استقبلني كريم الشرقاوي عند باب مكتبه بابتسامةٍ واسعة وهو يمدّ يده. كان في الثانية والثلاثين تقريبًا، أنيقًا بلا تكلّف، وصوته دافئٌ يوحي بأن كل من يقابله صديقٌ قديم.
«أهلًا آنسة ندى. قرأتُ سيرتكِ الذاتية مرتين، وما زلتُ أتساءل كيف تفرّغتِ لأرشفة الوثائق وأنتِ تحملين شهادتين في المحاسبة والمكتبات».
«الأوراق القديمة أصدق من الناس»، قلتُ وأنا أجلس. «تبقى حيث وُضعت».
ضحك، ثم انحنى نحو الملف أمامه. «هذا بالضبط ما نحتاجه. في القبو الثاني أرشيفٌ عمره ثلاثون سنة، صناديق فوق صناديق، لم يُفهرَس منها شيء. أبي، رحمه الله، كان يرفض أن يمسّه أحد. وبعد وفاته تركناه كما هو، إلى أن قرّر أخي يوسف أن الشركة تحتاج إلى ذاكرةٍ مرتّبة».
عند سماع الاسم شعرتُ بأن يدي اليمنى تبرد. يوسف الشرقاوي. الاسم الذي قرأتُه ألف مرة في محاضر القضية، موقّعًا بخطٍّ صغيرٍ حاد أسفل إفادةٍ لم أنسَ سطرها الأخير. كان يومها في الثانية والعشرين، متدرّبًا في قسم الحسابات، وقال للمحقّقين إنه رأى أمي تخرج من غرفة الخزينة مساء اليوم الذي اختفت فيه الأموال.
«هل سأعمل مع الأستاذ يوسف مباشرة؟» سألتُ بصوتٍ حرصتُ على أن يكون عاديًا.
«ستتعاملين معي في الأغلب. أخي… رجلٌ صعب». توقّف كريم لحظة، ولمحتُ في وجهه شيئًا لم أفهمه؛ لم يكن ضيقًا ولا سخرية، بل ما يشبه الحذر. «يوسف لا يحب الغرباء. لكنه يحب الشركة، وإذا رأى أن عملكِ يخدمها فلن يزعجكِ».
وقّعتُ العقد. ثلاثة أشهر قابلة للتمديد، براتبٍ سخيٍّ أكثر مما ينبغي. لم أكن أهتم بالمال؛ كنتُ أهتم بمفتاح القبو.
كانت الأسابيع الماضية أشبه بتدريبٍ على دورٍ مسرحي. حفظتُ تفاصيل حياةٍ لم أعشها: مدرسةً في دمياط لم أدخلها، وخالةً اخترعتُ لها اسمًا وطباعًا، وصديقةً قديمة ستؤكد روايتي إن سُئلت. علّمني هشام أن الكاذب الماهر لا يزيد على الحقيقة شيئًا، بل يُبدّل اسمها فقط. ومع ذلك، حين أمسكتُ القلم لأوقّع باسم ندى، توقفت يدي فوق الورقة لحظة، كأن اسمي القديم يتشبث بالحبر.
حين نهضتُ، سألني كريم فجأة: «من أين أنتِ في الأصل يا ندى؟ لهجتكِ لا تُشبه القاهرة».
كانت هذه أول الأسئلة التي خشيتُها، وقد أعددتُ لها جوابًا منذ شهر. «من دمياط. نشأتُ عند خالتي بعد وفاة أمي». ولم يكن في جوابي سوى كذبةٍ واحدة، فالباقي حقيقة، وأفضل الأكاذيب ما استُتر بالحقائق.
«رحمها الله». قالها بلا ابتسامة هذه المرة، ورأيتُ عينيه تستقران على وجهي ثانيةً أطول من اللازم. ثم عاد إليه دفؤه فجأة: «تعالي، سأريكِ القبو بنفسي».
نزلنا بمصعد الخدمة. كان الهواء في الأسفل باردًا، تفوح منه رائحة ورقٍ رطبٍ وحبرٍ ميّت. فتح كريم باب حديدي ثقيل، فانكشفت أمامي ممرّاتٌ من الرفوف المعدنية المكدّسة بالصناديق الكرتونية، على كل صندوقٍ سنةٌ مكتوبةٌ بقلمٍ عريض. مشيتُ بين السنوات كمن يمشي بين المقابر، ولم أتوقف إلا عند رفٍّ في آخر الممر، كُتب على صناديقه: ٢٠١٣.
كنتُ في الخامسة عشرة يومها.
«هذا القسم…» بدأ كريم، ثم قطع كلامه وكأنه أدرك أنه اقترب من شيءٍ لا يريد ذكره. «ابدئي من الأحدث إلى الأقدم. أظن أن هذا أنسب».
«كما تشاء يا أستاذ كريم».
لكن عينيّ كانتا قد حفظتا الرفّ. كان الغبار على صناديق ٢٠١٣ أقلّ منه على ما حولها، كأن أيديًا تلمسها من حينٍ إلى حين.
تركني وحدي بعد أن دلّني على مفتاح المكتب الصغير الملحق بالقبو. جلستُ خلف المكتب، وفتحتُ حقيبة أمي، وأخرجتُ منها ورقةً واحدة بخطّها المائل، كتبتها في زيارتها الأخيرة ولم تسلّمني إياها إلا عبر محاميتها بعد وفاتها. لم أقرأها هنا؛ كنتُ أعرفها عن ظهر قلب. جملتها الأخيرة كانت: «لا تنتقمي يا نور، ولكن لا تدعي الحقيقة تموت معي».
كنتُ أحمل نصف الوصية فقط. الأول، أنني لن أدع الحقيقة تموت. والثاني… حسنًا، لم أعد أعرف يومها إن كان ما أفعله انتقامًا أم عدالة، ولم أكن أريد أن أعرف.
سمعتُ في الممرّ خطواتٍ بطيئةً واثقة، ثم توقفت أمام الباب المفتوح. لم أرفع رأسي إلا بعد أن أعدتُ الورقة إلى مكانها.
كان رجلٌ طويلٌ يقف في الإطار، بقميصٍ أبيض مشمَّر الكمّين، وعينان داكنتان تتفحّصانني كما يتفحص المحاسبُ رقمًا لا يطابق الميزان.
«من أنتِ؟» قال.
وعرفتُه في اللحظة نفسها، دون أن يقول اسمه
مرّت ثلاثة أيام دون أن يحدث شيء. وداد هانم أبقتني في عملي كما وعدت، وكريم تجنّبني بحرص، ويوسف انشغل في اجتماعاتٍ متتالية، وبدت الأمور كأنها هدأت. لكنني كنتُ أعرف أن الهدوء في هذا البيت كان دائمًا هدوء ما قبل العاصفة.في الليلة الثالثة، وأنا أغادر البرج، رنّ هاتفي برقمٍ مجهول. ترددتُ ثم أجبت.«ندى؟ أنا كريم. هل يمكننا أن نلتقي؟ ليس في الشركة ولا في البيت. مكانٌ هادئ».اخترنا مقهًى صغيرًا على النيل في الزمالك، معتمًا بعض الشيء، بطاولاتٍ بعيدة عن بعضها. وجدتُه ينتظرني في الزاوية، وقد فقد أناقته المعتادة؛ ربطة عنقه مفكوكة، وعيناه محمرّتان.«شكرًا لأنكِ جئتِ»، قال.طلبتُ شايًا لم أشربه. كانت أضواء المراكب تتراقص على سطح النيل، ويعلو من راديو عامل المقهى صوتُ أغنيةٍ قديمة. أحسستُ بأنني أجلس في مشهدٍ من حياةٍ أخرى، لا يمتّ بصلةٍ إلى ما أفعله.«لم يكن لدي خيارٌ كبير».«بل كان لديكِ. لكنكِ اخترتِ أن تسمعيني». جلس بثقل. «لقد فكّرتُ كثيرًا في اللحظة التي أخبرتكِ فيها بكل شيء. ظننتُ أنني ارتكبتُ حماقة. ثم أدركتُ أنني ارتحتُ لأول مرةٍ منذ ست سنوات».«جدتك عرضت عليّ رشوة».ابتسم بمرارة. «لم أتوقع أ
عدتُ إلى غرفتي في الرابعة فجرًا، منهكةً كمن خاض معركة. لم أستطع النوم. جلستُ على حافة السرير، أفكّر في كل ما حدث في يومٍ واحد: قصاصة، طفل، اعتراف، عرض رشوة.كانت المشاعر تتصارع في داخلي. كنتُ قد اكتشفتُ أن آدم ابن يوسف. ابنٌ أخفته جدّته عن أبيه ست سنوات. جزءٌ مني أراد أن يقتحم مكتب يوسف صباحًا ويصرخ في وجهه بالحقيقة. وجزءٌ آخر تذكّر ما قاله كريم: إن الرجل قد ينهار.وبين الجزأين، كان هناك جزءٌ ثالث لم أعرف كيف أواجهه: أنني كنتُ أريد أن أحميه.لم أرد أن أعترف بذلك. كان يوسف هو الرجل الذي وقّع إفادةً ضد أمي، والذي عاش في هناءٍ بينما ماتت هي في زنزانة. لكنني في الساعات الأخيرة، رأيتُ فيه شيئًا آخر: رجلًا فقد كل شيءٍ وهو لا يعرف أن ما فقده حيّ في مكانٍ قريب.هل كان جلّادي؟ أم كان ضحيةً أخرى في المسرحية نفسها؟تذكّرتُ كيف نظر إلى الصورة المؤطرة على مكتبه، وكيف خفض صوته حين نطق اسم زوجته. لا يمثّل أحدٌ الحزن بهذه الدقة. ومع ذلك، فإن الحزن نفسه لا يبرّئ أحدًا من التوقيع على إفادةٍ ظالمة.في السادسة صباحًا، اتصلتُ بهشام. حكيتُ له كل شيء على عجل: الطفل، وقصاصة الورق، وكريم، وعرض الجدة. سكت طويل
لم أعرف في حياتي قط صمتًا كالذي رافق خطواتي خلف وداد هانم في ذلك الممر. كانت عصاها تدقّ الرخام دقاتٍ منتظمة، كأنها تحصي أنفاسي.أدخلتني غرفةً صغيرة في نهاية الطابق الأول، مكتبٍ خاصٍّ برائحة العود والورق القديم. جلستْ خلف مكتبٍ خشبي عتيق، وأشارت إليّ بالجلوس دون أن ترفع عينيها عني.«كم سمعتِ؟» قالت.«لا أعرف ما تقصدين».«لا تجعليني أضيع وقتي». وضعت يديها على العصا. «سمعتِ ما قاله كريم، أو بعضه. وهو يعتقد أنه أذكى مما هو عليه. سؤالي بسيط: ماذا تريدين؟»«أريد أن أنهي عملي وأنال أجري».ضحكت. ضحكةٌ قصيرة وجافة كصوت ورقةٍ تُمزّق. «أنتِ ذكية يا بنيّتي، وهذه صفةٌ خطرة عند الفقراء. لأنهم يظنون أن الذكاء يكفي».«وماذا يكفي إذن؟»«الصبر. والمال. والمعرفة بمن تواجهين». أمالت رأسها. «لقد رأيتُ الطفل. رأيتِه. وأخبرك كريم بما استطاع. أتعلمين لماذا لا أخشى ذلك؟»«لماذا؟»«لأنكِ لن تقولي شيئًا». قالتها بيقينٍ مطلق. «لو أردتِ فضحنا، لجئتِ مباشرةً إلى يوسف. لكنكِ جئتِ متنكرةً، تحت اسمٍ آخر. أنتِ تريدين شيئًا لا علاقة له بالطفل. شيءٌ أقدم. والطفل جاءكِ صدفةً».كان قلبي يخفق بعنف، لكنني حافظتُ على وجهي ثا
سحبني كريم إلى الشرفة الخلفية، حيث لا يصل إلينا أحد، وأغلق الباب الزجاجي. كان الليل قد هبط، وصوت الحشرات يملأ الحديقة. وقف أمامي وهو يمرّر يده في شعره، ولم يبدُ عليه أنه رجلٌ يستطيع أن يكذب أكثر.«الولد ابن الخادمة»، قال أخيرًا، كمن يقفز إلى الماء البارد. «حفيدة أم صبري. لا شيء أكثر».«كريم». تجاوزتُ الألقاب دون تفكير. «إن كنتَ ستكذب، فاكذب بإتقان».نظر إليّ بحدّة. «ماذا تقصدين؟»«لا يشبه الخادمات. يشبهك أنت. ويشبه أخاك».صمت كريم. أسند ظهره إلى الجدار، وأغمض عينيه كمن يجرّب أن يختفي. وحين فتحهما، كانت فيهما نظرةٌ جديدة، مرهقة، مستسلمة.«أخي لا يعرف»، همس.«ماذا لا يعرف؟»«أن آدم موجود».سقط قلبي إلى قدميّ. كنتُ قد توقعتُ أن الطفل قريبٌ ما، لكنني لم أتوقع هذا. «الطفل… ابن يوسف؟»«ابنه. ابنه ودالية».«لكن يوسف قال لي إنه فقد الاثنين في ليلةٍ واحدة».«هذا ما قيل له». ابتلع ريقه. «ولدت دالية قبل الأوان في المستشفى، بعد الحادث. توفيت بعد ساعتين. وكان الطفل… ضعيفًا. قال الأطباء إنه لن ينجو. جدتي كانت هناك. أخذت الأمر على عاتقها. حين استقرّت حالة الطفل، اتخذت قرارها».«قرارها؟»«أن يظل ميتً