Masukكنت أدندن وأنا أتجه إلى موقف السيارات تحت المبنى، وبينما أتهيأ لركوب السيارة رأيت لمى تتهيأ لركوب سيارتها أيضًا على بعد مسافة قصيرة.منذ تلك المرة التي انتهى بنا الأمر فيها إلى ممارسة الحب بلا سبب مفهوم، لم نتواصل منذ زمن.والأغرب أنني حتى الآن لا أتذكر لماذا وصلنا إلى تلك اللحظة أصلًا.لذلك كنت أشعر بحرجٍ واضح كلما تذكرتها.لكنني رجل، لا يصح أن آخذ ما أريد ثم أتظاهر أنني لا أعرفها.لذلك بادرتها بالتحية.لكن لمى لم تلتفت إلي أصلًا، بل انطلقت بسيارتها ورحلت فورًا.يا له من موقف محرج.على كل حال، هذه طباعها.لم أشغل نفسي بالأمر، وانطلقت بالسيارة نحو عيادة در الود للطبّ العشبي.بعد نصف ساعة وصلت إلى المكان.كانت عيادة در الود للطبّ العشبي صغيرة نسبيًا، وفيها قسم للحجامة، وجلسات الإبر، والتدليك العلاجي.غير أن من يقومون بالتدليك كانوا يضعون نظارات سوداء، وكأنهم مكفوفون.فقلت في نفسي إن هذا المكان جيد، حتى إنه يفتح باب عملٍ للمكفوفين.في تلك اللحظة، اقترب صاحب العيادة، مروان العتيبي، وقال: "يا بني، أنت الذي أرسلك الدكتور ماهر، صحيح؟"قلت بسرعة وبأدب: "نعم، الدكتور ماهر هو من دلني على المكان
قلت في نفسي: ما الذي جرى؟ لماذا نبرة هناء ممتلئة بالغيظ هكذا؟رتبت هناء فستانها، ثم قالت لي: "هل تعرف؟ رائد حين وافقني ليلة أمس لم يكن صادقًا تمامًا، كان يختبرني عمدًا."قالت: "كيف يستطيع أن يفعل هذا؟ أمامي يظهر بشخصية، ومن وراء ظهري بشخصية أخرى."قالت: "لم أكن أتوقع أن يتحول إلى هذا الشكل."تملكني القلق وسألت بسرعة: "ما الذي حدث؟ وكيف اختبرك؟"فشرحت لي هناء ما تتوقعه.أي إن رائد، في لحظة حديثي معها، ربما كان واقفًا خلف الباب يتنصت.شعرت كأن العرق البارد يغسل ظهري.وقلت في نفسي: الحمد لله أننا لم نتجاوز الحدود.لو فعلنا شيئًا جريئًا في تلك اللحظة، لكان سمعنا وانتهى كل شيء.عندها فهمت غضب هناء تمامًا.رائد يتصنع أمامها الهدوء والتفهم، ويتظاهر أمامي بأنه يقدسها ويخاف عليها.لكن الحقيقة أنه لا يثق بها أصلًا.وأنا متأكد، لو حصل بيني وبينها أي شيء تلك الليلة، لربما انقلب فجأةً وخلع قناعه.تصرف رائد، للوهلة الأولى، لا يبدو فظًا ولا وقحًا مثل وائل.لكن حين تفكر فيه بعمق، تكتشف أنه أخطر.لأنه يحسن التمثيل، ويخفي ما في داخله، ويعرف كيف يضع الجميع تحت المجهر من دون أن يظهر كمتهم.ولهذا كانت هناء
كانت حركة هناء ذكية جدًّا، فقد قلبت السؤال على رائد فجعلته هو المطالب بالتبرير.ابتسم رائد وقال: "لم أفعل شيئًا يسيء إليك، فقط شعرت فجأةً أنك طيبة جدًّا."لم تصدق هناء كلامه.الرجل لا يصبح حنونًا فجأةً بلا سبب، ولا يهبط عليه الندم فجأةً بلا سبب.لا بد أنه أخطأ أولًا، ثم جاء يتظاهر بالحنان ليغطي ما فعل.وكانت هناء تعرف أن الندم المفاجئ ليس حبًّا.إنه مجرد رغبة عابرة في التملك.الحب الحقيقي يُرى في كل التفاصيل، وفي أبسط التصرفات اليومية، لا في الكلام وحده.وأحيانًا حين تفهم المرأة الأمور بوضوحٍ شديد، تتحول المعرفة نفسها إلى ألم.وهذا ما كانت تعيشه هناء.فقد فهمت لماذا تغيّر رائد فجأةً في نبرته.وفهمت أيضًا أن موافقته على كلامها لم تكن إلا جسًّا لنبضها واختبارًا لها.كانت حزينةً حقًّا ومحبطةً في داخلها.رائد يمثل أمامها دور الزوج الصالح، ثم يملأ قلبه بالشكوك حولها.أهذا حب؟هراء.ومع ذلك، رائد ليس بسوء وائل، ولا إلى درجة تدفعها إلى الطلاق الحاسم.زواجها منه صار كالعظم الذي لا يؤكل ولا يرمى.يمكن احتمال العيش فيه، لكنه بلا شغف ولا حب.ربتت هناء على ظهر يد رائد بفتور وقالت: "يكفي، الوقت تأخ
وفي هذه اللحظة، داخل غرفة النوم الرئيسية.كان رائد جالسًا على السرير، وقد ألصق أذنه بالجدار ليتنصت على ما يجري في الغرفة المجاورة.كان يريد أن يعرف هل فعلت هناء معي شيئًا، وهل جاءت فعلًا لتستطلع رأيي فقط؟لكنه لم يسمع شيئًا.ظل رائد قلقًا، مضطرب القلب، ولم يستطع الصبر أكثر.تسلل بهدوء وخرج من غرفة النوم.واتجه إلى باب غرفتي.ثم ألصق أذنه بإطار الباب ليتنصت.أما أنا وهناء فلم نكن نعرف شيئًا من هذا، وكنا نتحدث على طبيعتنا.قلت لهناء: "يا هناء، الوقت تأخر، عودي لترتاحي."قالت: "لا بأس، قل لي رأيك في هذه المسألة."قالت ذلك، ثم جلست عمدًا إلى جواري.وحين شعرت بدفء جسدها، فهمتُ مقصدها فورًا.ضممتها إلى صدري وقلت: "أرى أن الأمر يحتاج إلى روية، صحيح أن رائد وافق بلسانه، لكن هل قلبه موافق أيضًا؟"قلت: "ثم إنني أشعر أنني لا ينبغي أن أفعل ما يخون أخي."كنت أتعمد استفزاز هناء، ويداي بدأتا بالفعل في التململ.وبدأت هناء تستجيب شيئًا فشيئًا، ثم قبلتني بقوة.وانحنت قرب أذني وهمست: "لو لم يكن رائد في البيت، لرأيت كيف سألتهمك."وهمست أنا أيضًا: "وأنا كذلك، لكن الآن علينا أن ننتبه."قالت: "قبلني مرة أخرى
يا له من نجاة.كدت أفقد عقلي بسبب استفزازها.قلت لليلى: "لولاك يا ليلى، لكنت وقعت في فخ تلك المرأة."وفي تلك اللحظة، لمحت سلمى أنني لم أقبل طلبها بعد، فاتصلت بي مباشرة وقالت: "يا مشاغب، هل تستهزئ بي؟ أرسلت طلب الإضافة، لماذا لا تقبله؟"قلت بجدية: "فكرت قليلًا، إن كنت جبانًا فليكن، أقبل ذلك."قلت: "لكنني لا أستطيع أن أبقي بيني وبينك أي صلة."قلت: "أنت تملكين شيئًا ضدي بالفعل، ولو استمررت في التواصل معك فلن أستطيع تبرير نفسي أبدًا."قالت سلمى بحدة: "ها أنت تراجعت، فات الأوان، اقبله حالًا، وإلا سأرسل صورك."كدت أجن.قلت: "يا سيدتي، هل يمكنك ألا تفعلي هذا؟"قلت: "أنت من طبقة الأثرياء، لماذا تستخدمين كل مرة أساليب خسيسة كهذه؟"كنت أحاول أن أدفعها إلى التراجع برفع شأنها.لكنني لم أفهم منطقها أصلًا.قالت سلمى بلا مبالاة: "أنا لست من طبقة الأثرياء إلا بالاسم."قالت سلمى: "هل سمعت يومًا أن عشيقة تُعد من علية القوم حقًا؟"نظرت إلى ليلى بعينين تستنجدان.فرفعت ليلى كتفيها، كأنها تقول إنها عاجزة.وفي تلك اللحظة، اتصلت بي هناء.أغلقت مكالمة سلمى بسرعة، ثم أجبت هناء.سألتني هناء أين أنا.لم أقل، واكت
بينما كنت قلقًا، اهتز هاتفي فجأة وبدأ يطن.ظننت أنها هناء تتصل بي، لكنني حين نظرت إلى الشاشة وجدت رقمًا مجهولًا، ومن عاصمة الإقليم.لا أظن أن لي أصدقاء هناك.ثم من يتصل بي في هذا الوقت المتأخر؟فكرت قليلًا، ثم أجبت.فجاءني صوت مألوف عبر الهاتف: " يا مشاغب، ماذا تفعل؟"قلت باندهاش وأنا أنهض جالسًا: "تبًا، كيف عرفت رقمي؟"فزعت ليلى ونهضت هي أيضًا، وسألتني بصوت منخفض: "ماذا حدث؟"أجبتها بحركة شفاه: "سلمى، تلك المرأة تتصل بي."توترت ليلى على الفور.لأننا لا نعرف ماذا تريد سلمى في هذا الوقت المتأخر.شغلت مكبر الصوت.ضحكت سلمى وقالت: "ما دمت أريد شيئًا، فلا شيء أعجز عن معرفته، فما بالك برقم مشاغب."اغتظت وقلت محذرًا: "لا تناديني مشاغب مرة أخرى!"قالت وهي تتعمد استفزازي: "سأناديك، سأفعل، وماذا ستفعل أنت؟"دارت فكرة في رأسي، فقلت بسخرية: "حسنًا، نادي كما تشائين، لكن دعيني أسمع صوتك حين تتدللين في السرير."وضعت ليلى يدها على فمها وكادت تضحك.ساد صمت قصير في الطرف الآخر.ثم ارتفع صوت ضحكة سلمى الخافتة.قالت وهي تضحك: "يبدو أنك ما زلت تفكر بي."قالت: "لم تنلني، فصرت تريد أن تسمع صوتي لتشبع خيالك.







