تسجيل الدخولطلبت دلال من بقية العاملين في المكتب أن ينصرفوا أولًا، ثم جاءت معي ووقفت خارج شركة وائل.ولم تمضِ إلا دقائق، حتى ظهرت لمى هي الأخرى.ووصولها فاجأني فعلًا.فقلت: "أنت؟ ما الذي جاء بك؟"فقالت ببرودها المعتاد: "خشيت أن تموت هنا من غير أن أعلم."كعادتها، لا تعرف كيف تقول شيئًا عاديًا.لكن الغريب أن مزحتها في هذا الوقت خففت عني شيئًا من التوتر.وفوق هذا، كنت أعرف أنها جاءت لتساعدني.ولهذا، شعرت بامتنان حقيقي لها.فسألتها: "وأين جاسم؟ ألم تأتِ به معك؟"فإذا كانت لمى قد جاءت، فأين جاسم؟لكنها قالت: "لو ظهر جاسم هنا، أتظن أن وائل سيجرؤ على الظهور؟"فعرفت عندها أن جاسم قريب، لكنه يراقب من مكان خفي.وبمجرد أن عرفت أنه موجود في الجوار، ارتاح قلبي أكثر.فقلت للمى بصدق: "شكرًا."نظرت إليّ لحظة، وكأنها لم تتوقع مني ذلك، ثم قلبت عينيها وقالت: "وما هذا؟ منذ متى صرت تتكلم معي بهذه الرسمية؟"فضحكت بحرج، وحككت رأسي وقلت: "هذه المرة أقولها من قلبي فعلًا... شكرًا لك، وشكرًا لدلال أيضًا، أنتما وقفتما معي وقفة لن أنساها."ابتسمت دلال ابتسامة ماكرة وقالت: "حسنًا، لا نريد شكرًا بالكلام فقط، لاحقًا أعزمني على ع
كان فاروق يستطيع أن يختلق لابنته مئة حجة وألف حجة، لكن ما دام وائل ابتعد عنها، ألن تكون حياتها أصلًا أهدأ وأفضل؟لو كنت مكان فاروق، لتمنيت أن يختفي وائل من حياتها إلى الأبد، وألا يظهر مرة أخرى.لكن فاروق لم يشأ أن يجيبني عن سؤالي، واكتفى بأن قال بوجه بارد: "أسئلتك كثيرة، فانتبه لنفسك قبل أن تحرق أصابعك."وشعرت بدلال تشدني من ذراعي بخفة، وكأنها تنبهني إلى ألا أتمادى أكثر.فأومأت برأسي، ثم قلت لفاروق: "حسنًا، سأساعدك في العثور على وائل، وبذلك نكون قد صفّينا ما بيننا، ولا يبقى لك عندي شيء."ثم التفتُّ وغادرت مع دلال.وفي الطريق، سألتني دلال إن كان عندي تصور لما يمكن فعله.فقلت: "وائل مختبئ الآن لأنه يرتعب من فاروق، ومن الواضح أن العثور عليه لن يكون سهلًا."فالناس كثيرون، والمدينة واسعة، والبحث عنه الآن يشبه التفتيش عن إبرة في كومة قش.فكرت قليلًا، ثم قلت: "وائل الآن يحقد عليّ إلى أبعد حد، فإذا طلبت منه أن يراني، هل تظنين أنه قد يخرج لي بنفسه؟"فاستدارت إليّ دلال وقالت بحدة: "هل جننت؟ في هذا الوقت بالذات تريد أن تذهب وتستدعيه؟ ألا يكفيك أنه أصلًا قد يفكر في قتلك؟"وكلامها كان صحيحًا.فأنا
لم يخطر ببال وائل، حتى في أسوأ ظنونه، أن الرجال الذين استأجرهم سينقلبون عليه.فأخذ يصرخ بجنون: "ما هذا؟ ما الذي تفعلونه؟ هل جننتم؟"فاكتفى صاحب القميص المزركش بأن أطلق ضحكة ساخرة، ثم قال: "فاروق يريدك أن تعود إليه."ووائل لا يعرف في محيطه رجلًا بهذا الاسم إلا فاروق وحده، لذلك خطر في باله فورًا.وفي تلك اللحظة فقط فهم الحقيقة.كل ما جرى كان فخًا من البداية.أنا وفاروق حفرنا له حفرة كبيرة، وهو دخلها برجليه.لكن المؤسف أنه لم ينتبه إلا بعد فوات الأوان.ووائل يعرف جيدًا ماذا ينتظره إذا وقع في يد فاروق.ولهذا، لم يكن مستعدًا أن يعود، ولن يعود.فشتمهم، ثم التقط قطعة طوب وقذفها نحو صاحب القميص المزركش، وبعدها قفز إلى سيارة الفان وانطلق بها هاربًا.هذا التطور لم يتوقعه أحد.وما إن استوعب صاحب القميص المزركش ما حدث، حتى صاح: "الحقوا به!"فانطلق هو ومن معه خلف سيارة الفان، لكن وائل كان قد سبقهم بمسافة، وما هي إلا لحظات حتى اختفى عن الأنظار.سبّ الرجل بغيظ، ثم اتصل بفاروق وأخبره بما حدث كما هو.وبعدما أنهى المكالمة، غادر هو والبقية.وبعد قليل، رن هاتفي.كان فاروق.فما إن فتحت الخط حتى سألني: "أمس
ومن هذا وحده عرفت إلى أي حد كان النقص ينهش داخله.فصرخ وائل، وقد اسودّ وجهه من شدة الغضب: "اكسروا له ساقه أولًا!"واندفع أولئك الزعران نحوي وهم يشهرون ما في أيديهم.في تلك اللحظة، أشار إليّ صاحب القميص المزركش إشارة خاطفة، يفهمني فيها أن ألوذ بزاوية الجدار، حتى يخف الضرر قدر الإمكان.فاستدرت مسرعًا وركضت نحو الزاوية.ولم تمضِ لحظات حتى وصل أولئك الزعران إليّ، لكن صاحب القميص المزركش ومعه بضعة رجال وقفوا في المقدمة. بدا ظاهر الأمر كأنهم ينهالون عليّ، بينما الحقيقة أنهم كانوا يحمونني من الضرب الحقيقي.وحين شعرت أن اللحظة صارت مناسبة، بدأت أقاوم.كان في صدري غليان لا يهدأ، وفي تلك اللحظة أخرجت كل ذلك الغضب دفعة واحدة في وجوههم.صرخت بأعلى صوتي، وأنا أضرب وأدفع بكل ما أوتيت من قوة.كنت في تلك اللحظة كأنني أريد أن أمزقهم جميعًا.ويبدو أن اندفاعي فاجأهم، فقد كانوا قبل لحظة يتقدمون نحوي بشراسة، ثم ما لبثوا أن تراجعوا واحدًا بعد آخر.وانفجرت فيهم صارخًا: "هيا! اقتلوني إن استطعتم! تعالوا!"لكن لم يجرؤ أحد على الاقتراب.عندها تناول وائل عصًا بنفسه واندفع نحوي وهو يزأر: "يا لكم من عديمي النفع، تن
كنت أعرف أن الأمور تسير كما رسمت لها، خطوة بعد خطوة، لكن وائل لم يكن قد ظهر بعد، ولهذا ظل قلبي غير مطمئن تمامًا.تعمدت أن أنظر إلى صاحب القميص المزركش وقلت: "من أنتم؟ وماذا تريدون؟"فقال وهو يساير الخطة: "هناك من دفع لنا لنكسر لك ذراعًا وساقًا."فسألته متعمدًا: "ومن الذي أرسلكم؟ حتى لو كان مصيري الموت، فمن حقي أن أعرف على يد من."وقلت ذلك وأنا أرمق سيارة الفان، أحاول أن أتبين إن كان وائل مختبئًا فيها أم لا.ثم شددت على نفسي، وقلت بسخرية لاذعة: "يبدو أن من استأجركم جبان، حتى إنه لا يجرؤ على أن يظهر بوجهه."عندها جاءني صوته من داخل السيارة: "سهيل، أأنت لا تريد إلا أن تراني؟ ها أنا هنا."في تلك اللحظة، ارتاح قلبي قليلًا.الحمد لله... لقد جاء فعلًا.واطمأنّ قلبي أخيرًا بعدما ظل معلقًا كل هذا الوقت.فنظرت إليه ببرود وقلت: "وائل، ما الذي تنوي فعله؟ نحن في وضح النهار، وما تفعله جريمة صريحة."أشعل سيجارة، وسحب منها نفسًا طويلًا، ثم قال بازدراء: "جريمة؟ نعم، هي جريمة، وماذا ستفعل؟"ثم أشار إلى رجاله وقال: "خذوا منه هاتفه أولًا."كان ماكرًا كعادته، فبدأ بمصادرة هاتفي، ثم قال بسخرية: "لا كاميرات
عاد قلبي إلى مكانه أخيرًا.اتصلت بدلال، وصارحتها بكل شيء من أوله إلى آخره.فانهالت عليّ توبيخًا وقالت: "سهيل، هل فقدت عقلك؟ هل تعرف من يكون فاروق؟ وهل تعرف من يكون وائل؟ ومع ذلك تجرأت أن تدخل بينهما بهذه الطريقة؟"لكن دلال لم تكن غاضبة لأنني كشفت أمر التحقيق، بل لأنها كانت خائفة عليّ.وهذا زاد إحساسي بالذنب نحوها.قلت: "دلال، الأمور وصلت إلى نقطة لا رجعة فيها. أنا لم أتصل بك إلا لأنني أريد أن أستعير منك بعض المعدات. الليلة، سأمسك على وائل ما يكفي لإسقاطه."فردت فورًا: "أي استعارة؟ أنت تعمل عندي، وإذا وقعت في مأزق فهل أتخلى عنك؟"كان لكلامها وقع كبير في نفسي، حتى شعرت أنني أوشك أن أبكي من التأثر.فقلت: "دلال، لماذا أنت طيبة إلى هذا الحد؟"قالت وهي تتظاهر بالضيق: "يكفي أنك عرفت هذا. لكن إياك بعد اليوم أن تخفي عني شيئًا. أنت دخلت هذا المكتب عن طريقي، ومسؤوليتك في رقبتي."قلت: "وأنت لا تخشين أن تغضبي وائل؟"قالت: "أخاف، نعم أخاف. لكنني لم أفتح مكتب التحقيق لأجل المال أصلًا، بل لأجل شيء كنت أريد أن أحققه في نفسي، وقد حققته. ولذلك، إن خسرته فلن أخسر حياتي."ازددت تأثرًا بكلامها.فقلت: "دلال،