تسجيل الدخولساد الصمت أرجاء الرواق المظلم في البناية، إلا من صوت دقات قلب علي التي كانت تقرع في صدره كطبول تقصد الحرب. وقف أمام باب شقة "مدام مي" بعد تلقيه رسالتها المقتضبة. لم تكن رسالة دعوة، بل كانت أشبه بأمر استدعاء صارم. استجمع شجاعته وضغط على الجرس. فُتح الباب ببطء، لكنه لم يجد مي التي تبتسم، بل وجد امرأة تحاول جاهدة استعادة قناع الصرامة والوقار الذي اهتز بالأمس.
كانت مي ترتدي عباءة منزلية سوداء ساترة تماماً، وقد رفعت شعرها للأعلى بطريقة رسمية، وكأنها تحاول إخفاء أنوثتها التي تفجرت في المصعد. ومع ذلك، فإن بشرتها البيضاء التي بدت وكأنها تشتعل خجلاً، وصدرها الذي كان يعلو ويهبط بسرعة، فضحا ما تحاول إخفاءه. "ادخل يا علي.. يجب أن نضع حداً لهذا الجنون،" قالتها بنبرة حاولت أن تكون حادة، لكن بحة خفيفة في صوتها خانتها. دخل علي وأغلقت الباب خلفه بقوة. لم تطلب منه الجلوس، بل وقفت أمامه مباشرة، تربع ذراعيها فوق صدرها في محاولة للدفاع عن نفسها ضد سحر حضوره. "علي، ما حدث في المصعد.. وما حدث ليلة أمس.. هو قمة قلة الأدب!" بدأت توبخه بلهجة قاسية، "أنا امرأة متزوجة، وأنا جارتك التي تعتبرها في مقام الأخت الكبيرة أو حتى المعلمة. كيف تسمح لنفسك أن تنظر لي بتلك الطريقة؟ وكيف تجرؤ على ملامستي في المصعد؟ هل تظن أن صمتي هو موافقة؟" كان علي ينظر إليها بصمت، ولم يحاول الدفاع عن نفسه. كان يراقب شفتيها وهما تتحركان، ويلاحظ كيف أن عينيها العسليتين كانتا تهربان من النظر إلى عينيه مباشرة. أدرك بفطرته أن توبيخها ليس له، بل هو لنفسها؛ هي تحاول أن تقنع نفسها بأنها "المرأة الملتزمة" التي لم تهتز. "أنا آسف يا مدام مي،" قال علي بصوته الرخيم الذي جعلها ترتجف لا إرادياً، "لكنني لم أتعمد ملامستك.. المصعد هو الذي اهتز. أما عن نظراتي.. فأنا رجل، ولا يمكنني أن أغمض عيني عن جمال لم أره في حياتي." "اصمت!" صرخت مي وهي تشعر بانهيار دفاعاتها، "هذا الكلام مرفوض! أنا لست مثل هؤلاء الفتيات اللاتي يلاحقنك في الجامعة. أنا امرأة محترمة، وزوجة رجل له مكانته. لن أسمح لك أن تشوه صورتي أو تجرني لشيء لا يشبهني. أنا لست خائنة يا علي، ولن أكون!" اقترب علي منها خطوة واحدة فقط. كانت كافية لتجعل رائحة عطره الذكورية تحاصرها. في تلك اللحظة، حدث التضاد العنيف؛ عقل مي يصرخ "اطرديه"، لكن جسدها كان ينجذب نحوه كالمغناطيس. شعرت بحرارة تنبعث من جسده الضخم، ورأت عضلات صدره تبرز من تحت قميصه الأسود. رغم توبيخها وكلامها عن الالتزام، إلا أن عينيها خانتاها وهبطتا لتستقرا على منطقة حوضه. رأت الانتصاب العنيف والواضح الذي خلفه بنطاله الجينز الضيق؛ كان عضوه ينتفض بقوة كأنه يتحدى مبادئها، بروزاً صلباً وكبيراً لا يمكن تجاهله. ابتلعت مي ريقها بصعوبة، وشعرت برعشة تسري في ساقيها. لم تستطع إشاحة نظرها عن ذلك البروز الذي كان يمثل رجولة علي الجامحة. أحست برطوبة وحرارة مفاجئة تجتاح جسدها، وبدأت أنفاسها تتقطع. كانت تقاوم رغبتها الوحشية في مد يدها ولمس ذلك الشيء الذي يهدد استقرارها، رغبة في أن تفرغ كبت سنوات طويلة من إهمال زوجها "عمر" في هذا الشاب القوي. "مدام مي.. لماذا ترتجفين؟" همس علي وهو يميل بوجهه نحوها، حتى كاد أنفه يلامس أنفها. "ابتعد.. أرجوك ابتعد،" قالتها بصوت واهن، لم يعد فيه أثر للتوبيخ. كانت يداها ترتعدان وهي تضعهما على صدره العريض لتدفعه بعيداً، لكن أصابعها بدلاً من الدفع، انغرزت في قماش قميصه وتمسكت به بقوة. وصلت الشهوة في الغرفة إلى ذروتها المطلقة. كانا يقفان على حافة الانفجار؛ علي الذي يكاد يفقد سيطرته ويمزق عباءتها، ومي التي تصارع بين صورتها كامرأة ملتزمة وبين صراخ جسدها الذي يريد أن يُستباح بين يدي هذا الوحش الشاب. كانت شفاهها ترتجف، وعيناها ممتلئتان بدموع الرغبة المكبوتة. وفجأة، وفي تلك اللحظة الحرجة التي كانت فيها "المرأة الملتزمة" على وشك السقوط للأبد.. سُمع صوت مفاتيح تتحرك في قفل الباب الخارجي. "عمر!" همست مي برعب صاعق. قفزت بعيداً عن علي وكأنها أصيبت بصدمة كهربائية. اختفت نظرة الرغبة وحل محلها خوف قاتل. "ادخل إلى المطبخ فوراً! لا تخرج حتى يذهب إلى غرفته!" قالتها وهي تدفعه بذعر، بينما كانت تحاول ترتيب هندامها ومسح وجهها المحتقن بالشهوة. دخل علي إلى المطبخ المظلم، وجسده لا يزال يغلي، وعضوه يؤلمه من شدة الانتصاب الذي لم يجد تصريفاً. وقف خلف الباب يسمع صوت "عمر" وهو يدخل الشقة بصوته الجهوري المتغطرس، وهو لا يعلم أن زوجته "الملتزمة" كانت قبل ثوانٍ فقط، على بُعد أنفاس من الخيانة مع جارها الشاب. أدرك علي في تلك اللحظة أن مي لم تعد تقاومه هو.. بل أصبحت تقاوم نفسها، وأن "صورتها" التي تخشى عليها بدأت تتشقق تحت وطأة الرغبة التي أوقدها فيها.في صباح اليوم التالي لليلة الخداع الكبرى، استيقظ علي والابتسامة لا تفارق محياه. نظر إلى مي النائمة بجانبه كأنها طفلة غلبها التعب، وشعر بنشوة الصياد الذي روّض أشرس الطرائد. لكن اللعبة لم تنتهِ بعد؛ فالسلطة الحقيقية تحتاج إلى إذلال الخصم في عقر داره. خرج علي إلى الصالة، وأخرج هاتفه واتصل بـ عمر. لم يتأخر الرد، فصوت عمر كان متهدجاً، ينم عن ليلة مريرة قضاها وهو يشاهد الفيديو الملحمي لزوجته مع "صديقه". "علي.. ماذا تريد الآن؟ ألم يشفِ غليلك ما فعلته أمس؟" سأل عمر بنبرة انكسار مغلَّفة بحقدٍ دفين. "أهلاً يا أستاذ عمر،" أجاب علي ببرودٍ يثير الجنون. "لقد فكرتُ كثيراً، ووجدتُ أن مي بحاجة إلى تغيير جو.. الضغوط التي سببتَها لها بـ 'خطة التنازل' كادت تحطم أعصابها. لذا، قررتُ أن آخذها في رحلة لمدة أسبوع إلى إحدى الجزر النائية.. كوخ خاص على الشاطئ، بعيداً عن العالم." "وما شأني أنا؟" صرخ عمر بمرارة. "شأنك بسيط.. أنت من سيمول هذه الرحلة. أريد مبلغاً معتبراً يُحول إلى حسابي الآن كـ 'عربون اعتذار' منك لها، وثمناً مؤقتاً لصمتي عن ذلك الفيديو. فكر في سمعتك ومكتبك يا عمر.. المبلغ زهيد مقابل كرامتك
كانت تالا تركض في ممرات البناية كأنها تهرب من مشهد ذبحٍ علني، دموعها تحفر مجاري القهر فوق وجنتيها الطفوليتين، وصوت شهقاتها المذعورة يمزق سكون الممر. لم تجد أمامها سوى باب شقة مي. طرقت الباب بعنف، بجنون، كأنها تطرق باب الخلاص الوحيد من هذا الكابوس الذي صدمت فيه بكل ما تملك من براءة. فتحت مي الباب، كانت لا تزال تعيش سكرة ليلة أمس؛ وجهها مشرق وروحها هادئة بشكل لم تعهده منذ سنوات طويلة. لكن رؤية تالا بهذا المنظر، بشعرها المنكوش ووجهها الذي غسله النحيب وجسدها الذي يرتجف بانهيار، جعل قلب مي يسقط في هاوية من الريبة. "تالا! ما بكِ؟ ماذا حدث يا صغيرتي؟" سألت مي وهي تجذب الفتاة للداخل بسرعة وتغلق الباب خلفهما. ارتمت تالا على الأريكة، وانفجرت في بكاء هستيري مزق صمت الصالون الأنيق. "لقد رأيتهما يا مي.. رأيتهما بعيني! علي.. وسارة! كان يفرغ شهوته فيها كأنها جارية لا قيمة لها، وسارة تلك الحفيرة كانت تستلم له بخضوعٍ مقرف! لقد خانني يا مي.. خان عذريتي التي وهبتها له بقداسة، خان كل الوعود التي همس بها في أذني.. أنا أموت من الداخل.. أشعر بالقرف من نفسي ومنهما!" تجمدت الدماء في عروق مي، وشعرت ببر
استيقظ علي في الصباح الباكر، وكان شعاع الشمس يداعب وجهه ببرود. تالا كانت لا تزال نائمة بجانبه، ملامحها تشي بسلامٍ لم يدم طويلاً. رن هاتفه، وكان المتصل عمر. ابتعد علي بهدوء وخرج إلى الشرفة ليجيب. "صباح الخير يا علي.. أخبرني، هل سارت الأمور كما خططنا؟" سأل عمر بصوت يملؤه الترقب والجشع. "أهلاً يا أستاذ عمر،" أجاب علي بنبرة واثقة، "لقد أصبحت الثمار ناضجة تماماً. الليلة سأنهي الموضوع وأضع القفل الأخير على حصون مي. غداً ستكون أوراق التنازل عن كل حقوقها أمامك." "ممتاز يا علي.. كنت أعلم أنك الرجل المناسب لهذه المهمة القذرة. بانتظار البشارة." أغلق علي الهاتف وارتسمت على وجهه ابتسامة شيطانية. لم يكن ينوي إعطاء "البشارة" لعمر، بل كان ينوي إعطاءه "المقصلة". قضى علي يومه في تجهيز أدواته. اشترى كاميرا دقيقة جداً، مخفية داخل شاحن هاتف عادي، وتوجه في المساء إلى شقة مي. استقبلته مي بلهفة الانكسار، كانت عيناها تبحثان عن الاعتذار في عينيه، لكنها لم تجد سوى الهيمنة. بينما كانت مي في الحمام تستعد، قام علي بتثبيت الكاميرا في زاوية استراتيجية بغرفة النوم، تطل مباشرة على الفراش الكبير. كانت الخطة
استيقظ علي على صوت اهتزاز هاتفه المزعج فوق الطاولة الخشبية. كانت تالا لا تزال غارقة في نومٍ عميق، ورأسها يستند إلى كتفه العاري، وشعرها مبعثر فوق صدره كخيوط من الحرير. مد يده بتململ وأجاب على الرقم الغريب الذي لم يعهده من قبل. "أيها الشقي.. أريد مقابلتك، اعزمني على العشاء، يجب أن نتحدث،" جاء الصوت أنثوياً، مفعماً بالثقة والدلال المستفز. "من معي؟" سأل علي وهو يعتدل في جلسته، محاولاً استعادة تركيزه. "أنَسيتني بهذه السرعة؟ عادةً من يقابلني يذكرني طويلاً،" ضحكت صاحبة الصوت ضحكة قصيرة جعلت ذاكرة علي تستعيد فوراً ذلك الوجه الجريء في بيت ريما. "ريتا؟" سأل بنبرة تأكيد. "يبدو أنك لم تنسني.. قابلني اليوم في الساعة التاسعة مساءً في مطعم 'المدينة السحرية'. لا تتأخر،" قالتها بلهجة لا تقبل الرفض، ثم أغلقت الخط. تحركت تالا بجانبه، وفتحت عينيها ببطء، والابتسامة ترتسم على وجهها بمجرد رؤيته. "من هذه يا علي؟" سألت بصوت ناعس. "لا تقلقي.. إنها قريبة لي، أمر عائلي بسيط،" كذب علي ببرود وهو يجذبها إليه ويحتضنها بقوة. "كيف تشعرين الآن؟" "أنا أسعد إنسانة في الدنيا،" همست تالا وهي تشد من عناقها ل
عاد علي إلى شقته والهدوء يلف ملامحه، لكنه هدوء ما قبل العاصفة. خلع ثيابه ببطء ودخل تحت رذاذ الماء الساخن، تاركاً البخار يغسل بقايا يومٍ حافل بالمؤامرات. خرج من الحمام يلف خصره بمنشفة بيضاء واحدة، تاركاً صدره العريض وكتفيه المفتولين يلمعان بقطرات الماء المتبقية. وقف أمام المرآة الكبيرة في غرفته، وبحركة مدروسة، أطفأ الأنوار الرئيسية وأبقى على مصباح جانبي خافت، ليرسم ظله الضخم فوق جدران الغرفة. كان يعلم، بيقين الصياد، أن هناك عيوناً ترقبه من خلف زجاج الشقة المقابلة. لمح في انعكاس النافذة ضوءاً يخفت في غرفة مي؛ لقد كانت هناك، خلف الستائر المسدولة جزئياً، تراقب طقوسه اليومية كأنها مدمنة تبحث عن جرعتها القاتلة. تناول هاتفه ببرود، وضغط على رقم تالا. لم ينتظر طويلاً حتى أجاء صوتها الملهوف: "علي؟" "اشتقتُ لكِ.. تعالي الآن،" قالها بنبرة آمرة لا تقبل النقاش، ثم أغلق الخط قبل أن يسمع ردها. لم تمضِ ربع ساعة حتى سمع رنين جرس الباب. لم يتحرك من مكانه، بل صاح بصوتٍ جهوري وصل مسامع مي في الجهة الأخرى: "ادخلي يا تالا.. الباب مفتوح!" دخلت تالا وهي تلهث، وعيناها تشعان ببريق العشق والخضوع. بمج
كانت الشمس تميل نحو المغيب، تلقي بظلالٍ برتقالية باهتة فوق مباني الكلية المهجورة في هذا الوقت من المساء. مشى علي بخطواتٍ واثقة، تضرب الأرض بقوة تعكس رسوخ سلطته التي لم تعد محل شك. لم يتوجه إلى الكافيتيريا الرئيسية حيث ضجيج الطلاب، بل اتجه نحو الخلف، خلف المختبرات القديمة، حيث تقع تلك "الكافيتيريا المهجورة" التي شهدت ولادة مؤامرتهما الأولى. أخرج هاتفه وأرسل رسالة مقتضبة لسارة، كانت بمثابة أمر عسكري لا يقبل التأجيل: "خلف المختبرات.. الكافيتيريا القديمة. الآن." لم تمر دقائق حتى ظهرت سارة من بعيد. كانت تمشي بسرعة، وأنفاسها متهدجة تقطع سكون المكان، وتنورتها القصيرة تتأرجح مع حركاتها المرتبكة. كانت سارة في حالة من الغليان الداخلي؛ فمنذ أن باحت لها تالا بتفاصيل ليلتها الملحمية مع علي، والغيرة تنهش أحشاءها كأنها نصل مسموم. شعرت أنها "المهندسة" التي شيدت الجسر ليعبر عليه غيرها، بينما بقيت هي واقفة في العراء، تقتات على فتات الوعود. دخلت الكافيتيريا المظلمة، لترتطم برائحة عطر علي الحادة التي تملأ المكان وتعلن عن حضوره المهيمن. كان يقف في الظل، كأنه جزء من جدران المكان الحجرية. بمجرد أن رآه







