تسجيل الدخولوقف علي في ركن المطبخ المظلم، ظهره مسنود إلى الرخام البارد، وأنفاسه متهدجة يحاول كتمها بأقصى جهد. جسده كان لا يزال يغلي من القرب الذي حدث قبل ثوانٍ؛ كانت حرارة جسد مي ورائحة عطرها عالقة في أنفه، وانتصابه العنيف لا يزال يضغط بقسوة مؤلمة على بنطاله الجينز، مذكراً إياه بمدى قربه من امتلاكها.
سمع صوت "عمر" الجهوري وهو يلقي بمفاتيحه على الطاولة في الصالة. "مي! لماذا الإضاءة خافتة هكذا؟ ولماذا وجهكِ محتقن؟" قال عمر بنبرة جافة تفتقر لأي عاطفة، وكأنه يستجوب متهمة في محكمة. "لا شيء يا عمر.. كنت.. كنت نائمة واستيقظت فجأة،" أجابت مي بصوت مرتجف حاولت جاهدة أن تجعله طبيعياً. كان علي يرى المشهد من خلال فتحة بسيطة في باب المطبخ. رأى عمر، الرجل الأربعيني ببدلته الفاخرة وملامحه المتغطرسة، يقف أمام زوجته. لم يقبلها، لم يحتضنها، بل نظر إلى الساعة بضيق وقال: "سأدخل للاستحمام والنوم، لدي جلسة هامة غداً في المحكمة. حضري لي كوباً من الليمون الدافئ وأحضرهيه إلى الغرفة." راقب علي مي وهي تقف مكانها كالتمثال حتى دخل عمر إلى غرفته وأغلق الباب خلفه ليبدأ صوت الماء في الحمام. دخلت مي المطبخ بسرعة وهي تتنفس كأنها كانت تركض في ماراثون. وجهها كان شاحباً من الرعب، لكن عينيها حين التقت بعيني علي في الظلام، اشتعلت فيهما تلك الشرارة المحرمة مجدداً. "يجب أن تخرج الآن.. فوراً،" همست وهي تقترب منه. لكن بدلاً من أن تدفعه للخارج، وجدت نفسها تقف أمام صدره العريض مرة أخرى. "هل تعيشين هكذا دائماً؟" سأل علي بصوت منخفض جداً وهو يمسك برسغها برفق. "هل تعيشين مع رجل لا يرى فيكِ إلا خادمة تحضر الليمون؟" تجمعت الدموع في عيني مي. "هذا ليس شأنك يا علي. اخرج من هنا!" لكن علي لم يتحرك. في عتمة المطبخ، كان التوتر الجنسي قد وصل إلى مرحلة الجنون. مالت مي برأسها على صدره، وأطلقت زفيراً طويلاً وكأنها تفرغ كبت سنوات. لم يستطع علي المقاومة؛ لف ذراعه القوية حول خصرها، وجذبها إليه بقوة لدرجة أنها شعرت بصلابة عضوه المتصلب وهو يضغط على بطنها من خلف عباءتها. أغمضت مي عينيها، واستسلمت تماماً للحظة. أحست برجولته الطاغية التي تفتقدها، وبالقوة التي يشع بها جسده الشاب. كادت أن تستدير لتقبله، لولا أن صوت عمر نادى من الداخل: "مي! أين الليمون؟" انفصلت عنه بذعر، وفتحت باب المطبخ المؤدي للمنور الخلفي (مخرج الطوارئ). "اخرج من هنا.. أرجوك، لا تدمرني،" قالتها وهي تدفعه للخارج وعيناها تتوسل إليه. خرج علي إلى سلم الطوارئ المظلم، وصدره يعلو ويهبط. نزل الدرج بسرعة، وحين وصل إلى غرفته، ألقى بنفسه على السرير، لا يزال يشعر بضغط انتصابه الذي لم يهدأ. أخرج هاتفه ليجد رسالة جديدة من سارة، لكن هذه المرة كانت الصورة صادمة: صورة لعلي وهو يدخل شقة مي! "الآن يا علي.. هل ستستمر في التظاهر بالفضيلة؟ غداً صباحاً، إما أن نلتقي في مكاني الخاص.. أو ترسل هذه الصورة للمحامي عمر. الخيار لك." شعر علي ببرودة تجتاح جسده. اللعبة لم تعد بينه وبين مي فقط، سارة بدأت تقبض الخناق على عنقه، ومي أصبحت الآن في خطر حقيقي. المحامي عمر لن يرحمها إذا عرف، وعلي قد يخسر مستقبله بالكامل. في تلك اللحظة، رن هاتفه برسالة أخرى، كانت من مي: "علي.. أنا خائفة. شعرت أن هناك من كان يراقبنا من النافذة المقابلة. أرجوك، لا تأتِ مجدداً." لم ينم علي تلك الليلة. كان محاصراً في شبكة من الشهوة، الابتزاز، والخوف. كان يعلم أن الغد لن يكون يوماً عادياً في الكلية، وأن المواجهة مع سارة أصبحت حتمية.في صباح اليوم التالي لليلة الخداع الكبرى، استيقظ علي والابتسامة لا تفارق محياه. نظر إلى مي النائمة بجانبه كأنها طفلة غلبها التعب، وشعر بنشوة الصياد الذي روّض أشرس الطرائد. لكن اللعبة لم تنتهِ بعد؛ فالسلطة الحقيقية تحتاج إلى إذلال الخصم في عقر داره. خرج علي إلى الصالة، وأخرج هاتفه واتصل بـ عمر. لم يتأخر الرد، فصوت عمر كان متهدجاً، ينم عن ليلة مريرة قضاها وهو يشاهد الفيديو الملحمي لزوجته مع "صديقه". "علي.. ماذا تريد الآن؟ ألم يشفِ غليلك ما فعلته أمس؟" سأل عمر بنبرة انكسار مغلَّفة بحقدٍ دفين. "أهلاً يا أستاذ عمر،" أجاب علي ببرودٍ يثير الجنون. "لقد فكرتُ كثيراً، ووجدتُ أن مي بحاجة إلى تغيير جو.. الضغوط التي سببتَها لها بـ 'خطة التنازل' كادت تحطم أعصابها. لذا، قررتُ أن آخذها في رحلة لمدة أسبوع إلى إحدى الجزر النائية.. كوخ خاص على الشاطئ، بعيداً عن العالم." "وما شأني أنا؟" صرخ عمر بمرارة. "شأنك بسيط.. أنت من سيمول هذه الرحلة. أريد مبلغاً معتبراً يُحول إلى حسابي الآن كـ 'عربون اعتذار' منك لها، وثمناً مؤقتاً لصمتي عن ذلك الفيديو. فكر في سمعتك ومكتبك يا عمر.. المبلغ زهيد مقابل كرامتك
كانت تالا تركض في ممرات البناية كأنها تهرب من مشهد ذبحٍ علني، دموعها تحفر مجاري القهر فوق وجنتيها الطفوليتين، وصوت شهقاتها المذعورة يمزق سكون الممر. لم تجد أمامها سوى باب شقة مي. طرقت الباب بعنف، بجنون، كأنها تطرق باب الخلاص الوحيد من هذا الكابوس الذي صدمت فيه بكل ما تملك من براءة. فتحت مي الباب، كانت لا تزال تعيش سكرة ليلة أمس؛ وجهها مشرق وروحها هادئة بشكل لم تعهده منذ سنوات طويلة. لكن رؤية تالا بهذا المنظر، بشعرها المنكوش ووجهها الذي غسله النحيب وجسدها الذي يرتجف بانهيار، جعل قلب مي يسقط في هاوية من الريبة. "تالا! ما بكِ؟ ماذا حدث يا صغيرتي؟" سألت مي وهي تجذب الفتاة للداخل بسرعة وتغلق الباب خلفهما. ارتمت تالا على الأريكة، وانفجرت في بكاء هستيري مزق صمت الصالون الأنيق. "لقد رأيتهما يا مي.. رأيتهما بعيني! علي.. وسارة! كان يفرغ شهوته فيها كأنها جارية لا قيمة لها، وسارة تلك الحفيرة كانت تستلم له بخضوعٍ مقرف! لقد خانني يا مي.. خان عذريتي التي وهبتها له بقداسة، خان كل الوعود التي همس بها في أذني.. أنا أموت من الداخل.. أشعر بالقرف من نفسي ومنهما!" تجمدت الدماء في عروق مي، وشعرت ببر
استيقظ علي في الصباح الباكر، وكان شعاع الشمس يداعب وجهه ببرود. تالا كانت لا تزال نائمة بجانبه، ملامحها تشي بسلامٍ لم يدم طويلاً. رن هاتفه، وكان المتصل عمر. ابتعد علي بهدوء وخرج إلى الشرفة ليجيب. "صباح الخير يا علي.. أخبرني، هل سارت الأمور كما خططنا؟" سأل عمر بصوت يملؤه الترقب والجشع. "أهلاً يا أستاذ عمر،" أجاب علي بنبرة واثقة، "لقد أصبحت الثمار ناضجة تماماً. الليلة سأنهي الموضوع وأضع القفل الأخير على حصون مي. غداً ستكون أوراق التنازل عن كل حقوقها أمامك." "ممتاز يا علي.. كنت أعلم أنك الرجل المناسب لهذه المهمة القذرة. بانتظار البشارة." أغلق علي الهاتف وارتسمت على وجهه ابتسامة شيطانية. لم يكن ينوي إعطاء "البشارة" لعمر، بل كان ينوي إعطاءه "المقصلة". قضى علي يومه في تجهيز أدواته. اشترى كاميرا دقيقة جداً، مخفية داخل شاحن هاتف عادي، وتوجه في المساء إلى شقة مي. استقبلته مي بلهفة الانكسار، كانت عيناها تبحثان عن الاعتذار في عينيه، لكنها لم تجد سوى الهيمنة. بينما كانت مي في الحمام تستعد، قام علي بتثبيت الكاميرا في زاوية استراتيجية بغرفة النوم، تطل مباشرة على الفراش الكبير. كانت الخطة
استيقظ علي على صوت اهتزاز هاتفه المزعج فوق الطاولة الخشبية. كانت تالا لا تزال غارقة في نومٍ عميق، ورأسها يستند إلى كتفه العاري، وشعرها مبعثر فوق صدره كخيوط من الحرير. مد يده بتململ وأجاب على الرقم الغريب الذي لم يعهده من قبل. "أيها الشقي.. أريد مقابلتك، اعزمني على العشاء، يجب أن نتحدث،" جاء الصوت أنثوياً، مفعماً بالثقة والدلال المستفز. "من معي؟" سأل علي وهو يعتدل في جلسته، محاولاً استعادة تركيزه. "أنَسيتني بهذه السرعة؟ عادةً من يقابلني يذكرني طويلاً،" ضحكت صاحبة الصوت ضحكة قصيرة جعلت ذاكرة علي تستعيد فوراً ذلك الوجه الجريء في بيت ريما. "ريتا؟" سأل بنبرة تأكيد. "يبدو أنك لم تنسني.. قابلني اليوم في الساعة التاسعة مساءً في مطعم 'المدينة السحرية'. لا تتأخر،" قالتها بلهجة لا تقبل الرفض، ثم أغلقت الخط. تحركت تالا بجانبه، وفتحت عينيها ببطء، والابتسامة ترتسم على وجهها بمجرد رؤيته. "من هذه يا علي؟" سألت بصوت ناعس. "لا تقلقي.. إنها قريبة لي، أمر عائلي بسيط،" كذب علي ببرود وهو يجذبها إليه ويحتضنها بقوة. "كيف تشعرين الآن؟" "أنا أسعد إنسانة في الدنيا،" همست تالا وهي تشد من عناقها ل
عاد علي إلى شقته والهدوء يلف ملامحه، لكنه هدوء ما قبل العاصفة. خلع ثيابه ببطء ودخل تحت رذاذ الماء الساخن، تاركاً البخار يغسل بقايا يومٍ حافل بالمؤامرات. خرج من الحمام يلف خصره بمنشفة بيضاء واحدة، تاركاً صدره العريض وكتفيه المفتولين يلمعان بقطرات الماء المتبقية. وقف أمام المرآة الكبيرة في غرفته، وبحركة مدروسة، أطفأ الأنوار الرئيسية وأبقى على مصباح جانبي خافت، ليرسم ظله الضخم فوق جدران الغرفة. كان يعلم، بيقين الصياد، أن هناك عيوناً ترقبه من خلف زجاج الشقة المقابلة. لمح في انعكاس النافذة ضوءاً يخفت في غرفة مي؛ لقد كانت هناك، خلف الستائر المسدولة جزئياً، تراقب طقوسه اليومية كأنها مدمنة تبحث عن جرعتها القاتلة. تناول هاتفه ببرود، وضغط على رقم تالا. لم ينتظر طويلاً حتى أجاء صوتها الملهوف: "علي؟" "اشتقتُ لكِ.. تعالي الآن،" قالها بنبرة آمرة لا تقبل النقاش، ثم أغلق الخط قبل أن يسمع ردها. لم تمضِ ربع ساعة حتى سمع رنين جرس الباب. لم يتحرك من مكانه، بل صاح بصوتٍ جهوري وصل مسامع مي في الجهة الأخرى: "ادخلي يا تالا.. الباب مفتوح!" دخلت تالا وهي تلهث، وعيناها تشعان ببريق العشق والخضوع. بمج
كانت الشمس تميل نحو المغيب، تلقي بظلالٍ برتقالية باهتة فوق مباني الكلية المهجورة في هذا الوقت من المساء. مشى علي بخطواتٍ واثقة، تضرب الأرض بقوة تعكس رسوخ سلطته التي لم تعد محل شك. لم يتوجه إلى الكافيتيريا الرئيسية حيث ضجيج الطلاب، بل اتجه نحو الخلف، خلف المختبرات القديمة، حيث تقع تلك "الكافيتيريا المهجورة" التي شهدت ولادة مؤامرتهما الأولى. أخرج هاتفه وأرسل رسالة مقتضبة لسارة، كانت بمثابة أمر عسكري لا يقبل التأجيل: "خلف المختبرات.. الكافيتيريا القديمة. الآن." لم تمر دقائق حتى ظهرت سارة من بعيد. كانت تمشي بسرعة، وأنفاسها متهدجة تقطع سكون المكان، وتنورتها القصيرة تتأرجح مع حركاتها المرتبكة. كانت سارة في حالة من الغليان الداخلي؛ فمنذ أن باحت لها تالا بتفاصيل ليلتها الملحمية مع علي، والغيرة تنهش أحشاءها كأنها نصل مسموم. شعرت أنها "المهندسة" التي شيدت الجسر ليعبر عليه غيرها، بينما بقيت هي واقفة في العراء، تقتات على فتات الوعود. دخلت الكافيتيريا المظلمة، لترتطم برائحة عطر علي الحادة التي تملأ المكان وتعلن عن حضوره المهيمن. كان يقف في الظل، كأنه جزء من جدران المكان الحجرية. بمجرد أن رآه







