Se connecterانتهت المحاضرة، لكن الصداع الذي ضرب رأس علي كان أقوى من أن يحتمل. حاول الهروب من نظرات سارة المفترسة، لكنها كانت أسرع منه. أمسكت بذراعه بقوة، وضغطت بجسدها على كتفه وهي تقوده نحو المختبر القديم في نهاية الممر؛ ذلك المكان الذي نادراً ما يرتاده الطلاب في هذا الوقت.
"إلى أين تأخذينني يا سارة؟ لدي عمل!" قال علي محاولاً تخليص ذراعه، لكن سارة مالت عليه وهمست بفحيح الأفاعي: "تأخذني الرغبة في رؤية ذلك الوحش الذي رأيته خلف النافذة يا علي.. لا تحاول التظاهر بالفضيلة، فالبنطال الذي ترتديه الآن يفضح كل ما تخفيه." دخلت به إلى المختبر وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح. كانت رائحة المواد الكيميائية واليود تملأ المكان، لكن رائحة عطر سارة النفاذ كانت هي المسيطرة. دفعت علياً نحو إحدى الطاولات الرخامية الباردة، ووقفت بين ساقيه، محاصرة إياه بجسدها. "ماذا تريدين؟" سأل علي بأنفاس متلاحقة، بينما كان يحاول تثبيت عينيه في عينيها ليهرب من فتحة قميصها التي كانت تكشف الكثير. "أريد أن أرى الحقيقة،" قالت سارة وهي تمد يدها ببطء شديد، لتمسح على صدره العريض، نزولاً نحو معدته المقسمة. "أريد أن أعرف كيف يتحول طالب الصيدلة المثالي إلى حيوان هائج بمجرد رؤية جارة مبللة." شعر علي بالخطر. يد سارة كانت تقترب من منطقة انفجاره. كان عقله يصرخ "اهرب"، لكن جسده الخائن كان يستجيب لحرارتها. وفي تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتفه في جيبه باهتزازة متواصلة. أخرج الهاتف بيد ترتجف، ليرى رسالة من رقم غير مسجل، لكنه عرف صاحبه فوراً من صيغتها: "علي.. أنا آسفة لما حدث في المصعد. لا أستطيع التوقف عن التفكير في نظرتك.. هل يمكننا التحدث في المساء؟ زوجي عمر سيتأخر في مكتبه." كانت الرسالة من مي. سقطت الكلمات على قلب علي كالبنزين على النار. في الوقت الذي كانت فيه سارة تلتصق به وتحاول إثارته بجرأة، كانت مي، المرأة التي سكنت خياله، تدعوه في صمت. "من تكاتب؟" سألت سارة بحدة وهي تحاول خطف الهاتف، لكن علي رفعه عالياً. غضبت سارة، وزاد جنونها، فاندفعت نحوه وأمسكت برأسه، وبدأت تقبل عنقه بوحشية، بينما كانت يدها الأخرى تضغط بقوة على عضوه المتصلب من خلال الجينز. انطلق زفير حارق من صدر علي. الشهوة وصلت إلى ذروتها؛ كان يشعر بنبض عضوه يضرب في يده، وبحرارة سارة التي تكاد تذيب ثيابه. كانت سارة تئن باسمه، وتحاول فك أزرار بنطاله، والتوتر الجنسي في الغرفة وصل إلى نقطة اللاعودة. كان علي قاب قوسين أو أدنى من فقدان السيطرة تماماً والاستسلام لسارة ليطفئ نار ليلته الماضية. لكن، في اللحظة التي لمست فيها أصابع سارة جلده العاري عند طرف بنطاله، قفزت صورة مي في مخيلته. تذكر ملمس خصرها الناعم في المصعد، ورائحة الياسمين الرقيقة، وقارنها بخشونة وجرأة سارة المبتزة. بكل ما أوتي من قوة متبقية، أمسك علي برسغي سارة وأبعدهما عنه بعنف. كان يتنفس كأنه ركض ماراثوناً، وعرقه يتصبب على جبينه. "كفى يا سارة! ليس هكذا.. وليس معكِ!" قالها بصوت متهدج ممتلئ بالرغبة المكبوتة. "ستندم يا علي!" صرخت سارة وهي تعيد ترتيب ملابسها المبعثرة، وعيناها تشتعلان غضباً وانتقاماً. "ستتمنى لو أنك قبلت عرضي حين تجد فضيحتك على لسان كل طالب في هذه الكلية!" خرج علي من المختبر وهو يترنح، جسده لا يزال يغلي من الداخل، وانتصابه القوي يسبب له وجعاً حقيقياً يمنعه من المشي باستقامة. كان يحتاج إلى الهدوء، لكنه كان يعلم أن المساء يحمل له عاصفة أكبر. مي تنتظره، وسارة تتوعده، وهو لا يزال محبوساً في جسد رجل لم يعد يعرف كيف يسيطر على رغباته. عاد إلى منزله، ووقف أمام باب شقته، ونظر إلى باب شقة مي. كان يعلم أن خلف ذلك الباب، هناك امرأة تبلغ من العمر 36 عاماً، في قمة نضجها، تنتظره بلهفة لا تقل عن لهفته. هل يفتح الباب ويدخل إلى الجحيم الجميل؟ أم ينتظر مصيره مع سارة؟إسطنبول – شقة رفيق – منتصف الليل كان رفيق جالساً أمام شاشته في غرفة مظلمة صغيرة في حي "بشيكتاش" الشعبي. لم يكن المكان يليق بعبقرية الرجل الذي اخترق أنظمة بنوك سويسرية وشبكات اتصالات عالمية؛ غرفة لا تزيد مساحتها عن اثني عشر متراً مربعاً، جدرانها مطلية باللون الأبيض المتسخ، ونافذتها تطل على جدار المبنى المجاور. لكنها كانت تحتوي على ما يحتاجه: ثلاثة أجهزة حاسوب بشاشات كبيرة، ومجموعة من الأجهزة الإلكترونية التي لا يعرف وظيفتها سواه، ومروحة سقف قديمة تدور ببطء لتخفف من حرارة الصيف. كان رفيق يرتدي قميصاً أبيض قديماً وسروالاً رياضياً رمادياً. شعره الأسود المجعد كان منكوشاً، وعيناه الخضراوان تلمعان بذكاء حاد خلف نظارة طبية رفيعة. كان يتابع حركة البيانات على شاشته الرئيسية، حيث كان قد زرع برنامج تجسس في خادم الإنتربول الرئيسي في ليون قبل أشهر، بناءً على طلب سنان. كان البرنامج صامتاً، لا يترك أثراً، وينسخ كل ما يمر عبر قنوات الاتصال الخاصة بملف سنان وعلي. في الليلة الماضية، لاحظ رفيق شيئاً غريباً. كان هناك نشاط غير عادي على خط هانز الخاص. مكالمات مشفرة، ورسائل تبادلها مع رقم لم يعرفه من قبل.
جنيف – مقر الإنتربول الإقليمي – صباح اليوم التالي كان هانز جالساً في مكتبه، أمامه ثلاثة ملفات مفتوحة: ملف سنان، ملف جان لوك، وملف علي. كان يقلب صفحاتها ببطء، وعيناه الزرقاوان تتحركان كمن يبحث عن شيء محدد، شيء قد فاته في القراءات السابقة. كانت الستائر مسدلة، والمكتب شبه مظلم، والمصباح المكتبي الصغير هو المصدر الوحيد للضوء، ليرسم هالة صفراء باهتة حول وجهه المتعب. منذ يومين وهو يتابع تداعيات مقتل فؤاد. لم تذكر الصحف الخبر، ولم تعلن الشرطة عن أي تحقيق. كانت الجثة قد دفنت بصمت، وعائلة فؤاد أُخبرت بأنه مات في حادث سيارة. لكن هانز كان يعلم الحقيقة. مخبروه في إسطنبول أخبروه أن فؤاد قُتل برصاصة في الرأس، وأن جان لوك هو من أمر بذلك، انتقاماً لتفجير مستودعه في مرسيليا. وكان يعلم أيضاً أن سنان يخطط للرد. لم يكن يعرف كيف، لكنه كان يعلم أن الرد قادم، وأنه قد يكون أكبر مما يتوقعه الجميع. وكان يعلم أن هذه الحرب بين جان لوك وسنان قد تخرج عن السيطرة، وقد تودي بحياة أبرياء كثيرين. وإذا حدث ذلك، فإن ملفاتهم جميعاً ستصل إلى رؤسائه، وعندها سيخسر كل شيء: وظيفته، حريته، وربما حياته. هانز ليس غبياً. لقد أ
كان القبو تحت مبنى مهجور كان يستخدم سابقاً كمستودع للمنسوجات. جدرانه متآكلة، ورائحة الرطوبة والعفن تملأ المكان. لا نوافذ له، فقط باب حديدي صدئ يغلق من الخارج. في منتصف القبو، كان فؤاد مربوطاً على كرسي خشبي مكسور، وفمه مربوط بقطعة قماش بالية، وعيناه مغلقتان من الإرهاق والألم. لم يعد فؤاد يتذكر كم مضى على اختطافه. يومان؟ ثلاثة؟ كان يفقد الإحساس بالوقت. كان جسده يئن من الجوع والعطش، ويداه خدرتا من شدة الربط. لكن روحه كانت لا تزال صامدة. لم ينطق بكلمة واحدة رغم الضرب والتعذيب. لم يخبرهم بأي شيء عن سنان، ولا عن الصفقات، ولا عن الأسرار التي كان يحفظها منذ عشرين عاماً. في الزاوية المقابلة، كان ثلاثة من رجال جان لوك جالسين يتحدثون بلغتهم الفرنسية. كانوا ينظرون إلى فؤاد بين الحين والآخر بنفاد صبر. أحدهم بصوت منخفض: «هذا الرجل لن يتكلم. لقد تحمل أكثر مما يمكن لأي إنسان تحمله. ماذا نفعل به؟» الآخر: «أمرنا من إتيان: إذا لم يتكلم خلال 48 ساعة، نتخلص منه. الموعد انتهى منذ ساعة.» الأول: «لنقتله ونرحل. البقاء هنا خطر. سنان يبحث عنه في كل مكان.» وقف أحدهم، واقترب من فؤاد. كان يحمل مسدساً كاتماً
إسطنبول – حي الفاتح – منتصف الليل بعد ثلاثة أيام من تفجير مستودع مرسيليا، كان جان لوك قد تمكن من تأكيد ما كان يشك فيه منذ البداية: سنان هو من وقف وراء الانفجار. معلوماته من داخل إسطنبول أكدت أن سنان أمر رجاله بتنفيذ العملية. رد جان لوك لم يتأخر. في حي الفاتح القديم، كان فؤاد يسير بخطوات سريعة في شارع ضيق مظلم. كان في الخامسة والأربعين من عمره، نحيل البنية، يرتدي جينزاً أزرق وسترة جلدية سوداء. كان أحد أقدم رجال سنان، وأكثرهم ولاءً. عمل معه منذ أكثر من عشرين عاماً، وعرف أسراراً لا يعرفها إلا القليلون. كان عائداً إلى منزله بعد اجتماع مغلق مع سنان في القصر. الاجتماع كان حول إعادة تنظيم شبكات التهريب بعد تفجير مستودع مرسيليا، الذي أعلنته وسائل الإعلام المحلية "حادثاً عرضياً". كان فؤاد متعباً، ولم ينتبه إلى السيارة السوداء التي كانت تتبعه منذ أن غادر القصر. عند وصوله إلى زاوية شارع منزله، وقفت أمامه سيارة أخرى فجأة، وأغلقت الطريق. خرج منها أربعة رجال ملثمين، واندفعوا نحوه قبل أن يستطيع الصراخ أو الهرب. ضربه أحدهم على رأسه بمسدس، فسقط مغشياً عليه. حملوه بسرعة، وألقوه في السيارة، وانطلقت
كانت القاعة الفاخرة في الطابق الخامس والعشرين من برج العرب قد تحولت إلى استوديو تصوير مؤقت. كاميرات التلفزيون من ثلاث قنوات مختلفة كانت موجهة نحو المنصة الرئيسية، حيث جلس علي على كرسي جلدي أسود، مرتدياً بدلة زرقاء داكنة وربطة عنق حريرية فضية. كان شعره مصففاً بعناية، ووجهه يبدو هادئاً واثقاً، رغم ما كان يخفيه في داخله. إلى جانبه، جلست مذيعة شابة تدعى "لمى"، كانت تعمل في إحدى القنوات الاقتصادية الكبرى. كانت ترتدي بدلة رسمية زهرية، وشعرها الأشقر مصفف بعناية. أمامها، كانت ورقة تحتوي على أسئلة مُعدة مسبقاً، وافقت عليها إدارة مجموعة الفهد قبل أيام. كان هذا هو الاتفاق: مقابلة مدتها ثلاثون دقيقة، تبث على الهواء مباشرة، تظهر علي كرجل أعمال ناجح ورجل عائلة محب. الأسئلة عن تجارة السلاح والفساد والملفات الأمنية ممنوعة تماماً. المخالف يدفع غرامة مليون دولار. لمى بابتسامة مهنية: «سيد علي، شكراً لقبولك الدعوة. جمهورنا ينتظر هذه المقابلة بشغف.» علي: «الشكر لكم على هذه الاستضافة.» لمى: «نبدأ إذاً. سيد علي، مجموعة الفهد القابضة حققت في السنوات الخمس الماضية قفزات هائلة. البعض يعتبرك نموذجاً للشاب
كانت القاعة الكبرى في قصر سنان قد تحولت إلى ما يشبه غرفة عمليات سياسية أكثر منها قاعة استقبال. اصطف على طاولة مستديرة ضخمة أحد عشر رجلاً، هم كبار شركاء سنان في شبكة تجارة الأسلحة الممتدة من أوروبا الشرقية إلى أفريقيا وآسيا. بعضهم وصل بالطائرات الخاصة، وبعضهم الآخر جاء عبر طرق برية سرية تجنباً لأي مراقبة أمنية. كان سنان جالساً على رأس الطاولة، يرتدي بدلة بيضاء أنيقة وربطة عنق سوداء. بدا هذه المرة مختلفاً؛ لم يكن يبتسم، ولم يكن يدخن سيجاره الكوبي كالعادة. كان وجهه شاحباً، وعيناه غائرتين، ويداه ترتجفان قليلاً، لكن هيبته كانت لا تزال طاغية. إلى يمينه، كان علي جالساً بظهر مستقيم وعينين حادتين ترمقان الحضور. كان يعلم أن هذا الاجتماع ليس مجرد لقاء روتيني. كان سنان يخطط لشيء كبير. إلى يسار سنان، كان أورهان التركي، أكبر منافسيه السابقين. كان رجلاً في الستين من عمره، بديناً، ذا لحية بيضاء كثيفة، وعينان صغيرتان تخترقان كل شيء. إلى جانبه، كان نزار السوري، نحيل البنية، صامتاً، لا يتكلم إلا عندما يضطر. ثم جواد العراقي، رجل في الخمسين، يرتدي بدلة بنية ونظارة طبية سميكة. ثم وسام اللبناني، الشاب ال







