Masukكانت الليلة التي سبقت الاجتماع الكبير أشبه بهدوئ القاتل قبل أن يذبح فريسته. كان علي جالساً في غرفة نومه في قصر إسطنبول الذي أعدّه سنان للضيوف، والنافذة تطل على البوسفور حيث كانت أضواء المدينة تتلألأ كجواهر سوداء في بحر من الظلام. كان الوقت منتصف الليل، وكان عليه أن ينام، لكن الأرق كان يلتهم جفونه. أخرج هاتفه الآمن للمرة الأخيرة قبل الصمت الإجباري. كان هانز قد أرسل له قبل ساعات تأكيداً وصول رجاله إلى المدينة. كانوا اثني عشر رجلاً، موزعين على ثلاث فرق، في فنادق مختلفة، بجوازات سفر مزورة، تحت غطاء سياح ورجال أعمال. كانوا مستعدين لاقتحام القصر في اللحظة التي يرسل لهم فيها علي الإشارة. «غداً،» كتب علي إلى هانز. «آخر إشارة عندما يكون الجميع في القاعة. لا تتحرك قبل ذلك.» «مفهوم،» جاء الرد. «كن حذراً. سنان ليس غبياً. قد يكون لديه مفاجآته الخاصة.» «أنا أيضاً لدي مفاجآتي،» كتب علي، ثم أطفأ الهاتف ووضعه تحت الوسادة. خرج من الغرفة، ومشى في ممرات القصر الصامتة. كان الحراس في أماكنهم، وكاميرات المراقبة تتابع تحركاته. لم يكن ينام، بل كان يتجول كشبح حائر. وصل إلى غرفة سنان، وكان الباب موارباً. ن
كانت الأيام العشرة التي سبقت الاجتماع الكبير في إسطنبول بمثابة عد تنازلي لانفجار وشيك. كان علي يعيش حياتين متوازيتين: في النهار، رجل الأعمال المحبوب الذي يوقع العقود ويستقبل الشركاء ويبتسم للكاميرات. وفي الليل، العميل المزدوج الذي يخطط لخيانة أعتى تاجر أسلحة في المنطقة. كان التوتر ينهش أعصابه، لكنه كان يتقن فن إخفاء ما يجري في داخله. كان وجهه كالحجر، وابتسامته باردة، وعيناه لا تفصحان عن أي شيء. في اليوم الثالث قبل الاجتماع، استدعاه سنان إلى إسطنبول لحضور بروفة أخيرة للقاء الكبير. كان القصر قد تحول إلى قلعة محصنة. حراس مسلحون عند كل مدخل، كاميرات مراقبة تغطي كل زاوية، وجدران عازلة للصوت في غرفة الاجتماعات الرئيسية. كان سنان جالساً على عرشه في القاعة الكبرى، يشرب قهوته ويتحدث مع أحد مساعديه. «علي،» قال سنان عندما رآه يدخل. «تعال. أريد أن أريك شيئاً.» نهض سنان وقاده إلى الطابق السفلي، حيث كانت غرفة عمليات سرية. كانت الغرفة مظلمة، مضاءة فقط بضوء الشاشات التي تغطي الجدران. كان هناك عشرة رجال يجلسون أمام أجهزة حاسوب، يرتدون سماعات رأس، ويتحدثون بلغات مختلفة. خرائط للمدينة، وصور للضيوف، و
كانت غرفة الاجتماعات في الطابق الثالث من فندق "الريتز" بجنيف معدة بعناية فائقة. لم تكن غرفة عادية؛ كانت جناحاً سرياً لا يظهر في دليل الغرف، ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر مصعد خاص يتطلب بطاقة مغناطيسية وأثر بصمة إصبع. اختار علي هذا المكان بعناية، فهو محايد، بعيد عن أعين سنان، وقريب من مطار جنيف حيث يمكنه الهروب بسرعة إذا لزم الأمر. جلس علي على كرسي جلد أسود، وظهره مستقيم، وعيناه مثبتتان على الباب الخشبي الثقيل. كان يرتدي بدلة رمادية داكنة وربطة عنق زرقاء، وشعره مصفف بعناية، وكانت ساعته الذهبية تلمع تحت أضواء الثريات الكريستالية. أمامه على الطاولة، كان الملف الأزرق الذي أعطاه إياه هانز قبل أسابيع لا يزال مفتوحاً، لكن هذه المرة كانت الأوراق مختلفة. كانت تحتوي على أسماء الرجال السبعة الذين أرسلهم سنان ليلاً. هانز لم يتأخر. دخل الغرفة في تمام الساعة العاشرة صباحاً، يرتدي بدلة سوداء عادية، ونظارته الطبية الرفيعة، ووجهه الحجري الذي لا يعبر عن أي مشاعر. خلفه، دخل رجلان يرتديان بزات مدنية داكنة، ويحملان حقائب جلدية سوداء. أشار هانز إليهما بالبقاء عند الباب، ثم تقدم نحو علي وجلس على الكرسي الم
مرت ثلاثة أسابيع على مكالمة سنان التي أعلن فيها عن الاجتماع الكبير. ثلاثة أسابيع من العمل المتواصل، من التخطيط الليلي، من الاجتماعات السرية مع هانز، ومن التمثيل المتقن أمام سنان الذي كان يذوب ثقة في علي أكثر كل يوم. كان سنان قد خسر حتى الآن ثماني شحنات بإجمالي خسائر تجاوزت ثلاثمائة مليون دولار، وكانت أعصابه على حافة الانهيار. رجاله يهمسون في أذنه بأن هناك جاسوساً، لكنه كان يصر على أن الجاسوس ليس من الدائرة المقربة. كان يصر على أن يثق بعلي. في إحدى الليالي، استدعى سنان علياً إلى قصره في إسطنبول. كان القصر يقع على تلة تطل على البوسفور، محاطاً بأسوار حجرية عالية وأشجار صنوبر معمرة. دخل علي القاعة الكبرى حيث كان سنان جالساً على أريكته المخملية الحمراء، يشرب كأساً من الويسكي القديم ويدخن سيجارته الكوبية. كانت عيناه محمرتين من قلة النوم، ووجهه شاحباً، ويداه ترتجفان قليلاً. «علي،» قال سنان وهو يشير إلى الكرسي المقابل. «اجلس. لدي اقتراح. وقد يكون جنونياً.» «أنا أحب الجنون،» قال علي وهو يجلس بظهر مستقيم، ويداه مشبوكتان فوق ركبته. «خسائرنا فادحة، كما تعلم. لا يمكننا الاستمرار على هذا النحو.
مرت أربعة أسابيع على ضبط شحنة الإسكندرية. أربعة أسابيع من التوتر والصمت الحذر، من صراع الليل والنهار، ومن الكذب على سنان والخيانة لـ هانز. في تلك الأسابيع، أرسل علي إلى هانز تفاصيل سبع شحنات أخرى لسنان، بكميات متفاوتة ووجهات مختلفة: ميناء في تونس، وآخر في الجزائر، وثالث في السودان، ورابع في اليمن. فُقدت اثنتان منها بسبب سوء الأحوال الجوية أو تأخر السفن، بينما تم ضبط الخمس المتبقية قبل وصولها، وكانت الخسائر فادحة. بلغ إجمالي ما خسره سنان في شهر واحد مائتي وثلاثين مليون دولار؛ وهي خسائر لم يتعرض لها منذ بداية مسيرته قبل ثلاثين عاماً. كان رجاله يهربون واحداً تلو الآخر، ووسطاؤه يرفضون التعامل معه خوفاً من أن تكون أعمالهم مراقبة، وعملاؤه بدأوا يشكّون في قدرته على حماية شحناتهم. في إحدى الليالي، وبينما كان علي جالساً في مكتبه السري، وصلته مكالمة من سنان. كان صوته هذه المرة مختلفاً؛ لم يكن غاضباً، بل كان متعباً، منهكاً، وخائفاً. كان صوت رجل يدرك أنه يخسر المعركة. «علي،» قال سنان بصوت مبحوح، «لقد حدث شيء جديد؛ شحنة السودان ضُبطت أيضاً. هذه هي السادسة خلال شهر واحد.. أنا خسرت كل شيء تقري
مرت ستة أيام على مكالمة علي مع هانز. كانت الأيام هادئة على السطح، لكنها كانت تحمل في جوفها براكين صامتة تحت الرماد. كان علي يمضي نهاره في الاجتماعات، وتوقيع العقود، والظهور الإعلامي كرجل الأعمال الناجح الذي لا تشغله سوى أبراج الزجاج والصلب. وفي الليل، كان يرسم خرائط الخيانة على مكتبه السري، ويخطط لكيفية تسليم شريكه القديم إلى الذئاب دون أن يلوث يديه بالدماء مباشرة. في اليوم السابع، كانت الشحنة التي أخبر عنها هانز قد أبحرت من ميناء في رومانيا على متن سفينة شحن تحمل علم بنما. كانت الحاوية رقم (74-B) تحوي أسلحة متوسطة وذخائر تُقدّر قيمتها بأربعين مليون دولار، متجهة إلى ميناء الإسكندرية ومنها إلى جماعة مسلحة في ليبيا. لم تكن هذه أكبر صفقة لسنان، لكنها كانت كافية لاختبار ولاء علي. كان علي جالساً في مكتبه الخلفي بمعرض السيارات؛ وقد اختار هذا المكان لأنه بعيد عن أعين حراس القصر، وعن عيون حلى التي بدأت تلاحظ قلقه. كان الوقت الحادية عشرة مساءً، والمعرض مغلقاً منذ ساعات، والحراس يتناوبون عند المدخل الرئيسي. اهتز هاتفه الآمن.. إنه هانز. «سيد علي،» قال هانز، وكان صوته يحمل نبرة انتصار باه
كانت أنفاس علي تصعد وتهبط في صدره الواسع كأنها أمواج هائجة تضرب صخوراً صماء. وقف في الرواق المظلم للبناية، يراقب من خلف زاوية الجدار خروج سيارة "عمر" من المرآب السفلي. وبمجرد أن توارت الأضواء الخلفية للسيارة في عتمة الشارع، شعر علي بأن القيود التي كانت تكبل حواسه قد تحطمت دفعة واحدة. لم تكن الصور ا
ساد صمت مفاجئ، كأنما قطعت يد خفية أنفاس الموسيقى الصاخبة. تراجع الحشد مفسحاً الطريق، واتجهت الأنظار كلها نحو قمة السلم الرخامي العظيم. هناك، ظهر السيد كمال بكامل هيبته الطاغية، يرتدي بدلة "تكسيدو" سوداء كأنها نُسجت من ظلال الليل، وخلفه ريتا التي كانت تبدو كحارسة معبد غامضة، يحيط بهما ثلة من رجال ال
مرت الأيام الأولى في بيت حسن بهدوء زائف، لكن عين علي، التي صُقلت في مدرسة "عمر" القاسية، بدأت تلتقط تفاصيل لم تكن لتدركها من قبل. لم يعد يرى ريما كفرد من العائلة، بل أصبح يراقبها كمراقب يدرس "أنثى" تعيش حالة من الذبول الاختياري. كان يلاحظها وهي تمشي في أرجاء المنزل؛ ذلك القوام الذي كان يظنه يوماً "
بخطواتٍ تملؤها الحيرة، تبع عليّ ريتا في ردهات الشركة الرخامية التي بدت وكأنها معبدٌ للمال والسلطة. صعدا إلى الطابق الخامس، حيث اختلف الهواء تماماً؛ أصبح أكثر برودة، وأكثر نقاءً، وأشد هيبة. لم تعد المكاتب هنا زجاجية شفافة، بل أبواباً خشبية عتيقة توحي بأن ما يحدث خلفها يغير مصائر دول. توقفت ريتا أم