LOGINكانت أنفاس علي تصعد وتهبط في صدره الواسع كأنها أمواج هائجة تضرب صخوراً صماء. وقف في الرواق المظلم للبناية، يراقب من خلف زاوية الجدار خروج سيارة "عمر" من المرآب السفلي. وبمجرد أن توارت الأضواء الخلفية للسيارة في عتمة الشارع، شعر علي بأن القيود التي كانت تكبل حواسه قد تحطمت دفعة واحدة. لم تكن الصور التي هددته بها سارة هي ما يحركه الآن، بل كان ذلك الانجذاب المغناطيسي الذي لا يقاوم نحو "مي"، الجارة التي سكنت خياله وحولت لياليه إلى جحيم من الأرق والشهوة.
تسلل عبر نافذة المنور التي تركتها مواربة كما اتفقا في رسالتهما الخاطفة. قفز بلياقة جسده الرياضي المعتاد، ليجد نفسه في وسط المطبخ الهادئ. كانت الرائحة في المكان مزيجاً من البخور الخفيف وعبير "الياسمين" الذي يفوح من جسد مي، مما جعل دماءه تغلي في عروقه فوراً. لم تكن مي ترتدي عباءتها التقليدية التي تظهر بها أمام الجيران؛ كانت تقف أمام البراد بظهر مكشوف جزئياً، ترتدي قميص نوم من الستان الأبيض، ينسدل فوق تضاريس جسدها الناضج كأنه ماء سائل. كان القماش الحريري يبرز كل انحناءة في جسدها البالغ من العمر 36 عاماً من الأنوثة الكاملة، من تدويرة أردافها الممتلئة إلى استدارة نهديها اللذين كانا يرتفعان وينخفضان مع أنفاسها المضطربة. "علي! أنت مجنون.. ماذا لو نسي شيئاً وعاد؟" همست وهي تلتفت إليه، وكان وجهها يشع برعب لذيذ، وعيناها العسليتان غارقتين في بريق الرغبة التي حاولت كبتها لسنوات. "لم يعد هناك مكان للخوف يا مي،" قال علي بصوته الرخيم الذي جعل جسدها ينتفض. تقدم نحوها بخطوات واثقة، وحاصرها بجسده الضخم ضد حافة الحوض. شعر بحرارة أنفاسها وهي تضرب صدره، وبدأت يداه تتحركان بتلقائية غريزية لتستقرا على خصرها النحيل. "سارة تبتزني.. وعمر يراقبني كالظل.. نحن نغرق بالفعل، وإذا كان لا بد من الغرق، فأريد أن أغرق بين يديكِ، لا في شوارع الكلية الباردة." عندما لمس جلدها الناعم تحت حرير القميص، أطلقت مي أنة مكتومة ودفنت رأسها في كتفه العريض. لم يعد علي قادراً على التحكم في "الوحش" الكامن في داخله. انحنى ليلتهم شفتيها في قبلة كانت بمثابة انفجار لبركان مكبوت منذ أشهر. كانت مي تئن في فمه، وتشد شعره بقوة، وكأنها تفرغ كبت سنوات طويلة من البرود والإهمال في هذه القبلة الوحشية. أحس علي بجسدها اللين يلتصق بجسده الصلب، وشعربعضوه الذي ثار مجدداً، متصلباً لدرجة مؤلمة وهو يضغط بقوة خلف بنطاله الجينز على بطنها الناعمة، كأنه يريد اختراق الحواجز المادية بينهما. حملها علي بين ذراعيه القويتين وتوجه بها نحو غرفة النوم. كانت الإضاءة خافتة، وستائر الغرفة المسدلة تمنح المكان طابعاً من السرية المقدسة. وضعها على الفراش الوثير وجثا فوقها، لتصبح أردافها المستديرة تحت رحمة يده التي راحت تتحسس طراوة جلدها من فوق السحاب الستاني. وصلت الشهوة إلى ذروتها المطلقة؛ كان علي يشعر بنبضات قلبه في كل إنش من جسده، وعضوه كاد يمزق ملابسه من شدة الاحتقان والاندفاع. مالت مي، وبيدين ترتجفان، بدأت ترفع قميصه الأسود للأعلى، لتكشف عن صدره العريض وعضلات بطنه المقسمة التي كانت تلمع تحت الضوء الخافت كأنها منحوتة من رخام دافئ. بدأت تمرر لسانها وشفاهها فوق عضلات صدره، مما جعل علي يطلق زفيراً حارقاً ويكاد يفقد صوابه. لم تكن هذه مجرد علاقة عابرة بالنسبة له؛ كانت انتقاماً من الحرمان، وإثباتاً لفحولته أمام امرأة كانت تمثل له "المستحيل". تحركت يد علي لتزيح قميصها الأبيض للأعلى، كاشفة عن بياض فخذيها الممتلئين اللذين كانا يرتجفان تحت لمساته. غاص برأسه بين نهديها، يستنشق رائحة أنوثتها الفواحة، وشعرت مي بصلابة رجولته التي تضغط عليها بقوة لا ترحم، مما جعلها تغلق عينيها وتستسلم تماماً لهذا التيار الجارف. كان كل شيء في الغرفة يصرخ بالرغبة؛ الاحتكاك، الأنفاس اللاهثة، ورائحة العرق الممتزجة بالعطر. ولكن، وفي اللحظة التي كانت فيها أجسادهما على وشك الانصهار الكامل وتجاوز خط العودة.. اخترق سكون الليل صوت حاد كالنصل. صوت "تكة" القفل الخارجي للباب الرئيسي. تجمدت الدماء في عروق مي، وقفزت من السرير وهي ترتجف بذعر حقيقي كاد يوقف قلبها. "عمر! لقد عاد! يا إلهي.. لقد عاد!" علي، الذي كان في قمة هياجه الجسدي، شعر بجلطة من الغضب والرعب تسري في عروقه. وقف بسرعة يحاول ترتيب قميصه، بينما كان انتصابه القوي لا يزال بارزاً بشكل فاضح يمنعه من الحركة الطبيعية أو الوقوف باستقامة. "ادخل تحت السرير! بسرعة!" همست مي وهي تدفعه بذعر مميت، بينما كانت هي تحاول ارتداء "الروب" ومسح آثار القبلات المحتقنة عن وجهها وشفاهها. انزلق علي تحت السرير الضخم، وجسده يغلي من الألم الجسدي الناتج عن الشهوة التي بُترت في قمتها، وأنفاسه ثقيلة يحاول كتمها بيده حتى لا يفتضح أمره. دخل عمر الغرفة، وسمع علي صوت خطواته الرزينة وهي تقترب من السرير، ليتوقف فجأة. ساد صمت مميت جعل علي يسمع دقات قلبه تضرب في خشب السرير فوقه. ثم جاء صوت عمر الهادئ والمريب: "مي.. لماذا تبدين مبعثرة هكذا وكأنكِ كنتِ في معركة؟ ولماذا رائحة الغرفة مليئة بعطر غريب.. والسرير غير مرتب كالعادة؟"الوطن – المنزل القديم – فجر اليوم التالي لعيد ميلاد علي التسعين كانت السماء لا تزال مظلمة، والنجوم تتلألأ كجواهر في بحر من السواد، والقمر بدراً يلقي بضوئه الفضي على الحديقة الخلفية التي كانت شاهدة على كل شيء. كان الصمت عميقاً، لم يقطعه سوى صوت الريح الباردة التي تعصف بأغصان شجرة التوت، وكأنها تودع روحاً كانت جزءاً من هذا المكان. كان المنزل هادئاً، وكأنه يعرف أن شيئاً عظيماً قد حدث، وأن الحياة لن تكون كما كانت من قبل. استيقظت حلى مع أول خيوط الفجر، كما كانت تفعل كل صباح. مدّت يدها إلى جانبها لتلمس علي، كما كانت تفعل كل يوم منذ سنوات، لكن يدها لمست الفراش البارد. فتحت عينيها ببطء، ونظرت إلى الجانب الآخر من السرير. كان فارغاً. نهضت بسرعة، وقلبها يخفق، واتجهت إلى النافذة. رأته جالساً على الكرسي الخشبي تحت شجرة التوت، وظهره مسنود إلى الجذع العتيق، ووجهه يتجه نحو الأفق حيث كانت الشمس تبدأ في الظهور. كان مرتدياً بدلته الزرقاء، وربطة عنقه الفضية، وساعته الجديدة على معصمه. بدا وكأنه نائم، لكنه لم يكن نائماً. حلى تهمس: «علي... علي...» لم يرد. اقتربت منه ببطء، ويداها ترتجفان، وعيناها تدمعان.
الوطن – المنزل القديم – يوم عيد ميلاد علي التسعين – الفجر كانت السماء لا تزال مظلمة حين استيقظ علي للمرة الأخيرة. كان هناك صمت عميق يلف الغرفة، لم يقطعه سوى صوت تنفس حلى الهادئ إلى جانبه، وصوت الريح الباردة التي تعصف بأغصان شجرة التوت خارج النافذة. شعر ببرودة غير عادية تسري في جسده، لكنها لم تكن مزعجة. كانت برودة تشبه الهدوء الذي يسبق النوم العميق، أو الصفاء الذي يسبق رحلة طويلة. كان يعلم أن هذا الصباح مختلف. كان يعلم أن هذه هي المرة الأخيرة التي يستيقظ فيها في هذا المنزل، على هذا السرير، بجانب هذه المرأة التي أحبها أكثر من أي شيء في حياته. نهض من سريره ببطء شديد، حريصاً على ألا يوقظ حلى. وقف للحظة، يتلمس الجدار بيده ليستعيد توازنه. كان جسده قد بدأ يخونه، لكن روحه كانت أقوى من أي وقت مضى. نظر إلى حلى وهي نائمة، وملامحها الهادئة تشع بجمال لا يوصف. كان شعرها الأبيض منسدلاً على الوسادة كخيوط من الفضة، ويدها الصغيرة كانت مطوية تحت خدها، وشفتاها تبتسمان في نومها وكأنها تحلم بشيء جميل. وقف هناك لثوانٍ طويلة، يحاول أن يختزن كل تفصيلة في ذاكرته: شكل أنفها، وطريقة تنفسها، ورائحة عطرها الخفيف
الوطن – المنزل القديم – قبل يوم واحد من عيد ميلاد علي التسعين استيقظ علي قبل شروق الشمس، كما كانت عادته منذ سنوات طويلة. لكن هذا الصباح كان مختلفاً. كان هناك هدوء غريب في جسده، وصفاء في روحه، وكأن كل شيء قد استقر في مكانه الصحيح. نهض من سريره بهدوء، لئلا يوقظ حلى التي كانت لا تزال نائمة بجانبه، وتوجه إلى النافذة. كانت السماء لا تزال مظلمة، لكن خيوطاً ذهبية بدأت تتسلل من خلف الجبال، معلنة عن ولادة يوم جديد. وقف هناك لثوانٍ، يتأمل جمال الفجر، ويشعر بامتنان عميق لكل لحظة عاشها. نظر إلى يديه المرتجفتين، وتذكر كل ما فعلته هذه اليدان: أخطاء وأعمالاً صالحة، وبناءً وهدمًا، وحباً وكرهاً. كانت هذه اليدان قد حملت الأسلحة مرة، ثم حملت أطفاله، ثم حملت قلمه عندما كتب مذكراته، ثم حملت يد حلى في شيخوختها. كانت هذه اليدان تشهد على كل ما كان، وكل ما سيكون. خرج إلى الحديقة الخلفية ببطء، متكئاً على عصاه الخشبية القديمة التي صنعها له آدم قبل سنوات. كان الجو بارداً، والندى يغطي العشب، وأوراق شجرة التوت تتحرك في الريح الخفيفة وكأنها تهمس له بأسرار الكون. جلس على كرسيه الخشبي تحت الشجرة، وأغمض عينيه. كان
الوطن – المنزل القديم – قبل ثلاثة أيام من عيد ميلاد علي التسعين كانت الشمس قد بدأت تغرب خلف جبال المدينة، تاركة خلفها ألواناً برتقالية وحمراء تلونت بها السماء وانعكست على نوافذ المنزل القديم التي شهدت الكثير من الأحداث على مر السنين. كانت الحديقة الخلفية قد تحولت إلى مكان ساحر؛ أضواء صغيرة معلقة على أغصان الأشجار، وطاولة طويلة بيضاء مزينة بالورود، وكراسي مرتبة بدقة، ورائحة الطعام الشهي تملأ المكان. كانت حلى قد أصرت على إعداد العشاء بنفسها، رغم أن ليلى والأحفاد عرضوا مساعدتها. كانت تريد أن تفعل شيئاً خاصاً لعلي، شيئاً يذكره بالأيام الجميلة التي قضاها مع عائلته. كان علي جالساً على كرسيه المفضل تحت شجرة التوت، يرتدي بدلة زرقاء فاتحة، وربطة عنق فضية، وشعره الأبيض مصفف بعناية. كان يبتسم ابتسامة عريضة، وعيناه تلمعان بسعادة لا توصف. كان يشعر بأن هذه الليلة مختلفة. لم يكن يعرف كيف، لكنه كان يشعر بأن كل شيء في هذه الليلة كان له معنى خاص. كانت العائلة بأكملها قد تجمعت: حلى، آدم، مريم، ليلى، سيرغي، والأحفاد الخمسة. كانوا جميعاً هناك، يبتسمون، ويضحكون، ويتحدثون كما لو أنهم يعرفون أن هذه اللحظة
الوطن – المنزل القديم – قبل خمسة أيام من عيد ميلاد علي التسعين كان الجو في ذلك الصباح مختلفاً عن الأيام السابقة. كانت السماء صافية تماماً، والشمس دافئة كأنها تبتسم للعالم، والنسيم الخفيف يحمل رائحة الزهور من الحديقة الخلفية التي كانت تعج بالحياة. كان علي جالساً تحت شجرة التوت القديمة، يقرأ كتاباً عن فلسفة الحياة والموت، وكانت عيناه تتحركان ببطء بين السطور. كان يشعر بسلام غريب، وكأن الزمن قد توقف ليمنحه لحظة تأمل أخيرة قبل أن يستأنف رحلته. فجأة، سمع صوت سيارة تتوقف أمام المنزل. لم يكن ينتظر أحداً في هذا الوقت من اليوم، لكنه شعر بفضول غريب. رفع رأسه، ورأى رجلاً طويل القامة يخرج من سيارة أجرة صفراء. كان الرجل يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً، وقبعة من الصوف الداكن، ووجهه يعلوه ابتسامة عريضة لم يراها منذ سنوات. كانت ملامحه قد تغيرت قليلاً؛ شعره أصبح أكثر بياضاً، وتجاعيد وجهه أصبحت أعمق، لكن عينيه الزرقاوين كانتا لا تزالان تلمعان بنفس البريق الذي عرفه علي منذ أيام السجن البعيدة. وقف علي ببطء، ويداه ترتجفان، وكأنه رأى شبحاً من الماضي. لم يكن يتوقع هذه الزيارة. كان قد أرسل له رسالة قبل أسابيع،
الوطن – المنزل القديم – قبل أسبوع من عيد ميلاد علي التسعين كانت الساعة تشير إلى الثانية فجراً حين استيقظ علي مذعوراً. كان جسده يتصبب عرقاً، وقلبه يخفق بسرعة وكأنه ركض لمسافات طويلة، وأنفاسه تخرج بصعوبة وكأن شيئاً ثقيلاً يضغط على صدره. الحلم الذي أيقظه لم يكن حلماً عادياً، بل كان وكأنه يعيش حياته كلها في ليلة واحدة، وكأن الله قد قرر أن يريه كل ما فعله، كل من أحب، وكل من آذى، وكل لحظة عاشها أو ضيعها. كان الحلم واضحاً كالواقع، حياً كالحياة نفسها، وكأنه يشاهد فيلماً سينمائياً عن حياته، لكنه كان هو البطل، وهو الراوي، وهو المشاهد في آن واحد. جلس على حافة السرير، ويداه ترتجفان، ووجهه شاحب، وعيناه مذهولتان مما رآه. كانت حلى نائمة بجانبه، غارقة في نوم عميق، ووجهها الهادئ يعكس سلاماً لم يشعر به هو في تلك اللحظة. لم يرد أن يوقظها، لم يرد أن يشاركها هذا الرعب الجميل، هذا الخوف الممزوج باليقين. كان بحاجة إلى أن يفهم ما رآه، إلى أن يضع كلماته في مكانها قبل أن تنفلت منه. كان بحاجة إلى أن يعرف إن كان هذا الحلم رسالة، أم مجرد كابوس شيخوخة، أم شيئاً آخر لم يكن لديه تفسير له. نهض من السرير بهدوء، حري
وقف علي في ركن المطبخ المظلم، ظهره مسنود إلى الرخام البارد، وأنفاسه متهدجة يحاول كتمها بأقصى جهد. جسده كان لا يزال يغلي من القرب الذي حدث قبل ثوانٍ؛ كانت حرارة جسد مي ورائحة عطرها عالقة في أنفه، وانتصابه العنيف لا يزال يضغط بقسوة مؤلمة على بنطاله الجينز، مذكراً إياه بمدى قربه من امتلاكها.سمع صوت
ساد الصمت أرجاء الرواق المظلم في البناية، إلا من صوت دقات قلب علي التي كانت تقرع في صدره كطبول تقصد الحرب. وقف أمام باب شقة "مدام مي" بعد تلقيه رسالتها المقتضبة. لم تكن رسالة دعوة، بل كانت أشبه بأمر استدعاء صارم. استجمع شجاعته وضغط على الجرس. فُتح الباب ببطء، لكنه لم يجد مي التي تبتسم، بل وجد امرأة
انتهت المحاضرة، لكن الصداع الذي ضرب رأس علي كان أقوى من أن يحتمل. حاول الهروب من نظرات سارة المفترسة، لكنها كانت أسرع منه. أمسكت بذراعه بقوة، وضغطت بجسدها على كتفه وهي تقوده نحو المختبر القديم في نهاية الممر؛ ذلك المكان الذي نادراً ما يرتاده الطلاب في هذا الوقت."إلى أين تأخذينني يا سارة؟ لدي عمل!
لم ينمُ علي في تلك الليلة إلا لساعات قليلة، كانت كوابيسه مزيجاً من مادة الكيمياء العضوية ومنظر المنشفة البيضاء وهي تنزلق عن جسد مي. استيقظ وجسده يشعر بثقل غريب، وكأن الرغبة التي انفجرت بالأمس قد استنزفت طاقته بالكامل. وقف أمام مرآة الحمام، يتأمل وجهه؛ عينيه اللتين غلبهما السهر، وفكه المشدود الذي يع







