Masukتلعثمت ندى ولم تعرف كيف تجيب، لأنها لو قالت الحقيقة لانكشف ما خططت له البارحة لأحمد، وحينها لن يتركها تمر بسلام.قال أحمد بنبرة عميقة الدلالة: "لا يكون أنكما... جعلتما الأمر واقعًا لا رجعة فيه؟"قالت وهي تغمض عينيها معترفة: "أنا، أنا في تلك اللحظة لم أكن أعرف أنه هو، ظننته أنت."قال: "ولو كنت أنا من حضر البارحة، أكان اليوم سيكون لكِ المصير نفسه؟"لم تستطع ندى الرد على سؤاله، وصمتها كان أبلغ جواب.برد صوت أحمد فجأة وهو يقول: "الآن أفهم لماذا أحسست بتوعك البارحة، وأنتِ أغريتِني بالحضور مستعملة اسم سارة، فلا بد أنك وضعت شيئًا في الكأس التي شربتها."قالت: "أحمد، أنا فعلت ذلك من شدة حبي لك، تأخرت كثيرًا في قبولك لي، فلم أجد وسيلة أخرى..."قال: "ما أنتِ فيه اليوم ليس إلا المستقبل الذي لم يقع لي، هل ترينه سعيدًا؟"أطرقت ندى وقالت مدركة ذنبها: "أعرف أن الخطأ كله خطأي."قال أحمد: "أظن أن عمار قد اعتذر لكِ ألف مرة، فهل نفع الاعتذار؟" ثم ضحك بسخرية وأردف: "لو كان الاعتذار يكفي لما كنت تبكين وتتوسلين إلي الآن، يا ندى، في هذه الدنيا مثل يقال، من لا يحب شيئًا لنفسه لا يفرضه على غيره، حين دبرتِ لي هذ
عضّت ميرال على أسنانها من الغيظ، فلم تكن تتخيل أنها ستُلعَب بهذه السهولة على يد شاب حديث السن، وكانت تدرك أن هذه المرة لن تخرج من المعركة بلا خسائر.كان عمار قد ظفر بما أراد ثم تظاهر بالبراءة، أما ندى فلا حاجة للحديث عنها، فلم تكن تجيد سوى البكاء.وكان كاظم وعدنان يدركان أنهما وقعا في فخ عمار، لكنه كان قد استدعى كبار عائلته، في إشارة واضحة إلى أنه لا يترك لهما مجالًا للتراجع.فإن رفضوا هم الأمر، وخرج الخبر إلى الناس، ضاعت سمعة ندى بالكامل.وإن كانت سمعتها مهمة، فسمعة عائلة الدلو عندهم أهم من كل شيء.ولم يعد أمامهم إلا أن يتركوا عمار يقود الموقف كما يشاء.قال كاظم: "هيا بنا إلى غرفة الاستقبال، لا تجعلوهم ينتظرون طويلًا." ثم نهض، فسارع عمار إلى السير خلفه.وبقيت ندى وحدها تمسك بذراع عدنان وتتوسل إليه مرارًا: "أخي، أنقذني، أرجوك أنقذني، لم يعد في الدنيا من أستطيع الاعتماد عليه غيرك!"قال: "أنقذك أنا؟ وكيف تفسرين ما حدث البارحة؟ ألست أنت من كانت تكره رؤيته أصلًا؟ لماذا لم تصرخي ولم تستغيثي؟"وكان هذا أكثر ما حيّر عدنان، فلو وُجد ما يثبت أن ندى أُكرهت على ما جرى، لما وجدوا أنفسهم في هذا الم
جلست سارة معه إلى المائدة، وتناول كل واحد منهما طبقًا من الشعيرية الساخنة، وبعد أن فرغا منها شعر كلاهما بالدفء يسري في جسده.قالت سارة وهي تبتسم بعينيها: "هل تحسّن مزاجك الآن؟ إن لم يكن، أعدّ لك طبقًا آخر."مد كاظم يده وربت على رأسها قائلًا: "يا لهذه الفتاة، طريقتك في مواساة الناس مميزة فعلًا."قالت: "ما حدث لم يكن ما تريده الآنسة ندى، ولا ما كنت تتمناه أنت، لكن بعد أن وقع الأمر لن يفيد أن نغرق في الندم، المهم ألا تضر صحتك بالغضب."مع أنه لم ينطق بكلمة، استطاعت سارة أن تستوعب بسرعة ما جرى من أوله إلى آخره، كانت ذكية بحق.قال كاظم يدعوها بإخلاص: "يا فتاة، قدراتك ليست في الطب وحده، أما تفكرين في العمل معي قريبًا؟"هزت سارة رأسها وقالت: "أفضل حياة الترحال بين البلاد، وحين تستعيد صحتك تمامًا سأضطر في الغالب إلى الرحيل، سأذهب الآن لأحضّر لك طعامًا علاجيًا، وأظن أن الآنسة ندى قد أعدّت شيئًا بدورها."تأمل كاظم ظهرها وهي تخرج بخطى هادئة مطيعة، فاشتد تعلقه بسارة أكثر، ولم يعد يرغب في التفريط فيها أبدًا.كانت هذه الفتاة فعلًا موهبة نادرة لا تعوّض.دخل الجمع إلى الغرفة، وكانت عينا ندى محمرتين من
اندفعت ندى تضرب عمار وتخبطه بيديها، وهي تصيح بأنها وقعت في فخ مدبر لها.أما عمار فوقف يتركها تضربه دون أن يرد، بينما حاولت ميرال أن تشد ندى بعيدًا عنه لتمنعها.وكان وجه كاظم عابسًا إلى أقصى حد، ومن الواضح أنه قد فهم الآن ما جرى من أوله إلى آخره.ربما كان قد توقع أن أحمد لن يقع في المصيدة، لكنه لم يتخيل أن عمار سيتهور إلى هذا الحد، ويجرؤ على الاقتراب من ابنته تحت سقف بيت عائلة الدلو.وما زاد الأمر سوءًا أن ندى هي التي رمت نفسها في أحضانه، فتحول عمار من موقع الضحية إلى من يمسك بزمام الأمور.قال عمار: "يا سيد كاظم، وقد وصلت الأمور إلى ما ترى، سأتحمل مسؤولية ندى."ما إن سمعت ندى هذه الجملة حتى هاجت كالمجنونة وانقضت عليه من جديد وهي تصرخ: "ماذا قلت؟ من قال إني أريدك أن تتحمل مسؤوليتي!"قال عمار: "الرجل الحقيقي، يا ندى، لا يتخلى عما اقترفه، وأنا لست من أولئك الذين لا يعرفون الوفاء."كانت ندى قد بلغت حد الاختناق من الغيظ، فخربشت وجه عمار حتى امتلأ بالخدوش.قال كاظم بصوت قاطع: "يكفي!" ثم أردف: "ارتديا ملابسكما، وبعدها نتكلم."كان وجه ندى مبللًا بالدموع، وما إن استدارت حتى رأت سارة واقفة عند ال
طق طق طق...ما إن أنهت الخادمة الطرق على الباب حتى دوى من الداخل صراخ ندى: "آه! ماذا تفعل هنا؟"ظنت ميرال أن ندى تمثل فقط، فاندفعت إلى الداخل مع من معها وهي تهتف: "ندى، هل أنت بخير؟"في اللحظة التي انفتح فيها الباب كانت ندى قد التحفت بالغطاء، وعيناها تلمعان بالدموع وهي تشير إلى الرجل الذي لم يكن من المفترض أن يكون هناك، حتى صوتها كان يرتجف: "أنت، أنت... كيف تكون هنا؟"كان عدنان الوحيد الذي يجهل ما يجري، فلم يفهم للحظة ما الذي حدث.أما كاظم فاسود وجهه، إذ رأى أن الرجل في الغرفة ليس أحمد بل عمار، وكان الأمر خارج توقعه، ومع ذلك بدا كأنه نتيجة منطقية.لو كان من السهل الإيقاع بأحمد بهذه الطريقة لكان الأمر فعلًا مخيبًا ولا قيمة له.حدقت ميرال في عمار العاري الصدر، ولم يكن وجهها أفضل حالًا من وجه ندى.قالت: "نت، أنت..."لكم عدنان وجهه بقبضة واحدة، وهو يصيح: "ماذا تفعل في غرفة أختي؟"قال عمار بملامح بريئة: "البارحة قالت لي ندى إنها تريدني في أمر مهم وطلبت أن أمر عليها، فجئت، لكنني لما دخلت كانت الغرفة مظلمة، فاندفعت ندى نحوي وارتمت علي وقالت إنها تحبني، وكنت وقتها قد شربت كثيرًا، رأسي يدور، وم
لحسن الحظ أن جسده لم يتعاف بعد، لذلك لم تكن هذه الصفعة قوية جدًا، ومع ذلك ارتسمت على وجه ميرال فورًا آثار أصابعه الخمس.قالت: "صفعتني! تجرؤ أن تضربني! كل ما أفعله، أفعله من أجل من برأيك؟ أليس من أجلك؟"أجهشت ميرال بالبكاء في صورة مثيرة للشفقة، وقالت: "أنا أعرف أن الرجل الذي أحببته منذ البداية كان أحمد، وكنت تخشى أن يستأثر بكل النفوذ وحده، وابننا بعيد عنا في الخارج، لذلك رفعت عمارًا وقرّبته إليك، وأنا أعلم تمامًا ما تحمله له من عاطفة طوال هذه السنين، لو استطعنا أن نجعله صهرًا لنا لانتهت كل مشاكلنا، ما فعلته الليلة لم يكن لمصلحة ندى وحدها بدافع أنانية، بل من أجل هذا البيت، ومن أجل العائلتين، ومن أجل أولادنا وأحفادنا في المستقبل!"قال: "لكنّك لا يصح أن تستعملي مثل هذه الأساليب الوضيعة، بعد الغد كيف تريديه أن ينظر إليّ وإليك؟"قالت: "وكيف سينظر؟ ابنتنا العفيفة التي لم يسبق لها الزواج نمنحها لرجل سبق له الزواج وله أسرة، ولم نقل شيئًا، فبأي حق يجرؤ على التذمر أو الاستنكار؟"شرب كاظم كوبًا من الشاي ليهدئ أعصابه، وقال: "ما تقولينه مجرد تبرير عنيد لا أكثر."قالت: "يا كاظم، أعلم أنك تلومني، وأدر






