Share

111

Author: Ahmed Habib
last update Petsa ng paglalathala: 2026-07-02 04:02:27

كانت الليلة غارقة في عتمة حالكة وسكون مهيب على سواحل الإسكندرية؛ ذلك الثغر الشاب الذي بدأ يتحول تدريجياً إلى خط الدفاع الأول عن شمال الوادي. لم يكن يقطع هذا الصمت المطبق سوى ترجيع أصوات الأمواج الهادئة وهي تلاطم هياكل السفن الحربية الخشبية بنغمة رتيبة تشبه دقات قلب ينتظر قدره.

امتد الأسطول الملكي المصري فوق صفحة الماء كأنه ظل تنين عملاق رابض في الظلام، مئتا سفينة حربية جُهزت بأفضل ما جادت به مصانع السلاح في طيبة ومنف والدلتا. كانت السفن تحمل على متنها أربعين ألف مقاتل من صفوة فيالق الجيش، جنوداً لم يعرفوا في حياتهم معنى التراجع. رفع البحارة الأشرعة السوداء الكبيرة بناءً على أوامر سرية مشددة، لتندمج الأجسام الخشبية الضخمة مع سواد الليل الحالك، وتتحول الحملة كلها إلى أشباح تمخر العباب دون أن تترك أثراً تلمحه أعين الجواسيس.

على أسطح تلك السفن، كان الجنود يقفون صفوفاً متراصة كالمسلات. لم يكن هناك صخب، ولا قرع للطبول، ولا زئير للشعارات الحماسية. كان كل مقاتل يشخص ببصره نحو السواحل المصرية التي بدأت تتوارى وتغيب خلف حجب الضباب والظلام تدريجياً. كانت تلك النظرات تحمل مزيجاً غريباً من الشجن والصلابة، كأنها نظرة الوداع الأخيرة لوطن معطاء قبل المضي قدماً لمواجهة المجهول الكوني الذي ينتظرهم في أراضي الشمال الوعرة.

في مقدمة السفينة الملكية القيادية ذات المقدمة الذهبية التي تحاكي رأس الصقر حورس، وقف الملك "مرنبتاح". كان يمسك بالدرابزين الخشبي بقوة ضغطت على مفاصل يده الخشنة، بينما كان شقيقه الأمير والكاهن الأكبر "خع إم واست" يقف إلى جواره مستنداً بجسده، يرتدي درعه الفيروزي الخفيف الموشى بالفضة، وعيناه الساحرتان تتجهان نحو خط الشاطئ البعيد؛ حيث كانت أضواء الإسكندرية البعيدة تتلألأ في عتمة الليل كأنها حفنة من النجوم الساطعة التي سقطت من السماء لتستقر على أرض مصر.

التفت مرنبتاح نحو أخيه، وخرج صوته هامساً مخترقاً صفير الرياح الخفيفة:

"انظر يا أخي... انظر كيف تودعنا مصر. كل تلك الأنوار المتلألئة في الأفق... كل تلك النفوس البريئة والأرواح الآمنة التي نتركها خلفنا في بيوتها. أخبرني بصدق الحكمة التي في صدرك... هل تظن حقاً أننا نفعل الصواب بهذه الخطوة الجريئة؟"

نظر خع إم واست إلى شقيقه الملك، ولم يتردد لحظة، بل جاء صوته هادئاً، عميقاً، ومليئاً بعزم صلب تفوح منه رائحة اليقين:

"إننا نفعل ما يجب أن يُفعل يا جلالة الملك، وما تمليه علينا أمانة التاج. لو أننا آثرنا السلامة وانتظرنا خلف حصوننا حتى تجمع قوى الظلام حشودها وتأتي إلينا، لكانت النتيجة كارثية؛ لكانوا قد أحرقوا قرانا الخضراء، ودنسوا معابد آلهتنا الطاهرة، وروعوا النساء والأطفال. أبونا رمسيس العظيم لم يكن ينتظر الخطر حتى يطرق بابه يوماً... ونحن، أبناءه وحاملي وصيته، لن ننتظر أبداً." فانت اخذت من حكمة وجرأة والدنا العسكرية و بعد تفكير عميق فى الايام السابقة اظن ان والدنا كان سيفعل مثل ما فعلت فنحن لدينا جيش هو الأقوى فى العالم وجنود لا تهاب الموت أما مايقلقنى هو ظلام بعل . فبعل اله وليس بشرا يمكننا مواجهته بالسيوف والدروع ولا أعرف اذا ماظهر ست كيف سيكون وضعنا رد مرنبتاح على اخيه مسرعا انت ياخى قد واجهت اعتى قوى الظلام وابنك سي اوزير اخترق قلب الظلام الكونى نفسه فى عالم الدوات حيث القوى الكونيه المطلقة ونحن معا متحدين مثلما اوصانا والدنا لن يقف فى وجهنا شئ وان فشلنا سنموت ونحن ندافع عن تراب ومجد بلدنا وحياة ومقدرات شعبنا

ساد الصمت بين الأخوين للحظات طويلة، تركت المجال لصوت تلاطم الأمواج ليملأ الفراغ القائم بين السفن المبحرة. عاد خع إم واست لينظر إلى الخلف، نحو الشاطئ الذي تلاشى تماماً ولم يعد يظهر منه سوى خيط واهن من الضياء. كانت نظراته تخترق الظلمة كأنه يبحث عن وجه زوجته وحبيبته "تفنوت" في عتمة البحر.

تنهد الكاهن العظيم، وتابع حديثه بصوت أكثر انخفاضاً، يحمل دفء المشاعر الإنسانية المخبوءة تحت دروع الحرب:

"لقد تركتُ تفنوت في القصر الملكي بطيبة... كانت تصر إصراراً غريباً على الذهاب معنا في هذه الحملة. كانت تقول إن النور الطاهر الكامن في روحها سيكون درعاً سحرياً يحمينا من غدر سحرة الشمال، وأنها لن تتحمل لوعة الانتظار والخوف مرة أخرى وهي بعيدة عنا. لكنني رفضتُ طلبها بشدة وقسوة لم أعهدها في نفسي. فضلتُ وللمرة الأولى أن تبقى هناك في أرض مصر آمنة مطمئنة؛ تحمي عرش أبينا الراحل بوجودها، إن نزل بنا القضاء ولم نعد من هذه الرحلة. قل لي يا مرنبتاح... كيف لي أن آخذها بيدي إلى مواجهة مباشرة مع قوى كونية شريرة لا ترحم؟"

ارتسمت على شفتي الملك مرنبتاح ابتسامة حزينة، حملت في طياتها تقديراً كبيراً لأخيه ولتلك المرأة الاستثنائية، وقال:

"تفنوت امرأة قوية يا أخي.. قوية بأكثر مما تظن ويظن الكثيرون، ونورها قد شق الظلمات من قبل. لكن قرارك بحظر مسيرها معنا كان قراراً صائباً وحكيماً للغاية. إن مصر في هذه المرحلة الحرجة تحتاج إلى طهرها ووجودها هناك في الداخل أكثر بكثير مما نحتاجها نحن هنا في ساحة المعركة ودمارها. إنها حصن الروح المتبقي في الوادي."

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status