Share

112

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-02 04:02:30

بينما كان الأخوان مستغرقين في حديثهما، تحرك ظل صغير وخفيف من وسط عتمة السطح واقترب منهما بخطوات هادئة لا تكاد تُسمع. كان الفتى المعجزة "سى اوزير"، مرتدياً رداءه الكهنوتي الأبيض، وممسكاً بيده التميمة المقدسة التي كانت تنبض بضوء خافت للغاية بين أصابعه.

وقف سى اوزير إلى جوار والده وعمه الملك، ونظر إلى الأفق البحري الواسع قبل أن يقول بصوته النقي الذي يحمل وقاراً أكبر من سنوات عمره:

"لقد فعلتَ الصواب يا أبي بترك أمي هناك. إن طاقة بعل التي أشعر بها الآن تتصاعد من الشمال ليست طاقة جيوش بشرية عادية، بل هي رغبة عارمة في ابتلاع كل ما هو طاهر. لو كانت أمي معنا هنا، لكانت المعركة الروحية مزدوجة، ولكان بعل قد حاول استغلال نورها لكسر قلوبنا. وجودها في طيبة هو الركيزة التي تثبت الأرض تحت أقدامنا ونحن في غربتنا."

التفت الملك مرنبتاح نحو ابن أخيه، وعيناه تلمعان بتقدير كبير لهذا الفتى الذي طالما أدهش رمسيس العظيم نفسه، وقال بنبرة مشجعة:

"تحدث يا سى اوزير... أخبرنا بما تقوله لك حواسك وعين تحوت. هل تشعر بنوايا العدو خلف هذا الضباب؟"

أومأ سى اوزير برأسه ببطء، ورفع التميمة قليلاً لتواجه الرياح الشمالية القادمة، وتابع حديثه بثقة:

"العدو مغرور يا عمي الملك.. غروره يجعله يرى رحيل جدي رمسيس نهاية لمصر، ويعتقد أنك ستقف مدافعاً فقط خلف الأسوار. حركتنا البحرية هذه أحدثت اضطراباً في خطوطه الروحية دون أن يدري؛ إنه يشعر باقتراب عاصفة، لكنه يظنها عاصفة طبيعية من عواصف الشتاء. سحر الإخفاء الذي نسجه أبي يعمل بكفاءة، وأنا أتابع بعيني طقوس سحرته.. إنهم نائمون في ثقتهم الزائفة. هذه هي اللحظة المثالية للضرب."

نظر خع إم واست إلى ابنه وفخر كبير يملأ صدره، ثم وضع يده على كتف الصغير وقال:

"والتميمة يا بني؟ هل تشعر بارتباطها مع الإله ست في هذه الأجواء البحرية البعيدة؟"

أجاب سى اوزير وعيناه تتوهجان ببريق غامض:

"التميمة حية يا أبي.. إنها تنبض مع كل موجة ترتطم بالسفينة. الإله ست لا يغيب عن كنانته، ومعركته في الدوات تمنحه القوة ليرى إخلاصنا. عندما نصل إلى شواطئ الأعداء ونطلق النداء، لن يخذلنا سيد العواصف، وسيجعل من رعد الشمال سلاحاً في أيدينا لا علينا."

غاص خع إم واست مجدداً في ذكرياته القريبة بعد كلمات ابنه التي أثلجت صدره، وتذكر بالتفصيل تلك الليلة الحميمة والدافئة التي جمعته بتفنوت قبل موعد الرحيل بيومين اثنين فقط. كان يذكر كيف أغلقت أبواب غرفتهما الملكية الموصدة لتفصل بينهما وبين العالم الخارجي وهمومه، وأشعلت مصابيح الزيت الخافتة لتلقي ظلالاً ناعمة على أرجاء المكان.

وقفت تفنوت أمامه بثوبها الكتاني الأبيض الرقيق الذي يشف عن رقتها، وكانت عيناها الواسعتان مليئتين بدموع حارة، لكنهما في الوقت ذاته تشعان بعزم لا يلين. في تلك اللحظة، لم ينطق بأي كلمات، بل تقدم نحوها وااحتضنها بقوة شديدة تكسر كل حواجز الخوف، وقبل شفتيها بعمق وطول، كأنه كان يحاول أن يودع جزءاً حيوياً من روحه في صدرها، أو يستمد من أنفاسها القوة لما هو قادم.

كانت يداه الخشنتان من تقليب كتب السحر والبردي تمران على جسدها بلطف شديد وعناية فائقة، يتلمس كل منحنى، ويستشعر كل نبضة من نبضات قلبها المتسارعة، كأنه كان يخشى في أعماقه أن تنسى حواسه هذا الدفء في صقيع الشمال المعتم. كانت تلك الليلة حارة وعاطفية إلى أبعد الحدود، امتزج فيها الشوق المكبوت لسنوات برعب الفراق الدائم.

كان اتحادهما في تلك الليلة بطيئاً، عميقاً، يحمل طابعاً طقسياً مقدساً، كأنهما يذوبان معاً ليتجاوزا حدود الجسد الفاني ويصبحا كياناً روحياً واحداً لا يقبل الانفصال. كانت تفنوت تمسك بوجهه بيديها الصغيرتين الباردتين، وتبكي في صمت وهي تهمس بين القبلات بنبرات متقطعة:

"أرجوك يا خع إم واست... لا تتركني وحيدة في عتمة هذا العالم مرة أخرى. عد إليّ يا حبيبي.. عد إليّ سالماً، فلا قيمة لمصر في عيني إن غبت عني."

وكان يجيبها وعبرة مكتومة تجعل صوته يبدو مكسوراً لأول مرة:

"سأعود... أقسم لكِ بآمون وبنور السماء سأعود... لكِ، ولابننا سى اوزير، ولأرض مصر التي جمعتنا. هذا الوعد الذي بيننا الآن هو أقوى وأبقى من أي تعويذة سحرية كُتبت في كتاب تحوت."

بعد انقضاء تلك اللحظات العاصفة من العاطفة، بقيا مستلقيين ومتعانقين لساعات طوال حتى شروق الفجر. تحدثا عن كل شيء؛ عن ذكرياتهما المشتركة منذ الطفولة، عن اللحظة الإعجازية التي وُلد فيها ابنهما سى اوزير، وعن أيام السلام القصيرة التي عاشاها تحت ظل الفرعون العظيم، وعن الوصية الأخيرة التي تركها رمسيس الثاني قبل رحيله. ورغم إصرارها المتكرر على مرافقته، إلا أنه نجح في إقناعها بالبقاء مستخدماً حناناً اتسم بالقسوة والمصلحة العليا:

"أنتِ حصننا الأخير والمنيع يا تفنوت. إذا ما دارت الدوائر ونزل بنا في أرض الشمال ما لا نريده ولا نتمناه، فأنتِ وحدكِ من ستحمين قلب مصر وتصونين طهرها بنوركِ الذي لا ينطفئ. بقاؤكِ هنا هو الضمانة الوحيدة لعودتنا."

أفاق خع إم واست من غمرة ذكرياته على صوت رذاذ الماء المالح الذي تطاير على وجهه جراء اصطدام السفينة بموجة عاتية. نظر إلى البحر اللامتناهي وقال متوجهاً بحديثه لمرنبتاح وسى اوزير:

"تلك الليلة... وتلك المشاعر والوعود كانت آخر ما حزمته معي في جعبتي قبل ركوب البحر. إن شعورها، ودفء جسدها، ودموعها الذكية هي سلاحي الحقيقي الآن. أنا لا أحارب هنا من أجل مجد زائل؛ أنا أدافع عن أرض مصر، وعن سلامة شعبها، وعن عائلتي، وعن ذكرى أبي العظيم رمسيس. لن أسمح لأي قوة كونية مظلمة، مهما بلغت سطوتها، أن تنتزع منا ما بنيناه بالدم والعرق والحكمة."

مد الملك مرنبتاح يده القوية الثقيلة، ووضعها على كتف أخيه الكاهن، ثم التفت يربت على ظهر سى اوزير، وناتجاً بنبرة عسكرية واثقة أعادت للرواق هيبته المعهودة:

"ونحن جميعاً معاً يا بني ويا أخي، يد واحدة ونبض واحد. سنضرب "بعل" في عقر داره ومكمن قوته قبل أن يستفيق. سننزل من متون هذه السفن بغتة كالبرق الخاطف، وسنسحق فيالق جيوشه التقليدية قبل أن يستوعب قادته ما يحدث حولهم. وإذا ما تجرأ وظهر بكيانه المظلم في ساحة الوغى، فسنواجهه بصدور عارية وقلوب مؤمنة. إن الإله "ست" معنا، وتميمته المقدسة تنبض بالحياة في يدك يا سى اوزير. ثقوا تماماً... لن نعود إلى هذا الوادي إلا ورايات النصر ترفرف فوق رؤوسنا."

في هذه الأثناء، كان الجيش المصري بأكمله، من جنود فيالق وقادة وحدات وبحارة على متن السفن المائتين، يشخصون بأبصارهم نحو الجنوب في صمت مطبق مع ابتعاد السواحل تماماً. كان بعضهم يحرك شفتيه بصلوات خفيفة لآمون ورع وإيزيس ليحفظوا زوجاتهم وأطفالهم، وبعضهم الآخر يهمس بأسماء أحبائه في سريرة نفسه ليقتربوا منهم روحيّاً في هذا الفراق.

كانت السفن تتقدم بخطى ثابتة وسريعة في جوف الليل البارد، تشق عباب البحر المتوسط متجهة نحو الشمال المجهول، وهي لا تحمل على متنها محاربين وسلاحاً فحسب، بل تحمل معها أمل أمة بأكملها، وغضب وطن قرر ألا يستسلم للظلام مهما كلفه الأمر. كان الملك مرنبتاح بكامل حواسه وعقليته العسكرية مصمماً على المضي قدماً وتنفيذ خطته الاستراتيجية الجريئة، وكان خع إم واست يقف إلى جواره كالعقل المفكر، وبجانبهما سى اوزير بنوره الهادي، مستعدين بكامل قواهم لمواجهة أعتى القوى الكونية دفاعاً عن كل ما يحبون ويقدسون.

وفي أقصى الشمال، خلف تلك الجبال الشاهقة والغيوم المتراكمة، كان "بعل" يربض في قصره الأسود، يراقب الأفق بصلف وغرور، يظن أن الموت قد غيّب حامي الحمى وأن الوادي قد بات مستباحاً... غير مدرك على الإطلاق أن العاصفة المصرية الحارقة قد رفعت أشرعتها السوداء بالفعل، وأبحرت بكامل غضبها وحكمتها نحوه

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status