Share

165

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-18 20:22:21

انصرف الأمير "سى اوزير" من قاعة المشورة بخطوات متباطئة، مثقلة بعبء الكلمات التي نطق بها أمام والده وعمه. كان يترك خلفه نظراتهما المتفحصة ليغرق مجدداً في دوامة أفكاره، بينما اتجه قلبه وعقله نحو المهام الكهنوتية التي تنتظره في أروقة معبد "بتاح"، في محاولةٍ يائسة لاستعادة توازنه المفقود.

على الجانب الآخر، لم تجد الأميرة "تفنوت" أيّ وسيلة للهدوء بعد لقائها المريب مع "أناتيرا". كانت تمشي في الممرات الفسيحة، وقد تلبّستها حالة من اليقظة الشديدة التي لا تفارق الكاهنات اللواتي خبرن أسرار الغيب. بمجرد أن رأت زوجها "خع إم واست" في جناحه الخاص، يراجع بعض اللفائف البردية التي تخص طقوس الحماية الكبرى، دخلت عليه بملامح تنبئ بأن في صدرها حديثاً لا يحتمل التأجيل.

اقتربت منه، ووضعت يدها على اللفيفة التي كان يقرؤها، وقالت بصوت خافت لكنه مشحون بالإصرار:

"يا زوجي، لا تظن أنني جئت لأشغل وقتك بحديث العيد وما جرى فيه. قلبي لا يزال يرتجف، وهناك شعورٌ بارد يغلف روحي كلما اقتربتُ من تلك الفتاة الشمالية. لقد طلبتُ من الكاهن 'حور-محب' أن يراقبها، لكنني أعلم أن هذا لا يكفي. أنت يا خع إم واست، تمتلك من القدرات ما لا يملكه غيرك، وأنت الوحيد الذي قرأ وفهم ما بين سطور كتاب 'المعرفة الكونية' للإله تحوت. أرجوك، استخدم نورك الباطني وقدراتك الروحية لتسبر أغوار روحها. لا أريد أن أظلمها، ولكنني أريد أن أرى مقدار النور الحقيقي في جوهرها. اكشف لي ما تضمره تلك الروح دون أن تشعر هي بوجودك."

رفع خع إم واست بصره عن البردية، ونظر إلى زوجته بملامح بدت مستغربة لهذا الطلب. كان يعلم مدى حب تفنوت لابنها، ومدى قلقها الذي يصل أحياناً إلى حد التوجس المفرط. تنهد بعمق، ثم أغلق اللفيفة ووضعها جانباً، قبل أن يجيب بنبرة هادئة وعقلانية:

"تفنوت، حبيبتي، أنتِ تطلبين مني أمراً لا يستهان به. إن استخدام 'نور المعرفة' تجاه إنسانٍ ما، ليس لعبةً كيميائية أو سحراً عابراً، بل هو انتهاكٌ لخصوصية الروح الذي لا نلجأ إليه إلا في حالات الطوارئ القصوى. إنكِ بهذا تبالغين في الحماية، وتفرطين في التوجس تجاه فتاةٍ لم ترتكب سوى أنها جذبت قلب ابننا. هل نحن حقاً سنستخدم أسرار 'تحوت' في شؤون القلب؟ هذا لا يصح، وربما كان هذا القلق نابعاً من خوفكِ الطبيعي كأمٍ لا تطيق أن ترى ابنها ينجذب لامرأةٍ خارج نطاق معرفتنا."

لم تقبل تفنوت بهذا الرد؛ فقد كان إصرارها أقوى من منطقه. اقتربت منه أكثر، ونظرت في عينيه نظرةً تحمل كل الحب الذي يجمعهما وكل الخوف الذي يعتريها، ثم قالت بإصرار:

"خع إم واست، أنت تعلم جيداً أن حدسي لم يخطئ يوماً في قراءة النفوس. الأمر لا يتعلق بمجرد إعجابٍ عابر أو قلبٍ سرقته فتاة شمالية. هناك شيءٌ مريب.. شيءٌ ينقص في روحها، أو بالأحرى، شيءٌ زائدٌ فيها يثير في نفسي الشك. هي كاملةٌ بشكلٍ يثير الغرابة، ومنضبطةٌ بشكلٍ لا يليق ببشرٍ مرّ بكل تلك الأهوال. إنني لا أطلب منك أن تقتحم حرمة روحها بدافع الفضول، بل أفعل ذلك لأجل ابننا. سى اوزير هو مستقبلُ هذه العائلة، وإذا كانت هذه الفتاة تحمل في جوهرها ظلاماً أو غايةً خفية، فإنك بهذا الفعل لا تنتهك خصوصيتها، بل تحمي سلالة رمسيس. أرجوك، افعل ذلك من أجلي.. من أجل قلبي الذي يصرخ بأن هناك خطأً ما لا أستطيع رؤيته بوضوح."

كان خع إم واست ينظر إليها، ويرى في عينيها مزيجاً من القلق الأمومي الصادق والحكمة التي لم تعتد التسرع. كان يعلم أنها لن تكف عن هذا الطلب حتى يطمئن قلبها، وكان يعلم أيضاً أن حدس تفنوت هو بوصلة نادراً ما تخطئ. صمت لبرهة، وهو يزن الأمر في عقله؛ فاستخدام قدرات "المعرفة الكونية" يتطلب تركيزاً شديداً وانفصالاً عن العالم الخارجي، وهو فعلٌ يحمل في طياته مخاطر روحية إذا لم يُستخدم بدقة.

أخيراً، أومأ برأسه ببطء شديد، ثم قال بصوت متهدج:

"سأفعل ذلك يا تفنوت. ليس لأنني أؤيد توجسك، بل لأنني أثق في روحك التي تعرف خبايا الأمور أكثر من عقولنا. سأحاول.. سأحاول أن ألمس جوهر روحها بنوري في الليلة القادمة، عندما يخيم السكون على المعبد وتكون هي غارقة في غفلتها. ولكن اعلمي، أننا إذا لم نجد شيئاً، فعليكِ أن تكفي عن هذا الشك، وأن تتركي لسى اوزير حرية اختيار مصيره. لا أريد أن نحول حياته إلى سلسلة من الاختبارات والتعاويذ؛ فالحب لا ينمو في حقولٍ من التوجس الدائم."

ابتسمت تفنوت بامتنان، وشعرت أن ثقلاً كبيراً قد انزاح عن كاهلها. كانت تعلم أن زوجها هو القادر الوحيد على كشف ما هو مستور، وأن قواه الروحية قد تكون الملاذ الأخير لإنقاذ ابنها من مصيرٍ قد يكون أشد قسوة مما تتخيل. تركت تفنوت زوجها ليبدأ تحضيراته الروحية، وخرجت من الجناح وعيناها تتجهان نحو غرفة "أناتيرا" في الأفق، حيث كان الليل يوشك أن يلف العالم بعباءته السوداء، محتضناً في طياته سراً من أسرار الآلهة التي لا ترحم

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status