Masukانصرف الأمير "سى اوزير" من قاعة المشورة بخطوات متباطئة، مثقلة بعبء الكلمات التي نطق بها أمام والده وعمه. كان يترك خلفه نظراتهما المتفحصة ليغرق مجدداً في دوامة أفكاره، بينما اتجه قلبه وعقله نحو المهام الكهنوتية التي تنتظره في أروقة معبد "بتاح"، في محاولةٍ يائسة لاستعادة توازنه المفقود.
على الجانب الآخر، لم تجد الأميرة "تفنوت" أيّ وسيلة للهدوء بعد لقائها المريب مع "أناتيرا". كانت تمشي في الممرات الفسيحة، وقد تلبّستها حالة من اليقظة الشديدة التي لا تفارق الكاهنات اللواتي خبرن أسرار الغيب. بمجرد أن رأت زوجها "خع إم واست" في جناحه الخاص، يراجع بعض اللفائف البردية التي تخص طقوس الحماية الكبرى، دخلت عليه بملامح تنبئ بأن في صدرها حديثاً لا يحتمل التأجيل. اقتربت منه، ووضعت يدها على اللفيفة التي كان يقرؤها، وقالت بصوت خافت لكنه مشحون بالإصرار: "يا زوجي، لا تظن أنني جئت لأشغل وقتك بحديث العيد وما جرى فيه. قلبي لا يزال يرتجف، وهناك شعورٌ بارد يغلف روحي كلما اقتربتُ من تلك الفتاة الشمالية. لقد طلبتُ من الكاهن 'حور-محب' أن يراقبها، لكنني أعلم أن هذا لا يكفي. أنت يا خع إم واست، تمتلك من القدرات ما لا يملكه غيرك، وأنت الوحيد الذي قرأ وفهم ما بين سطور كتاب 'المعرفة الكونية' للإله تحوت. أرجوك، استخدم نورك الباطني وقدراتك الروحية لتسبر أغوار روحها. لا أريد أن أظلمها، ولكنني أريد أن أرى مقدار النور الحقيقي في جوهرها. اكشف لي ما تضمره تلك الروح دون أن تشعر هي بوجودك." رفع خع إم واست بصره عن البردية، ونظر إلى زوجته بملامح بدت مستغربة لهذا الطلب. كان يعلم مدى حب تفنوت لابنها، ومدى قلقها الذي يصل أحياناً إلى حد التوجس المفرط. تنهد بعمق، ثم أغلق اللفيفة ووضعها جانباً، قبل أن يجيب بنبرة هادئة وعقلانية: "تفنوت، حبيبتي، أنتِ تطلبين مني أمراً لا يستهان به. إن استخدام 'نور المعرفة' تجاه إنسانٍ ما، ليس لعبةً كيميائية أو سحراً عابراً، بل هو انتهاكٌ لخصوصية الروح الذي لا نلجأ إليه إلا في حالات الطوارئ القصوى. إنكِ بهذا تبالغين في الحماية، وتفرطين في التوجس تجاه فتاةٍ لم ترتكب سوى أنها جذبت قلب ابننا. هل نحن حقاً سنستخدم أسرار 'تحوت' في شؤون القلب؟ هذا لا يصح، وربما كان هذا القلق نابعاً من خوفكِ الطبيعي كأمٍ لا تطيق أن ترى ابنها ينجذب لامرأةٍ خارج نطاق معرفتنا." لم تقبل تفنوت بهذا الرد؛ فقد كان إصرارها أقوى من منطقه. اقتربت منه أكثر، ونظرت في عينيه نظرةً تحمل كل الحب الذي يجمعهما وكل الخوف الذي يعتريها، ثم قالت بإصرار: "خع إم واست، أنت تعلم جيداً أن حدسي لم يخطئ يوماً في قراءة النفوس. الأمر لا يتعلق بمجرد إعجابٍ عابر أو قلبٍ سرقته فتاة شمالية. هناك شيءٌ مريب.. شيءٌ ينقص في روحها، أو بالأحرى، شيءٌ زائدٌ فيها يثير في نفسي الشك. هي كاملةٌ بشكلٍ يثير الغرابة، ومنضبطةٌ بشكلٍ لا يليق ببشرٍ مرّ بكل تلك الأهوال. إنني لا أطلب منك أن تقتحم حرمة روحها بدافع الفضول، بل أفعل ذلك لأجل ابننا. سى اوزير هو مستقبلُ هذه العائلة، وإذا كانت هذه الفتاة تحمل في جوهرها ظلاماً أو غايةً خفية، فإنك بهذا الفعل لا تنتهك خصوصيتها، بل تحمي سلالة رمسيس. أرجوك، افعل ذلك من أجلي.. من أجل قلبي الذي يصرخ بأن هناك خطأً ما لا أستطيع رؤيته بوضوح." كان خع إم واست ينظر إليها، ويرى في عينيها مزيجاً من القلق الأمومي الصادق والحكمة التي لم تعتد التسرع. كان يعلم أنها لن تكف عن هذا الطلب حتى يطمئن قلبها، وكان يعلم أيضاً أن حدس تفنوت هو بوصلة نادراً ما تخطئ. صمت لبرهة، وهو يزن الأمر في عقله؛ فاستخدام قدرات "المعرفة الكونية" يتطلب تركيزاً شديداً وانفصالاً عن العالم الخارجي، وهو فعلٌ يحمل في طياته مخاطر روحية إذا لم يُستخدم بدقة. أخيراً، أومأ برأسه ببطء شديد، ثم قال بصوت متهدج: "سأفعل ذلك يا تفنوت. ليس لأنني أؤيد توجسك، بل لأنني أثق في روحك التي تعرف خبايا الأمور أكثر من عقولنا. سأحاول.. سأحاول أن ألمس جوهر روحها بنوري في الليلة القادمة، عندما يخيم السكون على المعبد وتكون هي غارقة في غفلتها. ولكن اعلمي، أننا إذا لم نجد شيئاً، فعليكِ أن تكفي عن هذا الشك، وأن تتركي لسى اوزير حرية اختيار مصيره. لا أريد أن نحول حياته إلى سلسلة من الاختبارات والتعاويذ؛ فالحب لا ينمو في حقولٍ من التوجس الدائم." ابتسمت تفنوت بامتنان، وشعرت أن ثقلاً كبيراً قد انزاح عن كاهلها. كانت تعلم أن زوجها هو القادر الوحيد على كشف ما هو مستور، وأن قواه الروحية قد تكون الملاذ الأخير لإنقاذ ابنها من مصيرٍ قد يكون أشد قسوة مما تتخيل. تركت تفنوت زوجها ليبدأ تحضيراته الروحية، وخرجت من الجناح وعيناها تتجهان نحو غرفة "أناتيرا" في الأفق، حيث كان الليل يوشك أن يلف العالم بعباءته السوداء، محتضناً في طياته سراً من أسرار الآلهة التي لا ترحمتسمرت "تفنوت" في مدخل الغرفة، واتسعت عيناها بذهولٍ لم تعهده قط، وكأن الزمن توقف داخل تلك الغرفة الصغيرة التي تفوح برائحة الأعشاب الطبية وعبقٍ غامضٍ ينبعث من جسد "أناتيرا". كان المشهد أمامها لا يحتاج إلى تفسيرٍ مطول؛ ابنها البار، الذي لطالما كان مثالاً للرزانة والوقار، يقف أمامها كمن أُلقي في أتونِ نار، جسده العاري العلوي يلمع بعرقٍ كثيف، وأنفاسه تتلاحق كأنما خرج لتوّه من معركةٍ ضارية، بينما ترقد الفتاة الغريبة على فراشه، مغطاةً بقطعةٍ لا تكاد تستر مفاتن جسدها الأسطوري. شعرت تفنوت برعشةٍ تسري في جسدها، فالمشهدُ لم يكن مجرد حادثة، بل كان صدمةً لكل المبادئ التي ربت عليها سلالة رمسيس. في تلك اللحظة الحرجة، كان دخول "تفنوت" بمثابة صاعقةٍ أيقظت "سى اوزير" من غيبوبة الحواس التي كادت تودي بعقله. أدرك الأمير أن جسده قد خانه، وأن حالته الفاضحة أمام والدته لا يمكن السكوت عنها. تسارعت ضربات قلبه، ليس من الشهوة هذه المرة، بل من هول الموقف. سارع بالنهوض، وحاول بيدا مرتعشتين أن يشد الغطاء أكثر على "أناتيرا" ليحجب عنها نظرات أمه، واندفع بكلماتٍ متسارعة، صوته يتهدج بالارتباك: "أمي! ارجوكِ.. لا تسيئي
لم يعرف سي اوزير ماذا يفعل هل ينادى على الحراس ليحملوها للداخل ويستدعى الطبيب لكن كيف وهى عاريه هكذا ام يحملها هو للداخل ويداويها بنفسه لكن ايضا كيف فعندما تفيق وهى على هذا الحال وهى عاريه تماما بجسدها الاسطورى سيكون الموقف محرج لم ينتظر كثيرا وحملها واسرع الى غرفتها ووضعها على سريره دون ان يراه احدا ثم هرع الى الخارج ليحضر الاعشاب اللازمه ليداويها وندهوالى احد الحراس ليذهب الى غرفة ابيه ليستدعى امه بخصوص امر ما ولم يشأ ان يجعله عاجل حتى لا يثير التساؤلات في هذا الوقت المتاخر ثم عاد الى غرفته ومعه الاعشاب واناتيرا لم تكن تعلم انه استدعى والدته وبدا كانها فرصه لتختلى به وحدها دخل سي اوزير غرفته ونظر اليها والى جسدها الفاتن ثم قام بتغطيه جسدها بغطاء ثم صنع دواء من تلك الاعشاب كانت الغرفة غارقة في هدوءٍ مشوبٍ بالتوتر، لا يقطعه سوى صوت الأنفاس المتلاحقة لـ "سى اوزير" الذي كان يراقب "أناتيرا" وهي تستعيد وعيها. كانت الفتاة مستلقية على فراشه، وقد ألقى عليها غطاءً كتانياً خفيفاً، لكن حركة جسدها المضطربة جعلت الغطاء يرتخي قليلاً، كاشفاً عن رقة ملامحها التي بدأت تستعيد حيويتها. كان الأمير يغالب
لم يعد "سى اوزير" قادراً على تحمل الصمت المريب، فبعد أن تأخر ظهور طيفها على السطح، انقشع قناع الانبهار ليحل محله رعبٌ وجوديٌّ جمد الدماء في عروقه. في لحظةٍ خاطفة، تلاشت كل الحكمة الكهنوتية، ولم يبقَ سوى غريزة الرجل الذي يرى معبودته تبتلعها الغياهب. اندفع من شرفته كالسهم المنطلق، وبقفزةٍ بهلوانية اخترق هواء الليل، لترتطم قدماه ببرودة مياه النيل التي شعرت وكأنها سكاكين تغرز في جسده. لم يكترث لعمق النهر أو لظلام قاعه؛ كان يغوص بجنون، وعيناه الفيروزيتان تمسحان القاع ببحثٍ محموم. وفجأة، رأى طيفاً شاحباً يغوص ببطءٍ نحو القاع السحيق، وكأن قوةً خفية تجذبها إلى الأسفل. زفر في الماء زفرةً مكتومة، واندفع نحوها بكل ما أوتي من قوة بدنية اكتسبها من سنوات تدريبه وقوته البدنية التى توارثها من ابيه وجده رمسيس العظيم . وما إن وصلت يده إلى معصمها، حتى جذبها بقوةٍ نحو صدره، وشعر ببرودة جسدها التي صدمت كل ذرةٍ في كيانه. بدأ في الصعود بكل ما لديه من طاقة، والماء يضغط على رئتيه، لكنه لم يكترث، كان هدفه الوحيد هو ملامسة الهواء الذي تحتاجه. خرج من الماء كغريقٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة، حاملاً جسدها الذي بدا كت
مع استمرار المشهد، بدأت الحركات تصبح أكثر غرابة في عيني "سى اوزير". "أناتيرا" لم تكن تسبح بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت تندمج مع الماء بشكلٍ مريب. كانت حركاتها انسيابية إلى درجةٍ تفوق قدرة أي سباحٍ مهر. غاصت تحت السطح، وبقيت مدة طويلة، مما أثار دهشة الأمير، لكنه ظل يبتسم بضعف، معتقداً أنها تختبر قدرتها على البقاء تحت الماء، أو أنها تمارس نوعاً من التدريب الذي تعلمته في بلاد الشمال الباردة. كان يراقب السطح وهو يضطرب، ينتظر خروجها وهي تضحك أو تمسح الماء عن وجهها. كانت الابتسامة لا تزال مرتسمة على شفتيه، لكنها كانت ابتسامة ممزوجة بالتوتر الخفي. لم يشعر بالخوف، بل شعر بنوع من الإعجاب بقدرتها على التكيف مع هذا العنصر المتغير. كان يرى في ذلك الغوص رغبةً في الانفصال عن العالم الخارجي، تماماً كما كان يفعل هو عندما يتأمل النجوم في ليالي السكون. أحس الأمير بأنها كانت تتلاعب بالزمن، وبالماء، وحتى بوعيه هو. كل حركةٍ تقوم بها كانت تثير فيه فضولاً لا يرتوي. "أين تذهبين يا أناتيرا؟ وماذا ترين في تلك الأعماق التي لا أراها؟" كان يتساءل في عقله، دون أن يصدر أي صوت. ظلت غائبة لفترة أطول، وهنا بدأت شجا
ساد الصمت المطلق أرجاء المعبد، ولم يقطعه سوى خرير مياه النيل الهادئ الذي ينساب ببطء وكأنه يحمل أسرار العصور القديمة. كان "سى اوزير" واقفاً في شرفته العالية، يراقب المشهد وكأنه مسحور بتعويذة قديمة لا تملك عيناه الفيروزيتان الفكاك منها. كانت ليلة مقمرة، حيث بدا ضوء البدر وكأنه يسكب الفضة السائلة فوق سطح النهر، محولاً المياه إلى بساط متلألئ يعكس هيبة السماء. في تلك اللحظة، ظهر طيف "أناتيرا" من شرفتها المقابلة، وبدت كأنها حورية خرجت لتوها من قصص الخيال التي كان يقرؤها في صباه. لم تكن مجرد فتاة، بل كانت تجسيداً للرقة والغموض. كانت تتحرك بتناغم شديد، وكل حركة من حركاتها كانت تزيد من حدة الاضطراب الذي يغلي في صدره. كان الأمير يراقبها وهي تتجول في شرفتها، يرى كيف يداعب النسيم ثوبها الحريري الشفاف، وكيف ينساب شعرها الأسود الطويل على كتفيها كأنه ليلٌ سرمدي. لم يكن "سى اوزير" يراها كطالبةٍ في المعبد، بل كان يراها كأعجوبةٍ إلهية تفوق منطق الكهنة. كان يتابع تفاصيل جسدها الممشوق تحت ضوء القمر، يرى انحناءات خصرها، وبروز صدرها، وتلك الرشاقة التي لا تكاد تلمس الأرض. وفي تلك اللحظة، اتخذت "أناتيرا" قر
انصرف الأمير "سى اوزير" من قاعة المشورة بخطوات متباطئة، مثقلة بعبء الكلمات التي نطق بها أمام والده وعمه. كان يترك خلفه نظراتهما المتفحصة ليغرق مجدداً في دوامة أفكاره، بينما اتجه قلبه وعقله نحو المهام الكهنوتية التي تنتظره في أروقة معبد "بتاح"، في محاولةٍ يائسة لاستعادة توازنه المفقود. على الجانب الآخر، لم تجد الأميرة "تفنوت" أيّ وسيلة للهدوء بعد لقائها المريب مع "أناتيرا". كانت تمشي في الممرات الفسيحة، وقد تلبّستها حالة من اليقظة الشديدة التي لا تفارق الكاهنات اللواتي خبرن أسرار الغيب. بمجرد أن رأت زوجها "خع إم واست" في جناحه الخاص، يراجع بعض اللفائف البردية التي تخص طقوس الحماية الكبرى، دخلت عليه بملامح تنبئ بأن في صدرها حديثاً لا يحتمل التأجيل. اقتربت منه، ووضعت يدها على اللفيفة التي كان يقرؤها، وقالت بصوت خافت لكنه مشحون بالإصرار: "يا زوجي، لا تظن أنني جئت لأشغل وقتك بحديث العيد وما جرى فيه. قلبي لا يزال يرتجف، وهناك شعورٌ بارد يغلف روحي كلما اقتربتُ من تلك الفتاة الشمالية. لقد طلبتُ من الكاهن 'حور-محب' أن يراقبها، لكنني أعلم أن هذا لا يكفي. أنت يا خع إم واست، تمتلك من القدرات م